اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية

 

د. قيس جواد العزاوي

 

 

في العشرين من الشهر الجاري سنحيي اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو ما اقترحته الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي لا تقصر العدالة الاجتماعية على تحقيق التنمية الاجتماعية وتكافؤ الفرص للفئات المهمشة والمحرومة، بل تشترط أن يسود السلام والأمن واحترام حقوق الإنسان وتحقيق الحريات الأساسية لبلوغ التنمية الاجتماعية، وبالتالي العدالة الاجتماعية إنها مهمة أقل ما يقال فيها إنها عسيرة في عالم تفتقد الغالبية العظمى من سكانه لتلك الشروط مجتمعة.

فالفقر والاستعباد وغياب المساواة داخل المجتمعات البشرية وفيما بينها، تمثل كوابح كأْداء أمام تحقيق السلم والأمن والحريات الأساسية.. فلننظر إلى عالمنا العربي، وإلى داخل مجتمعاتنا لنكتشف أن العدالة الاجتماعية بقيت منذ العهد الإسلامي الأول وإلى يومنا هذا حلما صعب المنال وعلة العلل في مجتمعاتنا هي أن غالبية السكان معطلة، أمية، مهمشة ومضطهدة. فالنساء اللاتي يشكلن نصف المجتمع مهمشات ونسبة الأمية في صفوفهن عالية جدا تصل في المغرب إلى 70 في المئة، والاقليات في غالبية دولنا مضطهدة، وبعض السكان الأصليين محرومون في وطنهم من حقوقهم المدنية.. وجميع هؤلاء ومعهم بقية السكان، يعانون من اختلال التوازن ما بين حقوقهم وواجباتهم الوطنية، وهم في أفضل الاحوال رعايا وليسوا مواطنين. وتتعدد السلطات القامعة في بلداننا وأكثرها فعالية سلطة الدولة وسلطة الدين.. وكما يقول السيد هاني فحص «ما بين تعسف الدين وقهر السلطة، يضيع الدين وتضيع الثقافة» ولن تتحقق العدالة الاجتماعية التي تحلم بها البشرية من دون تحويل العباد من رعايا إلى مواطنين. وهنا علينا أن نستفيد من التجربة الغربية، فمنذ أكثر من قرنين جرى الفصل ما بين الدين والدولة عندما نص التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة العام 1791 على محاذير عدة منها: «لا يجوز للكونغرس أن يسن قانوناً يتعلق بإنشاء دين للدولة، أو منع ممارسته بحرية؛ أو يحدّ من حرية التعبير، أو الصحافة؛ أو حق الناس بالتجمع بسلام...» وفي العام 1793 تحول الرعايا الفرنسيون إلى مواطنين عندما صدر دستور السنة الأولى للجمهورية الفرنسية مستخدما بنحو واسع مصطلح المواطن ومذكراً بحقوقه، فقد عرف الدستور في مادته الرابعة الذين يتمتعون بالمواطنية الكاملة في فرنسا هم: كل رجل ولد أو أقام في فرنسا وعمره 21 عاما.. وكل أجنبي بلغ عمره 21 سنة وأقام في فرنسا مدة عام واحد، ويعيش من إيراد عمله، أو أنه متزوج بفرنسية أو تبنى طفلا، أو يرعى كهلا.

تلك كانت البدايات التي وفرت الأرضية الصالحة لنمو فكرة المواطنة وتطورها.. هذه الفكرة التي أصبحت بهذا الدستور مشاعة للجميع، ولم تعد حكراً على أبناء الوطن، استناداً إلى رابطة الأرض أو رابطة الدم، ولكنها أصبحت متاحة حتى لزائري الوطن أو المقيمين فيه، ولو مؤقتاً ولكل من يعمل، ولكل من يقدم خدمات اجتماعية وإنسانية للمواطنين وما أحوجنا كرعايا عرب إلى دستور يضمن لنا حقاً وفعلاً حقوق المواطنة. إن مثل هذه التسويات الاجتماعية تقدم أنموذجاً رائداً من التعايش له مدلولاته الإنسانية، وينسجم تماماً مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، كما ينسجم مع المثالية والأممية والأخلاقية التي جاءت بها الأديان السماوية، هذه الأديان التي جرى استغلالها لتحقيق أغراض سياسية، حتى وصلنا إلى قناعات تطالب بإبعاد الدين عن السياسة لإنقاذ الدين من شرور السلطة وإنقاذ السلطة من شرور بعض المستغلين للدين. وعلى مدى عقود أثمرت التجربة الغربية، وغيرت تماما، ليس حاضر تلك المجتمعات فقط، بل مستقبلها أيضاً.. بحيث أصبح المواطن فيها هو القيمة العليا، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو طائفته، وتحققت بعض الجوانب من العدالة الاجتماعية، وبخاصة الأبعاد التي تتعلق بالحريات السياسية والمدنية والضمانات الصحية والاجتماعية ومازالت جوانب عديدة مغيبة ومؤجلة إلى حين..وكلما نتمعن فيما وصل اليه أوباما في أميركا وساركوزي في فرنسا، نتعلم الدروس في مجال المواطنة. فقد فاز نيكولا ابن المهاجر المجري ساركوزي في فرنسا برئاسة الجمهورية، وتراجعت منافسته السيدة الفرنسية الأصيلة سيغولين رويال، وفاز ابن المهاجر الأفريقي باراك حسين أوباما وخسرت منافسته الشقراء الأميركية الأصيلة هيلاري كلينتون، كما خسر منافسه الأميركي الأبيض جون ماكين!! وربما يكون الدرس الأكثر أهمية الذي تعلمناه من بروز هاتين الشخصيتين في أعرق الديموقراطيات الغربية، هو الانتصار الحاسم والرائع لمفهوم المواطنة في الغرب. فالمواطنة بالعمل وليس بالعرق أو الجنس، المواطنة حق تكفله القوانين الدينية والدنيوية والشرائع الدولية، فهل سنتعلم درس الديمقراطية الأول، وننبذ الاستبداد والمحاصصة والبدون والتفرقة بين السكان.. ونحقق قليلاً من العدالة الاجتماعية؟

* كاتب من العراق

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: اوان-Saturday-14 فبراير 2009