مقالات و محاضرات

 

 

تيار الإصلاح الذي لم يولد بعد

 

محمد فاضل

 

كتب محمد فاضل في صحيفة البيان الإماراتية مقالاً بعنوان "تيار الإصلاح الذي لم يولد" مما جاء فيه:

يشكو اصلاحيون عرب من تراجع الاهتمام الأميركي بالإصلاح في البلدان العربية بعد أن أسهمت الضغوط الأميركية على الحكومات إلى تصدر الإصلاح جدول الأعمال طيلة ثلاثة أعوام على الأقل. لقد بدأ الحماس الأميركي للإصلاح يتراجع منذ منتدى الرباط عام 2004 عندما أعطت واشنطن التبادل الاقتصادي أولوية على الإصلاح السياسي والمؤسسي، أي بالضبط ما يذكرنا بما جرى بعد أحداث ميدان تيانمن في الصين عام 1989، لقد انتصرت المصالح الاقتصادية وتبادل المنافع على حقوق الإنسان والديمقراطية.

ولم يأت العام 2005 إلا وكانت واشنطن تبدو كمن يعيد التفكير في خيار خاطئ لأن ضغوطها من اجل الانتخابات والدمقرطة أثمرت عن وصول أكثر من يكن لها العداء في البلدان العربية: (الإسلاميون). مع هذا يتعين الاستدراك أن الإصلاح ليس مطلبا جديدا في البلدان العربية بل يعد تاريخيا، فإن دخول واشنطن على خط المطالبة بالإصلاح أسهم بشكل مؤكد بالأضرار بهذه المطالبة وأخرجها عن سياقها الطبيعي إلى سياق مفتعل وبالغ الأذية للإصلاح نفسه.

لقد اختزلت واشنطن الإصلاح إلى معركة من اجل البقاء بالنسبة لغالبية الأنظمة العربية كما في العراق مثلا. وفي بلدان أخرى، استنفرت النخب السياسية والتيارات المعارضة ووضعتها في خندق واحد مع الحكومات في معارضتها للإصلاح الذي بات بالنسبة لهؤلاء (مفروضا من الخارج).  وعندما رأت أن صناديق الاقتراع لم تأت إلا بخصومها الأيدلوجيين، بلعت لسانها تماما ولم تعد تتحدث إلا عن الحرب على الإرهاب دون الشق الآخر: الدمقرطة.

لكن مع هذا يتعين التوقف قليلا، فمن السهل رصد الإخفاق الأميركي هنا وإلقاء اللوم على واشنطن. المسؤولية الأساسية هنا يتحملها المطالبون بالإصلاح أنفسهم. يتضح هذا مليا عند النظر إلى ما أثمرت عنه حركة استمرت ثلاثة أعوام منذ العام 2001 على الأقل. فالمطالبة بالإصلاح والضغوط الخارجية والداخلية لم تثمر سوى القليل والقليل جدا. المجادلة هنا بأن الثمار لن تظهر سريعا لا تنفع كثيرا، لأن الخلل الأصلي اكبر من هذا الجدل. انه خلل في صميم الحركة المطالبة بالإصلاح والنخب التي تطالب بالإصلاح.

يمكن ملاحظة الفارق بين القوى المطالبة بالإصلاح في البلدان العربية عندما نتذكر أن هذه القوى في الغالب الأعم هي من قطاع الانتلجنسيا. أما القوى الأخرى فهي القوى السياسية والأحزاب. وفي لحظات ما، التقت هذه القوى في تحالفات محدودة وعديمة الفعالية من اجل المطالبة بإصلاحات سياسية أو اجتماعية، لكن الأمر لم يزد في غالب الأحوال عن إصدار بيان أو توقيع مذكرات وعرائض.

إن أول أشكال ضعف الحركة المطالبة بالإصلاح في البلدان العربية هو تشتتها وعدم قدرتها على صياغة برنامج واضح متفق عليه للإصلاح. عدا النموذج المصري، يمكن ملاحظة أن حركة المطالبة بالإصلاحات في غالبية البلدان العربية لم تستطع أن تتجاوز صيغة المناشدات. وفي هذه البلدان يبدو الإصلاحيون كمن يكتفي بإطلاق التحذير والجهر بالمطالبة ومن ثم انتظار الاستجابة من النخب الحاكمة.

هذا لم يثمر شيئا ملموسا وغالبية الأنظمة الحاكمة أوصلت رسالة واضحة للمطالبين بالإصلاح فحواها أنها لن تفعل شيئا تحت وطأة الضغط، بل هي تختار الخطوات والتوقيت لاتخاذ أي خطوة يمكن ان توصف بأنها إصلاحية.

يسهم في ضعف حركة المطالبة بالإصلاح غياب رؤية موحدة او برنامج حد أدنى لهذه الإصلاحات. وخلل كهذا يبدو ناتجا من تداخل غير مثمر بين الأحزاب ونخب المفكرين والمثقفين. فالأحزاب لاتزال مشدودة إلى جناتها الأيدلوجية وغير قادرة على صياغة تحالفات مع القوى الأخرى.

وإذا كانت هذه الأحزاب قد أثبتت شيئا، فقد أثبتت أنها قادرة على كل شيء من تحريك الشارع غالي الحلول مكان الدولة أحياناً إلا أنها تعجز عن أمر واحد: صياغة رؤية وبرنامج وطني يشرك الآخرين. لا يتعلق الأمر بالتحالفات السياسية، بل برؤية اشمل لشكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة مع الأقليات السياسية او الدينية أو العرقية، أي باختصار الحد الأدنى اللازم لقيام الدولة والشعب والوطن والديمقراطية.

أما نخب المثقفين والمفكرين، فهي لاتزال تتحدث عن الإصلاح من قاعات المنتديات وورش العمل والندوات وليس خارجها. أسهم هذا في جعل الإصلاح يبدو كمطلب نخبوي. فهذه النخب تتحدث عن الإصلاح وتطالب به لكنها لا تفعل أكثر من هذا. وطالما أن الإصلاح في احد وجوهه الأساسية لا يعني سوى تنازل النخب الحاكمة عن الكثير من أدوات وممارسات السلطة المطلقة وتحكمها في الثروة، فإن المنطق لا يقترح سوى أن امراً كهذا لن يحصل دون ضغوط.

ومع غياب توافق وطني عام يمثل حداً ادنى بين الإسلاميين وباقي الأحزاب وقطاعات المثقفين، يبدو الإصلاح شديد العمومية وضبابيا أحياناً في خطاب المطالبين به. فالمطالبة بإصلاح التعليم أو الاقتصاد أو سوق العمل، لا تبدو في أفضل صيغها سوى استجابة لوصفات الاقتصاديين الغربيين والمؤسسات الدولية. مع هذا ليست هناك رؤية موحدة لدى كل هؤلاء الفرقاء لشكل ونوع هذه الإصلاحات.

هذا يمكن أن يقودنا إلى حالة من الوهن بين المطالبين بالإصلاح ضيعت حتى اليوم أي اتفاق على رؤية موحدة تشكل حدا أدنى لبرنامج الإصلاح، والنتيجة الأولى لحالة الوهن هذه واضحة جدا: الإصلاح لم يتحول إلى تيار قوي ومتماسك وذي رؤية يمكن أن يجمع الناس التي تدافع عنه وتدفعه إلى المرتبة الأولى في سلم الأولويات.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: صحيفة البيان الإماراتية-4-6-2006