الـرأي :

 

عـلـى هـامـش المـؤتــمـر الـدولـي المرتـقـب حـول العـراق

 

 

المـهـنـدس فـؤاد الصـادق

 

 

مـوت الـدبـلـومـاســيـة :

في يوم ليس كيومنا النازف هذا دفعت إنجازات الدبلوماسية في أوروبا كاتباً مثل فـيكـتـور هـوجـو ليكتب عن "موت الحرب" ، لـمـاذا ؟

بإختصار لأن الدبلوماسية - رغم ما عليها - نجحت في إرساء السلام والتقدم الاقتصادي في أوروبا ولأكثر من مائة عام خلال القرن الذي سبق الحرب العالمية الأولـى التي ألغت أربع امبراطوريات كبرى من السبع التي كانت تتربع على المسرح الدولي .

أما اليوم فانتشرت الحروب المتوازية المتقاطعة الضبابية الدموية التي يكون فيها المنتصرُ مهزوماً ومنتصراً ، والمهزوم ُ منتصراً ومهزوماً في آن واحد ، ويبدو أنها تأبى التوقف إلا بعد عقدين على أقل تقدير إذا أستمرَ تشبث اللاعبين بالنار بإستراتجية : (( كل شيء أو لا شيء )) الطوباوية في إدارة الصراعات وحل النزاعات وفي المجالين العسكري والدبلوماسي.

هل حقاً لا وجود لخيار ثالث أمامنا ؟

بين كل شيء ولا شيء ألف ألف خيار وخيار لمنْ يبحث في عالم الواقع لا الخيال عن الإنـتـصار الراسخ لا الإنـتـصار القلق الذي يستعجل الإندثار، وبين ذلك الألف ألف خيار وخيار خيارات وخيارات ممكنة ولا تقع في دائرة الخيارات التي تتعارض مع المبادئ الأخلاقية والثوابت الدينية لمنْ يريد الى الدين سبيلا ، أوالثوابت الليبرالية لمنْ يريد الى الليبرالية سبيلا ، أوالثوابت القومية لمنْ يريد الى القومية سبيلا ، وقـسْ على ذلك .

وإذا كان الخيار الثالث بتعـدده متاحاً وبهذه الدرجة من الوفرة فهناك طريق أخر غير الحروب لنصر لا يحمل في طياته بذور الهزيمة ، وهذا الطريق الأخر أقل ثمناً ، وأحمد عاقبة ، وأقرب  لتقاته تعالى حق تقاته  ، وأرضى للرب وخلقه ، فهو أقل ثمناً لأن إستخدام القوات المسلحة لتحقيق الهدف تكاليفه باهظة بلاشك مقارنة  بالدبلوماسية ، وأحمد عاقبة لأنه يحمل أمناً وإستقراراً وإعماراً وإستقلالاً وتعايشاً وتسامحاً مستداماً ، و أقرب  للتقوى لأن العفو فيه وبه تـُصان الأنفس والأعراض والأموال ، وبه تـُدرء مفاسد الحروب المؤلمة القاسية ، وأرضى للرب سبحانه وتعالى لأصالة اللاعنف في الأديان قاطبة ، وأرضى للخلق لأن الرأي العام العالمي برمته وفي كل مكان لا يرفض الحرب هذه بل يمقتها ويلعنها ويجنح الى السلم فطرة الله التي فطرهم عليها ، ولذلك يرجحَ الطريقَ الأخر فيفضل الدبلوماسية َ ومهما كانت صعبة وشاقة وطويلة أشواطها.

إذا كانت الخيارات الشـرعية بين طرفي خـرافـة (( كل شـيء أو لا شـيء )) في الصـراع متاحــة وبوفـرة وأقل ثمناً فـلـِـم َ الزهـد في الطريـق الأخـر أي الدبلوماسية ؟

قوة الغرور ، وغرور القوة ، سوء التقدير ، خطأ الحسابات ، الإستشارات الخاطئة ، الإشـارات المتناقضة ، المعلومات المشوهة ، الرهاب من المستقبل ، الأخطاء المفاجئة غير المتوقعة إضافة الى عوامل معروفة كثيرة أخرى كسهولة إطلاق الحرب التي تقابلها تعقيدات الدبلوماسية وإستحقاقاتها وعدم نظافة كفها أحياناً.

هل ماتـت الدبلوماسية حـقـاً وذهبَ مع الريح عصرها الذهبي ؟

منذ القدم هناك فريق مغرم بالعنف والحرب حتى كأنّ الأصل هو الحرب ، فالحرب عنده ليست خياراً مشروطاً تلجأ إليه الدول عند فشل الديبلوماسية , بل هي تحديداً خيار ديبلوماسي مفتوح !!

هناك إنتقادات محرجة للدبلوماسية القديمة والمعاصرة التقليدية وقد صرخ بها كثيرون منها وعلى سبيل المثال إنتقادات هانز مورجانثو للدبلوماسية  لمسؤوليتها عن حروب كارثية كبيرة للبشرية في حقبات ، ولسريتها المعارضة لمبادئ الديموقراطية ولمساوماتها المخالفة للمبادئ الأخلاقية ليخرج من ذلك بأن الدبلوماسية التقليدية غير ذات جدوى ومضيعة للوقت .!!

هذه الإنتقادات لا تقلل من الدور المحوري للدبلوماسية بل تؤكد حاجتها الى التفعيل والتأصيل والإصلاح بعد قبول الجميع بأنّ الحـرب ما هـي إلا إستـثناءً و خياراً أخيراً ومؤقتاً قصيراً ومحدوداً وإضطرارياً ودفاعياً وللردع وبمقدار ضرورة الضرورة و في ميدان الحرب فقط وعلى أن تكون جزءً مـُقيداً من ستراتيجية إنسانية متماسـكة واقعية متوافـقة مع حاجات البشرية وحقوقها , وإلاّ تسـببت في دمـار اللاعبين والهواة عاجلاً أم أجلاً ، وبإيجاز لأن النصر العسكري في فراغ إنساني هزيمة متلبسة بالنصر المؤقت ، وكما هو النصر العسكري الذي يـُحقـق في فراغ سياسي .

هل المـؤتــمـر الـدولـي حـول العـراق يـُعتبر مؤشراً على الخروج من حقبة موت الدبلوماسية ؟

التي بشـرَّ بها ! وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجـر منذ وقت ليس بالقصير في تساءله المشهور :

هل نحن بحاجة إلى سياسة خارجية بعد إنتهاء الحرب الباردة ؟

نعم يمكن أن يصبح المـؤتــمـر الـدولـي حـول العـراق مؤشراً أولياً على الخروج من حقبة موت الدبلوماسية ، ومدخلاً لإنـقـاذ العـراق الديمقراطي الدستوري وإستكمال سيادته إذا صير الى بلورة إرادة دولية ملزمة لتأصيل اللاعنف وتفعيل الدبلوماسية بنبذ دبلوماسية الإكراه والقبول بدبلوماسية جمعية ديموقراطية نظيفة شاملة ترابطية تعددية قائمة على الإقناع والتراضي والإنصاف والعدالة الإنتقالية الذي تمليه التحولات المصيرية الكبرى ، ومن دون ذلك فسيكون المؤتمر منبراً لإلقاء الحجة فالإنتقال الى فشل أخر في العراق لتبرير عسكرة الحل وتفجير عسكري خطير جديد في المنطقة وعلى حساب العراق وضد الديمقراطية الدستورية التي اختارها الشعب العراقي ودون أي تردد أوشك .

أتصور أنه يجب أن نتحاشى الإفراط في التفاؤول والتحضير لمثل الحل الدبلوماسي المتقدم لأن التشبث بخرافة : (( كل شيء أو لا شيء )) الطوباوية المدمرة في إدارة الصراعات وحل النزاعات وفي المجالين العسكري والدبلوماسي مازال قائماً مع رفض القبول ببلوغ نقطة الإنسداد الميتة بالنسبة للحل العسكري منذ وقت طويل .

 

 

مقالات الرأي في الأعداد السابقة:


 

الحلول العـرجاء للمأزق في العـراق

مـن ْ لقباب سامراء الطاهرة؟

فـوبـيـا الشـيعـة سـتـفـجـرّهـا وخـارج الـعـراق؟

الديمقراطية العـراقية : أيـنْ الخطأ ؟

المهمة الممكنة

مصير الفوضى الخلاقة الديناميكية الجديدة!

كي لا يشكّـل المستقبلُ صدمة

نحارب الديمقراطية وننادي بها!!

الـى مجلس إدارة العالم فـي منتدى دافوس

مـا اشـبـه جزرتـكـم بالعـصا !!

الإصلاح والأسئلة العالقة

 في العـراق : منْ يسرق منْ ؟

هـكذا تـسـقـيـم الأمور مع الإرهابيين

الى الأشقاء في البحـرين : التـفكـير داخل صندوق الإقتـراع

العلاقة بين النووي الإيراني والسماح ودخول المرأة الى الملاعب

 

المزيد ◄◄◄