هندسة الفقر

 

تعاني البشرية من مشاكل كبرى على جميع الأصعدة، إلا أن مشكل الفقر يبقى المعضلة الأكثر أهمية نظرا لتعدد أبعاده وسبل معالجته.

لقد تعددت المقاربات والسياسات الحكومية للدول من أجل تحقيق التنمية ومن تم القضاء على الفقر، مسخرة في ذلك موارد طبيعية ومالية هائلة، اضطرت معها مجموعة من الدول أن ترهن اقتصادها وماليتها تجاه الصناديق الدولية لمدة عقود من الزمن.إلا أن مسألة الواقع تبين بجلاء أن نسبة كبيرة من الدول لازالت تعيش وتتخبط في ظروف أقل ما يمكن أن نقول عنها، بأنها ظروف غير إنسانية.

الأسئلة التي تفرض نفسها على أي باحث في قضية الفقر هي من قبيل، لماذا لم تدرك هذه الدول والشعوب التنمية المنشودة، هل تتم مقاربة التنمية و معضلة الفقر بالشكل السليم، لماذا هناك دول استطاعت إنتاج التنمية...الخ.

بداية لا بد أن نعرف مفهوم الفقر وأبعاده قبل الخوض في التحليل وإعطاء التصور السليم، من وجهة نظرنا، لتلمس طريق التنمية.

الفقر هو عدم القدرة على بلوغ الحد الأدنى من الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تمكن الفرد من أن يحيا حياة كريمة، والفقر له أبعاد وأشكال متعددة، هناك بعد اقتصادي، إنساني، سياسي، سوسيو ثقافي، وقائي.

الفقر الاقتصادي :

الذي يعني عدم قدرة الفرد على كسب المال، على الاستهلاك، على التملك، الوصول للغذاء...الخ.

الفقر الإنساني :

هو عدم تمكن الفرد من الصحة، التربية، التغذية، الماء الصالح للشرب والمسكن، هذه العناصر التي تعتبر أساس تحسين معيشة الفرد و الوجود.

الفقر السياسي :

يتجلى في غياب حقوق الإنسان، المشاركة السياسية، هدر الحريات الأساسية و الإنسانية.

الفقر السوسيوثقافي :

الذي يتميز بعدم القدرة على المشاركة على اعتبار الفرد هو محور الجماعة و المجتمع، في جميع الأشكال الثقافية والهوية و الانتماء التي تربط الفرد بالمجتمع.

الفقر الوقائي :

هو غياب القدرة على مقاومة الصدمات الاقتصادية و الخارجية.

يستشف مما سبق، بأن معضلة الفقر متعددة الأسباب و مترابطة فيما بينها، لدرجة أن عملية محاربة الفقر بواسطة إدراك التنمية تعد عملية مركبة تستلزم وضع إستراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد ليتم تصريفها عبر إستراتيجيات قطاعية متناسقة فيما بينها. إن عامل الزمن بالنسبة للتنمية مهم، ويجب التعامل معه بذكاء، نظرا لأهمية المتغيرات الداخلية و المؤثرات الخارجية. إن مفهوم التنمية حسب أدبيات منظومة الأمم المتحدة يتأسس على ستة عناصر التي تعد الأعمدة الرئيسية لإنتاج تنمية بشرية ومستدامة.

1- التداخل:

هدا المفهوم الذي يعني أن النظرة إلى العالم، يجب أن تأخذ في الاعتبار، الترابط الذي يجمع كل الأشخاص و الاحداث والميولات والأمكنة، وبأن كل هذه العناصر مترابطة ببعضها و تشكل منظومة واحدة، لدرجة أن القرارات التي تتحد على المستوى المحلي لها انعكاسات على العالم ككل وذلك في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية...الخ.

2- تنوع النظرة إلى العالم:

ليس لجميع الدول نفس النظرة للعالم و حتى داخل الدولة الواحدة هناك تعدد الرؤى مابين الجماعات البشرية، إلا أنه يجب أن نقر ونعترف بهذا الحق في الاختلاف في الرؤى لسبب بسيط هو أن لكل أفق منطقه الخاص و قيمه. كما يجب الابتعاد عن النمذجة الضيقة فيما بين الدول أو الجماعات.

3- العدالة الاجتماعية:

إن مفهوم العدالة الاجتماعية يستلزم تطبيق حقوق الإنسان والإقرار بصلاحيتها على المستوى الدولي بدون خصوصيات، ونشر ثقافة حقوق الإنسان لتصبح ثقافة عامة ومشتركة.

4- حل النزاعات و الصراعات:

كل الصراعات و النزاعات تجد طريقها للحل والتسوية عبر جميع الطرق الممكنة باستثناء خيار العنف، لابد من الإشارة لاختلاف أشكال الصراع القيم، الحاجيات، الموارد......الخ، إلا أن غياب البنيات التي من شانها تكريس المساواة والعدل، ووجود بنيات أخرى تفقر وتعمل على خرق حقوق الإنسان، من شأن هذا أن يهد السلام و يشرع للعنف.

5- التغيير:

يجب معرفة المشاكل الرئيسية السابقة واللاحقة لقضية التنمية، إضافة إلى معرفة الأسباب الحقيقية المؤدية للتغيير، كما يجب التمييز بين التغييرات على المستوى القصير والبعيد وكذا التغييرات الممكنة والمرغوبة وغير المرغوبة، وكذا اكتشاف إمكانيات الفرد نحو التغيير ومدى قابليته.

6- الاستدامة:

من الضروري أن نلبي الحاجيات الضرورية للإنسان حاضرا، إلا أنه من اللازم أيضا ضمانها للأجيال القادمة.

تأسيسا على ما سبق ذكره وعلى ضوء المفاهيم والمحددات السابقة تتضح مدى أهمية التسامح وشيوع ثقافة السلام وتجسيد ثقافة حقوق الإنسان منها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية على ارض الواقع، من شأن كل هذا أن يشكل مداخل لمقاربة قضية التنمية بالشكل الصحيح مما يسمح بخلق بيئة حية ينعم فيها الإنسان بالكرامة والطمأنينة والرخاء المادي والروحي.

إن تجارب التنمية السابقة على مستوى العالم، تميزت بالتركيز على الجانب الاقتصادي وراهنت عليه لرفع نسبة النمو وبالتالي تحقيق التنمية الشاملة، إلا أن هذه النظرة تبقى ناقصة على اعتبار أن التنمية ليست عملية ميكانيكية.

التنمية هي قبل كل شئ إرادة و تصور واستراتيجية متعددة الأبعاد يكون الإنسان هو غايتها والأداة المبرمجة والمنفذة لها، وذلك عبر المشاركة الفعالة الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية...، وذلك ضمانا لنجاحها، وإعمال التنسيق و التعاون المحلي والجهوي والدولي كآلية ضرورية للاستفادة المتبادلة سواء من ناحية تداول المعلومات و المعطيات و كذا إيجاد صيغ تمويلية لعملية التنمية.

إن الرهان على التربية يشكل أهمية قصوى في التعاطي مع مشكل التنمية، فهي الأداة الرئيسية لتحسيس وتلقين مجموعة مفاهيم ومعارف و مهارات، التي من شأنها أن تنتج سلوكيات داعمة و مولدة لعملية التنمية ، فالتربية على حقوق الإنسان ،التربية على المواطنة،التربية على المحافظة على البيئة...الخ ، كل هذه البرامج تشكل أدوات ذات وقع مهم على التنمية و الفقر.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:tanmeya