كيف تحرك اللوبي الإسرائيلي خلال أزمة لبنان

 

 

يبدو أن الجدل حول دور اللوبي الإسرائيلي في تحديد مسار سياسات الولايات المتحدة الخارجية تجاه الشرق الأوسط لم ينته بعد، خصوصا مع تأزم وضع الولايات المتحدة بالمنطقة سياسيا وإستراتيجيا طبعا لأراء عدة في الإعلام الأمريكي، إضافة إلى تقارير مراكز الأبحاث المختلفة. وفي ضوء النقاش الدائر حول هذا الموضوع قام ستيفين والت وجون ميرشيمر مؤلفا الدراسة الشهيرة "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية"، والتي أثارت جدل هائل داخل وسائل الإعلام الأمريكي، بإلقاء محاضرة بجامعة جورجتاون Georgetown تحت رعاية مركز الدراسات العربية المعاصرة. ودار موضوع الحوار حول دور اللوبي الإسرائيلي في تحديد مسار سياسة الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأزمة الأخير بلبنان. ويستعرض تقرير واشنطن أهم ما ورد في تلك المحاضرة.

استنتج جون ميرشيمر أن السبب وراء هذا الدعم المطلق لإسرائيل لا يتعلق بأية أسباب إستراتيجية أو أخلاقية، بل أن الدعم الأمريكي ناتج عن جهود منظمات الضغط "اللوبي" المؤيدة لإسرائيل بالولايات المتحدة، موضحا أن هذه المنظمات عملت ليلا ونهارا خلال الأزمة حتى تضمن أن السياسة الأمريكية ستطابق سياسات وأهداف إسرائيل. وفي ضوء هذه الجهود قامت منظمات اللوبي على حد تصريحات ميرشيمر بإجراء مقابلات مع مسئولين أمريكيين لحثهم على تقديم العون لإسرائيل خلال الأزمة. كما أنفقت هذه المنظمات أموالا طائلة لنشر إعلانات بأكبر الصحائف الأمريكية لجذب دعم الرأي العام لسياسات إسرائيل. وأشار ميرشيمر إلى خمسة مواقف تبرز نجاح اللوبي الإسرائيلي في التأثير على السياسة الأمريكية إزاء الأحداث الأخيرة بلبنان:

1- قبل أن يصوت الكونغرس على قرار يعلن تأييد أعضائه لإسرائيل، حاول بعض الأعضاء أن يعدلوا القرار (والذي أعدت صيغته الأصلية منظمة إيباك) لحث أطراف النزاع على أهمية احترام الأرواح المدنية والبنايات التحتية. ولكن بعد اعتراض شديد من منظمة أيباك قامت القيادات التشريعية بالكونغرس بحذف هذا التعديل.

2-  قام عضو مجلس النواب كريس فان هولن بإرسال خطاب لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس يقول فيه إن الهجوم الإسرائيلي على لبنان قد تجاوز هدف تدمير مقدرات حزب الله العسكرية وأن الضحية الحقيقية لهذا الهجوم هو الشعب اللبناني وليس حزب الله، مضيفا أن هذه الأزمة زادت من المشاعر المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل بالمنطقة. وأثار ذلك الخطاب غضب منظمات اللوبي التي أعربت عن استيائها من سلوك فان هولن. وبعد اجتماعه بممثلي منظمات اللوبي الإسرائيلي صرح العضو الديمقراطي: "أعتذر إن بدا انتقادي لفشل إدارة بوش كانتقاد لإسرائيل...وذلك بالطبع لم يكن في نيتي." وأضاف فان هولن أنه سيستمر في دعم إسرائيل. وبعد تصريحاته بأيام قليلة قام عضو الكونغرس بزيارة لإسرائيل مصطحبا بعض الناشطين السياسيين المؤيدين لإسرائيل من دائرته إضافة إلى موظف من منظمة إيباك التي تكفلت بكامل تكاليف الزيارة.

3- وجهت منظمات اللوبي انتقادات حادة للرئيس بوش بعد أن حث الحكومة الإسرائيلية في تصريحاته الرسمية ألا تخاطر بأية أعمال من الممكن أن تتسبب في الإطاحة بالحكومة اللبنانية. لم يوجه بوش أي تحذير مشابه للحكومة الإسرائيلية علنا بعد ذلك الموقف.

4- كتب توم ريكس "صحفي بصحيفة الواشنطن بوست" خلال الأزمة أن بعض المحللين العسكريين بالولايات المتحدة قالوا له إن إسرائيل تركت بعض صواريخ حزب الله عمدا، حتى تستمر ضربات حركة حزب الله ضد إسرائيل على افتراض أن ذلك سيكون مبررا لاستمرار العمليات الإسرائيلية بلبنان. تلبية لمطالب منظمات اللوبي الغاضبة صرح رئيس التحرير التنفيذي للصحيفة بأنه قال لريكس إنه أخطأ  في كتابة تلك المقولات. ومن ناحيته قال ريكس: "تعليقاتي كانت صحيحة...أتمنى لو لم أكتبها، ومن الآن فصاعد أعزم أن أغلق فمي عن هذه الأمور."

5- شنت منظمات اللوبي حملة إعلامية شرسة لتشويه سمعة ومصداقية منظمتي أمنستي أنترناشيونال Amnesty International وهيومن ريتس واتش Human Rights Watch بسبب تقاريرهما المنتقدة للسياسة الإسرائيلية.

والت: منتقدونا هاجمونا بدلا من مهاجمة دراستنا

عرض والت في بداية المحاضرة الأفكار الرئيسية التي تناولها دراساتهما حول نجاح اللوبي الإسرائيلي في ضغط الحكومة الأمريكية عبر العقود الماضية لاتخاذ قرارات مؤيدة للموقف الإسرائيلي بالمنطقة مما أدى إلى سياسات ونتائج متناقضة مع المصالح الأمريكية، وفي بعض الأحيان متناقضة مع المصلحة الإسرائيلية كذلك على حد تعبيرهما. ويقول المؤلفان إن تلك الظاهرة عبرت عن نفسها في قرار الولايات المتحدة بشن الحرب في العراق، وسياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي الفلسطيني، علاوة على علاقة الولايات المتحدة بسوريا ولبنان وإيران.

وعن ردود الأفعال إزاء الدراسة، قال والت إنه غير راض عن العديد من الانتقادات التي وجهت ضده وضد ميرشيمر بعد ظهور الدراسة، موضحا أن أغلب هذه الانتقادات لم تطرح سوى "اعتداءات شخصية ضدنا بدلا من مواجهة صريحة مع أفكار الدراسة." وقال والت "إن دراستنا لم تضف معلومات جديدة أو غير معروفة، فكل ما كتبناه معروف داخل العاصمة الأمريكية، ومعظم مراجع الدراسة مقصورة على مصادر مفتوحة مثل صحيفة نيويورك تايمز وواشنطن بوست."  وأشار إلى أن منظمة إيباك نفسها، أكبر منظمات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، تتحدث بافتخار عن نفوذها السياسية من خلال موقعها الرسمي على شبكة الانترنت. ولاحظ والت أن العديد من المنتقدين اتهموه "بالمعادة للسامية". وأشار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد إلى أن الهدف من تلك الاتهامات الكاذبة هي إرغامه هو وميرشيمر على الصمت، إضافة إلى تشويه سمعتيهما حتى تفقد أبحاثهما في المستقبل مصداقيتها. وقال إن موجهي هذه الاتهامات فشلوا في تقديم حتى دليل واحد لإثبات مزاعمهم. ونفى والت أن جامعة هارفارد أرغمته على التنحي من منصبه كعميد لكلية كينيدي للدراسات السياسية  Kennedy School of Government كما زعمت بعض المصادر الصيف الماضي، موضحا أن فترة خدمته الرسمية كعميد قد انتهت الصيف الماضي وذلك وفقا للوائح الجامعية.

وشرح ميرشيمر في كلمته دور اللوبي الإسرائيلي في ضمان استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال الأزمة اللبنانية الأخيرة. وقال ميرشيمر في كلمته "إن هذا الدعم لم يجلب أية منافع إستراتيجية للولايات المتحدة، ولم يخدم أية مبررات أخلاقية" مستنتجا أن العامل الرئيسي وراء هذا الدعم المطلق كان جهود "اللوبي" الإسرائيلي.

أولمرت لبوش: شكرا لحماية مصالح إسرائيل بمجلس الأمن

ووصف ميرشيمر بالتفصيل طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال الأزمة اللبنانية. وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو أن إسرائيل كانت تخطط لتوجيه ضربة عسكرية ضد حركة حزب الله اللبنانية قبل اختطاف الجنديين الإسرائيليين في 12 يوليو، وإن كانت تلك الحادثة لحظة مناسبة لتنفيذ هذه الخطة التي حظيت بموافقة ودعم البيت الأبيض. وقال "إسرائيل كانت محل انتقادات دولية شديدة منذ بداية الحرب، ولكن الولايات المتحدة أعطتها الحماية الدبلوماسية اللازمة...ومنعت واشنطن مجلس الأمن من فرض وقف لإطلاق النار حتى تستطيع إسرائيل أن تستكمل مهمتها بلبنان." وبعد أن قبلت الولايات المتحدة وإسرائيل مبدأ إنهاء النزاع، بذلت الولايات المتحدة جهودا كثيفة في مفاوضات مجلس الأمن التي أسفر عنها القرار 1701. ولذا قام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في مكالمة هاتفية بتقديم الشكر للرئيس بوش "لحماية مصالح إسرائيل بمجلس الأمن." وجاء ذلك الشكر إضافة إلى العون التي قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل من خلال التصريحات الرسمية التي دافعت عن سلوك إسرائيل أمام العالم خلال أحداث الأزمة، علاوة على مساعدات أجهزة الاستخبارات، والأسلحة التي منحتها واشنطن لإسرائيل. وأشار ميرشيمر إلى أن نفس ظاهرة الدعم المطلق لإسرائيل عبرت عن نفسها مرة أخرى في الكونغرس الأمريكي، حيث أن أعضاء الهيئة التشريعية من كلا الحزبين حرصا على تقديم تأييد قوي وعلني للهجوم الإسرائيلي على لبنان، خصوصا المرشحين المحتملين لانتخابات الرئاسية لعام 2008 مثل هيلاري كلينتون وجون ماكين، والسيناتور جوزيف بايدن. كما حاول العديد من أعضاء الكونغرس منع رئيس الوزراء العراقي من إلقاء خطاب للكونغرس بعد توجيهه انتقاد لإسرائيل، وأضاف ميرشيمر أن أحد قيادات الحزب الديمقراطي وصفت رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالمعادي للسامية.

أما عن تغطية الإعلام الأمريكي للنزاع، أشار ميرشيمر لتقرير مجلة "إيدتور آند بابليشير" Editor and Publisher عن تغطية الإعلام الأمريكي للنزاع، ويقول التقرير "لم يدن أحد تقريبا الهجوم الإسرائيلي على المناطق المدنية والبنايات اللبنانية."

دعم واشنطن للهجوم الإسرائيلي قوى حزب الله وسوريا وإيران

وقال ميرشيمر أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل صعب من أهداف واشنطن في المنطقة خصوصا في سياق الحرب ضد الإرهاب والحرب بالعراق والتعامل مع خلافات الولايات المتحدة مع سوريا وإيران. ويرى ميرشيمر أن موقف الولايات المتحدة من هذا النزاع جعل من حزب الله منظمة أكثر شعبية داخل لبنان وخارجه مما قوى من التحالف الإيراني-السوري وأضعف الحكومة اللبنانية الحليفة لواشنطن. كما وضعت الحرب الأنظمة الحليفة بالمنطقة مثل مصر والأردن والسعودية في موقف سياسي حرج وخطير بسبب سياسة حليفهم الأمريكي. وأضاف ميرشيمر أن النزاع الأخير أثار قلق الدول الأوروبية وزعزع ثقتهم في قدرة واشنطن على قيادة الجهود الدولية لمواجهة أخطار منطفة الشرق الأوسط.

فشل إسرائيل في التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية

وردا على ترديد العديد من المؤيدين للموقف الإسرائيلي بالولايات المتحدة بأن عمليات إسرائيل العسكرية بلبنان كانت جزء من ممارسة "حقها الشرعي للدفاع عن نفسها"، قال ميرشيمر "إن إسرائيل لها الحق في أن تدافع عن نفسها، وذلك أمر لا جدال فيه ولم نشكك فيه في دراستنا. ولكن القضية الهامة في سياقنا هي إن كانت أعمال إسرائيل في تلك العمليات تتماشى مع أصول وقوانين الحرب. والإجابة في تلك الحالة هي لا!" وصرح بأن إسرائيل دمرت جزءا كبيرا من البنية التحتية اللبنانية، وقتلت العديد من المدنيين، بما فيه أسر كاملة بهدف فرض المعاناة على عدد كبير من الشعب اللبناني.

إضافة إلى ذلك قال ميرشيمر إن إسرائيل نشرت آلاف من القنابل العنقودية  cluster bombs (وهي قنابل ضئيلة الدقة في توجيها ولا تتفجر مباشرة بعد إطلاقها) في جنوب لبنان قبل تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار مباشرة. وأشار ميرشيمر إلى بيانات منظمة هيومن رايتس واتش Human Rights Watch بأنها لم تشهد هذا الكم الهائل من القنابل العنقودية في أية منطقة أخرى في العالم في الماضي. وأوضحت بعض التقارير إلي أن أحد الجنود الإسرائيليين قال للإعلام الإسرائيلي "ما فعلناه بلبنان عمل وحشي! لقد زرعنا مدن بأكملها بالقنابل العنقودية."وأستنتج ميرشيمر أن إسرائيل فشلت في التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية في عمليتها، مما يتنافى مع التداعيات الشائعة أن الولايات المتحدة قدمت العون لإسرائيل "لأغراض أخلاقية".

وردا على التداعيات أن السبب وراء قتل الأبرياء بلبنان هو أن مقاتلي حزب الله كانوا يختبئون بمناطق مدنية ويخزنون ذخيرتهم داخل بنايات سكنية، أي أن الوضع الحرج أرغم إسرائيل على مهاجمة مناطق مدنية، قال ميرشيمر إن تقرير "هيومن رايتس واتش" ينفى كل هذه المزاعم. حيث أن التقرير، الذي تحرى عن 24 هجوما إسرائيليا على مناطق مدنية، اشار إلى عدم وجود أية دلائل على أن مقاتلي حزب الله استخدموا سكان مدنيين كـ "دروع بشرية" في الـ24 حالة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن- العدد78