مسار الدبلوماسية لا يتماشى مع التهديد بالحرب

 

 

ترودي روبين ـ فلادلفيا إنكوايرر

 

يمكن أن ألخص ما يدور بخاطري بذلك التعبير المقتضب الذي قاله يوغي بيرا "أشعر أنني قد عشت تلك التجربة من قبل " . راودني ذلك الشعور فيما كنت أطالع الأخبار التي تناقلت خطط أميركية لتوجيه ضربات عسكرية إلى إيران. ربما كانت تلك حرب نفسية في المقام الأول تهدف إلى حمل طهران على وقف برنامج الأبحاث النووية.وعندما قال ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي أن إيران سوف تواجه عواقب وخيمة إذا ما فشلت في وقف أبحاثها النووية وأن الولايات المتحدة تبقي جميع الخيارات مفتوحة ، ربما يحاول بذلك أن يدفع إيران الى التعاون مع مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة. والواقع فإن الأخبار التي يجري تناقلها حول إيران باتت تمثل حلقة مألوفة من التشاؤم.وقد طلب مجلس الأمن الشهر الماضي من محمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن يقدم في غضون 30 يوما تقريره متضمنا ما إذا كانت إيران قد قامت بتجميد برنامج تخصيب اليورانيوم. وحتى على الرغم من استمرار الجهود الدبلوماسية فقد صرح مصدر من الإدارة الاميركية رفض الكشف عن اسمه أن الإدارة عاقدة العزم على تغيير النظام الإيراني.

كما تتردد أقوال كثيرة عن إحتمالات توجيه ضربات جوية إلى الأهداف النووية في إيران.وعلى ضوء اعترافات الإدارة الأميركية أنها ارتكبت أخطاء تكتيكية في العراق، (غير أن رامسفيلد رفض حتى مثل ذلك الانتقاد المتواضع ) يتساءل البعض : هل تعلم فريق بوش من أخطاء العراق ؟ وهل هناك من سيكرر نفس تلك الأخطاء من خلال سيناريو مستقبلي لإيران؟وهل درس البيت الأبيض تلك التضليلات التي صدقها فريق بوش عام 2002 بأن غزو العراق سيكون عملية خاطفة ومن بعدها ستزدهر العراق وترفل في ثياب الديموقراطية؟ومع ذلك فما زلنا نسمع عن تنبؤات خطيرة مماثلة من المحافظين الجدد الذين يعتقدون أن قيام الولايات المتحدة بشن هجمات على إيران سوف ينهي برنامج إيران النووي ويمهد الطريق أمام ثورة ديموقراطية. وخلال الأسبوع الماضي عرض خلال احد المؤتمرات حول إيران في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك تقييما آخر أكثر اعتدالا حيث اتفق الطرفان المؤيد والمعارض لفكرة توجيه ضربات عسكرية لإيران على أنه إذا ما أقدمت الولايات المتحدة على تلك الخطوة فهذا يعني أنها ستذهب للحرب.وربما تتشابه محاولات توجيه ضربة إلى المواقع النووية في إيران مع قصف إسرائيل للمفاعل العراقي عام 1981 ، إلا أن برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني منتشر في أنحاء إيران ويعتقد وجود بعض المنشآت في مواقع تحت الأرض غير معروفة. ومن ثم فلن يكون هناك ضمانات مؤكدة على إنهاء البرنامج النووي الإيراني. وكذا فإن الإيرانيين المعروفين بإنتمائهم الشديد لبلدهم سوف يلتفون حول حكومتهم بمجرد تعرض بلدهم لمثل تلك الهجمات.يقول مارك غيركت خبير الشؤون الإيرانية في معهد إنتربرايز الأميركي وعميل السي آي إيه السابق أن إيران سوف ترد على أي هجمات ، ويتنبأ أنها ستشجع تنفيذ هجمات إرهابية ضد المصالح الاميركية ويترتب على ذلك أن الولايات المتحدة سترد ثانية باستخدام القوة على نطاق واسع وربما تفكر في عملية غزو. وإجمالا للقول فتوجيه ضربات لإيران سيكون له عواقب خطيرة في منطقة الشرق الأوسط وما ورائها.وربما يكون الهدف وراء الحديث عن قيام الولايات المتحدة بشن هجمات هو دعم الجهود الدبلوماسية ، بيد أن الدبلوماسية لها مسارها فقط إذا استمرت المثابرة المكثفة من خلاله. فإذا ما كان البيت الأبيض قد حزم رأيه أنه لا يمكن ان يتعامل مع النظام الحاكم في طهران فهو بذلك قد حكم بالفشل على المسار الدبلوماسي.ولا يدعي أحد القول بأن طريق التفاوض الدبلوماسي معبد ومفروش بالورود ولكنه طريق شاق وعسير ، فإيران تصر على أن برنامجها النووي لأغراض الطاقة السلمية فقط وتؤكد ان الأبحاث التي تجريها تقع في إطار ما هو مسموح لها وفق معاهدة منع الإنتشار النووي ، غير أن السلوك الإيراني يجعل تصديق هذا الإدعاء من جانبها أمرا مستبعدا. فقد أخفت إيران أنشطتها النووية وبرنامج تخصيب اليورانيوم حوالي عقدين من الزمان وحتى الآن لم تتجاوب بشكل جيد مع التشككات التي أبداها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية.والمحادثات المباشرة المتوقع إجراؤها بين السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاد والفريق الإيراني قد اتفق عليها الطرفان على أعلى المستويات ، والواقع أن نجاحها يعتمد على المحصلة النهائية التي يمكن توسيع نطاقها في وقت لاحق. فحتى عندما كنا نقول عن الكرملين انه إمبراطورية الشر كان الرئيس ريغان يجري محادثات مع القادة السوفيت حول المسائل النووية. والآن فالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله خامنئي يوافق على إجراء المحادثات مع الشيطان الأكبر. ويظل الحديث عن حرب أخرى في الشرق الأوسط ضرب من الجنون يستدعي لذاكرتنا كثير من المواقف الماضية المشابهة.

و کل ذلك بحسب راي ترودي روبين ـ فلادلفيا إنكوايرر فی المصدر المذكور .

المصدر : ايلاف – 12-4-2006