القذافي يُعيد خلط الأوراق ويتقارب مع الروس..

 

رشيد خشانة

 

تونس:

حير الزعيم الليبي معمر القذافي المحلِّـلين بالمفاجآت، التي ما فتِـئ يرتكبها حتى بعد توبَـته من مصارعة القوة الأولى في العالم (الولايات المتحدة) وميله إلى المصالحة مع الغرب، الذي كان يعتبره عدوه الأول، وهو ما بدا من جولته "التاريخية" على باريس ومدريد وبروكسل ولشبونة وأتت زيارته الأخيرة إلى موسكو في مطلع شهر نوفمبر، لتحمل المراقبين على مراجعة التكهّـنات التي ذهبت بعيدا في توقّـع تحالف جديد مع الولايات المتحدة، على إثر الزيارة التي أدّتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى طرابلس في سبتمبر الماضي والظاهر، أن العلاقة الجديدة مع واشنطن، ليست سمنا على عسل، فعندما سُئلت ستيفاني ويليامز، مديرة إدارة المغرب العربي في الخارجية الأمريكية خلال زيارتها الأخيرة للمنطقة: "متى سيصل السفير الأمريكي (المُعين منذ ثمانية عشر شهرا) إلى مركز عمله في طرابلس"؟ أجابت فورا وباقتضاب مليء بالمعاني، "هذا مسار مُعقد..." وأربك إحياء العلاقات السابقة مع موسكو، وخاصة الصفقات الضخمة التي توّجت زيارة القذافي الأولى إلى روسيا منذ سنة 1985 المتابعين لشؤون ليبيا، إذ أظهرت حدود العلاقة الجديدة مع واشنطن، وكان بعض العرب اعتقد أن القذافي سيطلب من واشنطن نوعا من الحماية العسكرية، إذ كتبت صحيفة "الحقائق" الصادرة في لندن يوم 19 أغسطس 2007 تحت عنوان: "ليبيا تطلب من أمريكا الدّفاع عنها ضد أي غزو خارجي"، أن "ليبيا تريد الحصول على تعهّـد رسمي ضِـمن اتفاقية عسكرية مشتركة، تضمن فيها الولايات المتحدة أمن وسلامة الأراضي الليبية، في حال تعرّضها لأي هجوم خارجي".

وأضافت "سبق أن حصلت ليبيا على تعهّـدات وضمانات رسمية من الحكومة البريطانية في وقت سابق من العام الحالي بمساعدتها عسكرياً، إذا ما تعرّضت إلى غزو أو خطر خارجي". والمعلومة الأخيرة غير ثابتة، لأن زيارات رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير إلى طرابلس، ارتدت طابعا اقتصاديا وسياسيا، والأرجُـح، أنها لم تتطرق في شكل مباشر لموضوع الصّـفقات والتحالفات العسكرية وبعد الترويج لفكرة المعاهدة العسكرية مع واشنطن وحتى لاحتمال "توقيع عقود تسليح لتزويد الجيش الليبي بمعدّات وأجهزة عسكرية تقنية متطورة"، واتفاق آخر لتكريس "وجود عدد محدود من الخبراء العسكريين الأمريكيين في ليبيا للتّـدريب على استخدام المعدات الحديثة"، سرعان ما انتقل بعض المحلِّـلين العرب إلى الطرف المقابل بزاوية 180 درجة، فروّجوا بعد زيارة القذافي لموسكو، أن ليبيا "تستعد لمنح الرّوس قاعدة عسكرية في بنغازي".

مسافات متساوية

وما غذّى تلك التكهّـنات، هو السماح لأربع سُـفن حربية روسية، بقيادة البارجة ذات الدفع النووي "بيار الأكبر" بالتوقف في ميناء طرابلس قبل فترة وجيزة من زيارة القذافي لموسكو، لكن الواقع كان بعيدا عن هذا وذاك فالحُـكم الليبي أراد الخروج من منطقة الضغط الأمريكي، بإعطاء الولايات المتحدة ما طلبت والإذعان لجميع شروطها، وكانت زيارة الوزيرة كوندوليزا رايس تتْـويجا لمسار التطبيع ذاك، غير أن القذافي قال في الخطاب الذي ألقاه في الإحتفالات بالذكرى التاسعة والثلاثين للإنقلاب الذي أوصله إلى الحكم، إنه لا يعتبر الولايات المتحدة عدوا ولا حليفا، وهذا يدلّ على رغبة بالمحافظة على مسافة متساوية مع القوى الثلاث، أمريكا وروسيا والإتحاد الأوروبي ولو أقام القذافي تحالُـفا عسكريا علَـنيا أو سِـريا مع واشنطن، لما تجاسر على أداء زيارة من ذلك النوع إلى موسكو، خاصة بعد حرب القوقاز في الصيف الماضي التي غيّـرت طبيعة العلاقات بين الرّوس والأمريكيين وسيطر على محادثات القذافي مع الرئيس مدفيديف ورئيس الوزراء بوتين، ملف الصّـفقات العسكرية والاقتصادية في إطار ما اعتبره مُحلِّـلون رُوس، رغبة في توطيد شراكة ناشئة مع موسكو في مجال الطاقة والصناعات الثقيلة، لإيجاد توازن مع العلاقات التي باتت تربط ليبيا بالغرب ويمكن القول أن بوتين هو الذي أرسى تلك الشراكة في الزيارة التي أدّاها لليبيا، وهو ما يزال رئيسا لروسيا في مايو الماضي. ويسعى الليبيون للإستفادة منها في تعزيز حضورهم الإقتصادي (واستطرادا سياسيا) في الخارج، وخاصة في القارة الإفريقية ومن أهمّ ما أسفرت عنه زيارة القذافي لموسكو في هذا الإطار، عقد صفقات في الميدان الصناعي بقيمة ملياري دولار، والتقدّم في دراسة مشاركة المجموعة الغازية الروسية "غازبروم"، المملوكة للدولة، في إقامة خط أنابيب جديد لنقل الغاز الليبي إلى أوروبا وناقش الروس والليبيون أيضا، مشروعا لإنشاء مصنع للنفط في مصر ومشروعا آخر لزراعة القمح في أوكرانيا، وليس هذا الإهتمام الروسي بتطوير الشراكة مع ليبيا بالغريب. فموسكو تعرف أن لدى ليبيا أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، وهي تعلم أنها تسعى لتوسيع إنتاجها من الغاز الطبيعي، ليصل إلى ثلاثة مليارات قدم مكعبة في اليوم بحلول 2010 وإلى 3.8 مليار قدم مكعبة في سنة 2015 (يبلغ الإنتاج حاليا 2.7 مليار قدم مكعبة)، ويبدو أن الأمريكيين متردّدون بإعطاء ليبيا الوسائل التكنولوجية المتطوّرة، مما حملهم على الإلتِـجاء إلى روسيا.أكثر من ذلك، تُوجت زيارة القذافي لموسكو بصفقة عسكرية لشراء 12 طائرة متطوّرة من طراز ميغ 29 و12 أخرى من طراز سوخوي 30 ودبّـابات من طراز تي 90، بقيمة 1.5 مليار دولار، وهي من أكبر الصفقات التي توصّـلت إليها ليبيا وكان القذافي قد أبرم صفقة مُـماثلة مع فرنسا خلال زيارته لباريس العام الماضي، وهذا مؤشر جديد على أن ليبيا عادت بقوة إلى أسواق السلاح بعد رفع العقوبات الدولية عنها في سنة 2004، و"اشتغل" الليبيون على مِـحورين رئيسيين، هما فرنسا لتحديث الطائرات التي سبق أن اشتروها منها في السبعينات، ولكن أيضا لاقتناء سلاح وعَـتاد جديدين، ومع روسيا، لشراء الأجيال الجديدة من الطائرات والدبّـابات. وما من شك بأن موسكو سجّـلت من خلال تلك الصفقات الإقتصادية والعسكرية نقاطا مهمّـة على غريمتها الولايات المتحدة، التي كانت منشغلة بمعركة الإنتخابات الرئاسية.

منطق البداوة؟

لكن، هل يدلّ توجه القذافي إلى موسكو، بعد مصالحته مع واشنطن، على قفزة جديدة في إطار تقلّـباته المعهودة من العروبة إلى القُـطرية ومن النظرية العالمية الثالثة إلى المنظور الإفريقي، ومن الاشتراكية إلى الرأسمالية، بلبوسها المتعدّدة؟

يرى الوزير التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة، الذي تعامل في مناسبات عدّة مع الزعيم الليبي، أن الأساس بالنسبة لهذا الأخير، هو المحافظة على الحُـكم، مؤكِّـدا أن السياسات والتحالفات تتغيّـر بمقدار ما يقتضيه استمرار النظام غير أن الأكاديمي مولدي الأحمر، المتخصص في الشؤون الليبية، عثر على خَـيط منطقي يُفسِّـر، حسب رأيه، هذه التحوّلات، إذ لاحظ في ردّ على سؤال لسويس أنفو أن "الدول القوية والفاعلة على المستوى العالمي، وفي البحر المتوسط بالذات، أي أمريكا وروسيا والإتحاد الأوروبي، هي الوحيدة التي تلح في البحث عن جواب على مثل هذا السؤال، وهي التي تحاول فرضه عبر وسائلها الدعائية الضخمة، كما لو كان هذا هو اللّـغز الذي على كل الملاحظين أن يشتغلوا به ويجدوا له تفسيرا فينخرط فيه الجميع"، واعتبر أن "ما يقوم به الزعيم الليبي أمر في غاية البساطة. فالبلد الضعيف يُحقِّـق استقلاله السياسي، بقدر نجاحه في ربط علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، التي تتصارع على ثرواته ومكانه الإستراتيجي الحيوي" ومضى شارحا، "في الحقيقة، يمكن لهذا الخيار أن يكون مطمح كل البلدان المجاورة لليبيا، إلا أنها إما لا تقدِر عليه، بسبب ضعف مواردها أو أن النّـخب التي تقودها حاليا، ليس لديها توجّـه وحدوي عربي أو مغاربي حقيقي، ولا ترى للاستقلالية السياسية أي أهمية تنموية ذات فائدة ملموسة. ومن ثم، فما قام به الزعيم الليبي، لا يمثل مشكلا بالنسبة لهذه البلدان، إلا بقدر تبِـعاته على علاقاتها مع حلفائها، خاصة أوروبا وأمريكا، التي تريد اصطفافا بنيويا لليبيا إلى جانبها. وعليه، يمكننا القول بأن هذا السؤال قد يكون ثانويا جدا بالنسبة لجيران ليبيا، بالنظر للأسئلة الأخرى المتعلِّـقة بما يجري حاليا في هذا البلد" وتابع مولدي الأحمر يقول: "هذا هو المستوى الأول من التفسير، أما الثاني، فهو سوسيولوجي تاريخي، إذ أن من ركائز الإرْث الزّعامي البَـدوي، الذي استندت إليه القيادة الليبية لفترة طويلة من الزمن في بناء الفعل السياسي، أن يتمتّـع الزعيم والمجموعة التي يقودها بهامش كبير من الإستقلالية، يساعد على مراجعة الأحلاف وإعادة تشكيلها باستمرار، أي حسب ما يجد من مُـعطيات، لأن العبرة هي في ضمان الوصول إلى الموارد (الماء والكلأ والأسواق والجاه ... والبترول)". ويلتقي هذا الرأي مع الفكرة القائلة، بأن لدى القذافي هاجسا للمحافظة على مسافة متساوية مع القوى الثلاث، المؤثرة في المتوسط والقارّة الإفريقية.

سباق التسلّـح

غير أن الوجه الآخر لدبلوماسية الصّفقات العسكرية، التي بنى عليها الزعيم الليبي شراكتيه الجديدتين مع باريس وموسكو، هي تغذية سباق التسلّـح في المنطقة المغاربية. فقبل صفقة الأسلحة الليبية الضخمة مع روسيا، توصل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في خِـتام زيارة مماثلة إلى موسكو، إلى صفقة قيمتها 7.5 مليارات دولار لشراء 28 طائرة حربية من طراز سوخوي 30 أم كيو و36 مُقاتلة من طراز ميغ 29 و16 طائرة تدريب من طراز ياك 130، بالإضافة لـ 300 دبّـابة من طراز تي 90 أس ورادارات وتزامنت تلك الصفقة، وهي الأكبر التي حصدها الرّوس منذ انهيار الإتحاد السوفييتي السابق، مع توقيع المغاربة على صفقة لشراء طائرات حربية أمريكية متطوّرة من طراز أف 16. والثابت، أن صفقة السلاح الروسي للجزائر شحذت السباق بين المغرب والجزائر، المتصارعين على الصحراء، إلى تكديس أحدث الأسلحة وأفضل العَـتاد ومن شأن هذه الصفقات أن تُعزّز الحضور الإستراتيجي لكل بلد في المنطقة، مثلما ذكر بذلك المحللان في مجموعة "جينس للإعلام" (Jane's Information Group)، أليكس فاتنكا وريشارد فايتس، واللذين قالا: "إن القادة الرّوس يُدرِكون أن الصفقات تفتح المجال لتعزيز العلاقات مع البلدان العربية التي أصبحت في مقدّمة زبائن السلاح الروسي" فإذا كانت موسكو شعُـرت، بعد الصفقة التي عقدها القذافي مع واشنطن سنة 2004 لتطبيع العلاقات الثنائية، بكونها خسرت ليبيا، وبدا لها كأن الشركات الرّوسية ستُستبعد من لُـعبة تقاسم الكعكة النفطية في المرحلة التي تلت إنهاء العقوبات الدولية، فإن زيارة بوتين لطرابلس، وكذلك الزيارة التي أدّاها رئيس الوزراء الليبي البغدادي المحمودي إلى موسكو في وقت سابق من العام الجاري، أظهرتا أن موسكو حصدت لشرِكاتها حِـصة مهمة من العقود النفطية والتجارية وإذا أضفنا لهذا العُـنصر العلاقات المطردة بين ليبيا والإتحاد الأوروبي، والتي ستُتوّج باتفاق شراكة من نوع خاص، نُدرك أن النظام الليبي يسعى للإمساك بالعصا من الوسط، وإقناع القوى الثلاث الكبرى بأن ليبيا معبَـر إجباري إلى المنطقة، واستطرادا، حليف لا بديل من التعاطي معه.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر :swissinfo.ch