إطلاق قناة تربوية خيار استراتيجي لابـد منه

 

إطلاق قناة تربوية خيار استراتيجي في ظل الهيمنة الغربية والاستنساخ العربي 

حال القنوات الفضائية العربية لا يسر المتابعين وخصوصاً التربويين.. حيث يعتقدون أن المضامين التربوية والترفيهية التي تقوم عليها كثير من برامج تلك القنوات تتعارض وأسس التربية المأمولة في أمة عربية تحتاج إلى تكريس بناء المواطن الصالح الذي يكون بحجم التحديات الحضارية التي يواجهها في حاضره ومستقبله. ومن هنا كان هناك سؤال مشروع حول أهمية إيجاد قناة أو قنوات تربوية بين كل هذا الكم الهائل من القنوات الترفيهية، التي ربما وصفها بعضهم بغير التربوية. حول هذه القضية يدور حديث ضيوفنا من المهتمين بالمجال الإعلامي. يشرع في الحديث مدير عام الإعلام في مجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور أحمد بن موسى الضبيبان موضحا كيف يمكن للإعلام أن يخدم المضمون التربوي، منطلقا من أن الذهن غالبا ما يستدعي صورة محددة لعبارة التربية، عندما تطلق أو تربط برابط مثل القنوات التربوية أو الإعلام التربوي، وهو المفهوم المرتبط بالتعليم والمؤسسات التعليمية. معتقداً أن في ذلك تضييقا لمفهوم التربية الواسع والشامل من المفهوم المرتبط بالمؤسسات التعليمية. وعند الحديث عن الإعلام يجب ألا نحصر حديثنا في الجانب المرتبط بمناهج التعليم، فينصرف الذهن إلى القنوات التعليمية التي تنقل المعلم والمادة إلى المتلقي بواسطة ناقل جديد وهو وسائل الإعلام، فنتحدث عن قناة تعليمية صرفة قد لا يكون للجانب التربوي أثر واضح في مضمونها، بل قد يكون انعكاسها على الجانب التربوي سلبيا إذا تصورنا أن الطالب سوف يستمع إلى المعلم وهو مستلق على فراشه، أو وهو يتناول طعامه، أو أن ينصرف عن المعلم بصوارف تافهة تعكس عدم اهتمامه بما يقوله المعلم فضلا عن الاهتمام بشخصية المعلم الذي أمامه.

ماذا نعني بالتربوية؟

ولذا يدعو الضبيبان إلى تحرير مصطلح التربية أولا فالتربية مفهوم واسع يتعلق بكل ما من شأنه توجيه الأفراد والجماعات إلى سلوك قويم، يتمشى مع القيم والمبادئ التي ارتضاها المجتمع لنفسه ليكون مجتمعا مثمرا. ووفق هذا المفهوم فإن رسالة الإعلام التربوية تعد رسالة محورية، فمن القضايا المتعارف عليها، أن تنشئة الأبناء لم تعد حصرا على البيت أو المدرسة بل أصبح للإعلام دور رئيس في التأثير بطبيعة هذه التنشئة. ومن هنا أصبحت العلاقة بين الإعلام والتربية علاقة لازمة، وهذه العلاقة وإن كانت تتعلق بوسائل الإعلام عامة، فإن الحديث عن التلفاز خاصة، والقنوات الفضائية بشكل أكبر، يجسد هذه العلاقة باعتبار الأثر الواضح لهذه القنوات على تربية الجميع ناشئة وكبارا، فلم يعد التأثير التربوي لوسائل الإعلام قصرا على الناشئة، بل إن المتتبع للدراسات الإعلامية والواقع المشاهد يلمس بوضوح الأثر التربوي لهذه القنوات على جمهورها، سواء كان الأثر إيجابيا أو سلبيا. ويقف الدكتور الضبيبان وقفة تربوية تتعلق بمفهوم آخر قد يطغى على ذهن المتلقي حين يسمع عبارة "الأثر التربوي للقنوات الفضائية"، وهو في الغالب مفهوم سلبي، ولاشك أن هذا المفهوم غير علمي، ما يدعونا إلى التساؤل "من أين نشأت غلبة الأثر السلبي لهذه القنوات؟ وهل لها علاقة بالطبيعة الرافضة لكل جديد؟ أم لأسباب أخرى؟".

مضيفاً "كلنا يدرك أن لهذه القنوات أثرا تربويا إيجابيا لا يمكن إغفاله، كتوسيع أفق المشاهد، وإطلاعه على آراء جديدة قد تكون مفيدة، وربطه بالأحداث حال وقوعها. وفي المقابل لها آثارها السلبية الظاهرة على التربية.

أي تربية نريد؟

ويبين محمد بن صالح المنجد أن الأصل في كل القنوات الموجودة أنها تحمل رسالة وتربي المتلقين لها على أهداف وقيم معينة، سواء كانت هذه القيم قيماً فاضلة أم سافلة، حتى القنوات الإلحادية تسعى أن توصل للناس رسالتها الإلحادية المنكرة لوجود الخالق سبحانه، ومن طبيعة البشر أن كل أصحاب ديانة أو طريقة يزعمون أن معهم الحق وأنهم يدعون الناس إليه، ولهذا لا بد، قبل الكلام عن القناة التربوية، من بيان الشيء الذي نريد أن يتربى عليه الناس؟

أن كثيرا من الناس سئموا العفن الموجود في كثير من القنوات الفضائية، ويريدون قنوات جادة مفيدة تربوية شرعية، فالبحث عن البديل موجود في النفوس لكن أين هذا في الواقع؟! وهذا هو السر في إقبال الناس على قناة إسلامية نشأت حديثا رغم قلة الإمكانات وضعف المستوى الفني.

وعن إيصال المفاهيم التربوية المطلوبة إلى جمهور الفضائيات يعتقد المنجد أنه لا بد من وضع الخطط العملية الواضحة للمادة التي ستُقَدَّم من خلال القناة عبر التشاور بين المختصين التربويين لكل فئة من فئات المجتمع والمتخصصين الشرعيين لاستقاء المادة الشرعية الغنية وللتأكد من سلامة ما يقدم، وكذلك الخبراء الإعلاميين والنفسيين ليكون العمل الإعلامي التربوي متكاملا قريبا إلى تحقيق الهدف قدر الطاقة والإمكان، مع التنويع في المادة التربوية المقدَّمة بحسب ما يتلاءم مع الفئة العمرية وعدم الاكتفاء بالخطاب التربوي المباشر، كما أن التكامل في تغذية الاحتياجات النفسية والعقلية والفكرية والاجتماعية لمشاهد القناة يشبع له هذه الحاجات ويغنيه عن البحث عن إكمالها من قنوات إعلامية منحرفة قد تسبب له خللا في منهج تلقِّيْه واضطرابا بين القيم المتباينة التي يتلقاها.

وهذا يستلزم متابعة القناة للمستجدات والأحداث الجارية مع إعطاء التعليق الصحيح عليها المنطلق من القيم التربوية السديدة، وفتح باب المشاركة من المشاهدين فيما يناسب من برامج، بحيث يثار حماسهم إلى تقديم النافع والمشاركة الإيجابية ضمن الضوابط الشرعية.

ويوجز الدكتور مالك الأحمد ، مهام القناة التربوية في عدد من الأدوار، مثل: محو الأمية، ومساندة المناهج الدراسية، وتقديم مناهج ثقافية عامة، وإقامة جامعات مفتوحة، وتطوير مهارات أصحاب المهن والتخصصات الدقيقة، وتوسيع مدارك الأطفال المعرفية.

أثران مهمان

ويذكر الدكتور الضبيبان متغيرين رئيسين يعكسان الأثر التربوي لهذه القنوات، هما "القيم والعادات"، موضحاً أن تأثير وسائل الإعلام على قيم الأفراد والمجتمعات عملية مستمرة متفاعلة ذات عوامل متعددة، فالتأثير على القيم لا يخضع لعامل واحد، وليس من اليسير تتبعه أو إخضاعه للتجربة، كما هو الحال في الدراسات الطبيعية، أما الأثر التربوي المتعلق بالعادات والسلوك، فهو أثر يمكن مشاهدته في فترات زمنية محدودة نسبياً.

ومن ينظر إلى مجتمعاتنا  بعد انتشار ظاهرة القنوات الفضائية، وتحديداً بعد النصف الثاني من التسعينات الميلادية، يلمس تفشي الثقافة الاستهلاكية لدى كافة فئات المجتمع، إضافة إلى بروز مظاهر غريبة في اللباس والطعام لدى الجنسين الذكور والإناث، والمسارعة في تتبع خطوط الموضة قبل أن تنتشر في الدول المصدرة لها أحياناً، وهي في الغالب دول لا تمت لمجتمعنا بصلة دين أو لغة.

والأدهى من ذلك في رأي الدكتور الضبيبان أن تتبنى مثل هذه الرسائل المشوهة للنسيج التربوي قنوات تتحدث بلغتنا، وتمول بأموالنا، وشئنا أم أبينا تنسب لبلادنا، مما رسم صورة انطباعية خاطئة عن مجتمعاتنا، حتى بتنا نتهم بتصدير البضائع الإعلامية الفاسدة والمفسدة لكافة القيم والأخلاق وفي أحسن الأحوال مترجمين سيئين لساقط البرامج الأجنبية التي لم يتقبلها المجتمع الغربي، وكانت مثار جدل بين رجال التربية، والآباء والأمهات من جهة والمطالبين بالحريات الإعلامية غير المنضبطة من جهة أخرى، كما هو الحال في برنامج "الأخ الأكبر" أو الرئيس، والبرامج التي على شاكلته، فمثل هذه البرامج لا تحمل من المضمون شيئا يشفع لها أن تبث فضلا عن الأثر التربوي المتنافي مع أبسط أذواق الفطر السليمة.

المضامين أولاً

وفيما يخص مضامين القناة التربوية يعتقد الدكتور آل مفرح أنه لا بد من أن تنافس القناة الأمل الفضائيات المماثلة الأخرى، فيما يتعلق بالإخراج والطرح واختيار الموضوعات الجادة الهادفة التي تخدم عمليات التعليم والتعلم، وتشحذ الهمم الصغيرة، وتساعدها على النمو والتطور واكتشاف وبحث كل جديد، وألا تكون صدى لما يتردد في القنوات الأخرى، وأن تتمثل فيها القدوة الحسنة في العبارة والمظهر الحسن والأسلوب الجاد، وأن تكون كذلك أداة للحوار الهادف وتسعى لتنمية ثقافة التسامح، وتنمي مهارات التفكير والتحليل، قناة تظهر بجلاء الولاء لله ثم الانتماء للوطن، وتراعي عظم مسؤولية الكلمة.

ويتناول الدكتور آل مفرح البعد التربوي في القنوات الفضائية المتمثل في البرامج التي تقدم للأطفال والناشئة كما يتمثل في البرامج التي تعالج قضايا المجتمع الملحة. ويرى بعد تتبع قام به شخصياً أن قليلا من تلك البرامج أعد بشكل تربوي هادف، بل إن أكثرها أعد لأغراض أخرى قد تتعارض مع الأهداف التربوية، وقد تهاجمها وتشكل معاول هدم لها، إلى جانب أن طائفة كبيرة من برامج الأطفال والناشئة أعدت في بيئات أجنبية لا تتفق مع مثل المجتمع الإسلامي وقيمه وعاداته وتوجيهاته، ومنها ما يعارض ذلك صراحة وبشكل صارخ يظهر للمشاهد العادي ناهيك عن ظهوره للتربويين والمفكرين أو المهتمين بالقيم والأخلاق.

ولأجل هذا يميل الدكتور آل مفرح إلى أننا بحاجة، ليس فقط إلى قناة تربوية ولكن قبل ذلك، إلى إشراف تربوي شامل، ورقابة مخلصة تسهم في تخليص القنوات الفضائية العربية والإسلامية من تلك السموم المبثوثة خلال العسل، مضيفاً "نحن بحاجة إلى عمل مؤسسي مدعوم من قبل الغيورين من الميسورين من المسلمين الذين يهمهم ما يشاهده أبناؤهم ويعرفون خطورة ما ينطبع في العقل الباطن لأبنائهم من جراء تعرضهم لتلك المؤثرات صباح مساء، ولا بد من تآزر المفكرين والمبدعين في إيجاد البديل المناسب مع المحافظة على جاذبية الإخراج وعنصر التشويق وجودة المنتج لأن محصلة ذلك كله برامج مثمرة ومشوقة تغطي ساعات بث طويلة وتملأ فراغاً حاصلاً لا محالة يجب أن يملأ بكل خير وفائدة.

هل الإعلام ترفيه؟

ويشير الدكتور الأحمد إلى أن الإعلام، ومنه الإعلام العربي على وجه الخصوص، يركز على المضمون الترفيهي، الذي أصبح يغطي 80% من مادة العرض التلفزيوني، وما بقي فهي مواد جادة تغلب عليها الأخبار وبعض البرامج الدينية، وأحياناً تقدم برامج وثائقية ودينية مفيدة وممتازة ولكنها في الوقت الميت كبداية الصباح أو آخر الليل كجزء تكميلي وسد ثغرة في وقت العرض وليس خدمة ثقافية للمشاهد. ويضيف الدكتور الأحمد "في الجانب التمثيلي للقنوات العربية نجد أن 4 قنوات عربية للأطفال لا تمثل سوى 5% من عدد القنوات، مقارنة بما يقارب 50 قناة في أوروبا، وفيما عدا واحدة من هذه القنوات محافظة، فإن الباقي ينظر للطفل كمستهلك للمادة الغربية بما فيها من سلبيات، أو تقدم له بعض المواد المحلية ذات المستوى المتدني فنياً والتقليدية في طريقة العرض، مشيراً إلى أن هناك تجارب لقنوات تعليمية في مصر ولكنها سيئة التنفيذ، فهي تنقل من الفصل مادة المدرس كما هي دون تشويق أو إثارة أو تحفيز، وهي كما هو واضح مساندة لبرامج التقوية للطلاب المنتشرة في مصر. ثمة قناة للمناهج حالياً وهي ليست سيئة غير أنها تحتاج إلى تطوير أكثر والاقتراب من المشاهد العربي وتقديم المادة المقنعة له.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: almarefah