لمحة موجزة  عن حضارة الصين

 

 

في وديان الأنهار الثلاثة الرئيسية وجدت أهم مراكز الحضارة الصينية ، حيث وجدت بقايا الإنسان القديم ، وتعود إلى نحو أربع مئة ألف سنة ، حيث كان يعيش على الصيد ، ثم على الزراعة والصيد ، وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة ، أن بعض الباحثين عثروا في شهر نيسان (إبريل) 1985م ، على الشواطئ الصخرية بالمنطقة الواقعة بأقصى شمال الصين ، على آلاف النقوش التي ترجع إلى عصر يتراوح بين 8000 ق . م و 6000 ق.م ، تآكل بعضها ، في حين يوضح بعضها الآخر صوراً لحيوانات وأشخاص ، ومشاهد الصيد والمعارك ، بالإضافة إلى رموز مختلفة، قامت بنحتها على الأحجار بعض القبائل الرحل.

وفي عهد سلالة شانغ (shang (2765 – 1122 ق.م ، التي حكمت في مقاطعة هونان في وادي النهر الأصفر ، سارت الصين إلى البرونز ، ثم إلى عصر الكتابة ، وعبد الصينيون في هذا الدور الأرواح المتعلقة بالقوى الطبيعية وعناصرها ، كما عبدوا الأسلاف ، فالصين موطن عبادة الأسلاف ثم غز الصين من الغرب أقوام تحت زعامة قبيلة تشو Chou  استقرت في وادي النهر الأصفر ، متخذة من هاو Hao عاصمة لها ، فاقتبسوا حضارة الدور السابق، وحكموا ما بين (1122 – 256ق.م) وأعطوا الحكم لرؤساء في المقاطعات ، وتأسس نوع من الحكم الإقطاعي ، وفي منتصف القرن الثالث قبل الميلاد حصلت حروب كثيرة بين المقاطعات بغية السيطرة ، فنجحت مقاطعة تشين Chin في توحيد البلاد ، وأعطت اسمها لبلاد الصين كلها واعتقد الصينيون أن كتابتهم من أصل إلهي ، وهي بلا أبجدية ، فكل كلمة أو فكرة إشارة خاصة ، ويمكن للصيني أن يتدبر أمره بثلاثة أو أربعة آلاف إشارة ، وكانت الكتابة للأشراف فقط ، وكان الموظفون يختارون على أساس امتحانات دقيقة ، وتعد في جملتها أجدر وسائل الاختيار بالإعجاب والتقدير ، وخير ما وصل إليه العالم من الوسائل لاختيار الخدام العموميين ، وكانت هذه الطريقة من الناحية النظرية توفق أحسن التوفيق بين المبادئ الأرستقراطية والديموقراطية ، فهي تمنح الناس جمعياً فرصة مكافئة لإعداد أنفسهم للمناصب العامة ، ولكنها لا تفتح أبواب المناصب إلا لمن أعدوا أنفسهم لها ، ولقد أنتجت خير النتائج من الوجهة العملية مدى ألف عام وكانت بداية الطريقة في مدارس القرى يقوم فيها معلم واحد بتعليم أبناء سراة القرية تعليماً أولياً ، أما الفقراء من السكان فقد ظل أبناؤهم أميين ، وكانت أوقات الدراسة طويلة ، كما كان النظام صارماً في هذه المدارس المتواضعة ، وكانت طريقة التعليم الحفظ عن ظهر قلب ، وكان الطفل يخرج من المدرسة بعلم قليل وإدراك كبير ، جاهلاً بالحقائق ناضج العقل وكان في وسع الأطفال بعد أن يتموا الدراسة في هذه المدارس ، أن يلتحقوا بإحدى كليات الدولة القليلة العدد ، الفقيرة في أدواتها واستعدادها ، ولكنهم كانوا في أكثر الأحيان يتلقون العلم على مدرسين خصوصيين ، أو يواصلون الدرس في منازلهم في عدد قليل من الكتب الثمينة.

وكان هذا التعليم هو الأساس الذي أقامت عليه الصين في عهد أسرة هان على سبيل التجربة ، وفي عهد أسرة تانج بصفة نهائية - نظام تولي المناصب العامة بالامتحان ، ومن أقوال الصينيين في هذا : إن من أضر الأمور بالشعب أن يتعلم حكامه طرق الحكم بالحكم نفسه ، وإن من واجبهم كلما استطاعوا أن يتعلموا طرق الحكم قبل أن يحكموا ، ومن أجل هذا كانت تعقد في أوقات معينة امتحانات عامة في كل مركز من المراكز ، يتقدم إليها كل من شاء من الذكور متى كانوا في سن معينة.

وكان المتقدم إلى الامتحان يمتحن في قوة تذكر وفهمه لكتابات كنفوشيوس ، وفي مقدار ما يعرف من الشعر الصيني ، ومن تاريخ الصين ، وفي قدرته على أن يكتب أبحاثاً في السياسة والأخلاق كتابة تدل على الفهم والذكاء ، وكان في وسع من يخفق في الامتحان أن يعيد الدرس ، ويتقدم إليه مرة أخرى ، ومن نجح منح درجة شيودازي ، التي تؤهله لأن يكون عضواً في طبقة الأدباء ، ولأن يعين في المناصب الصغرى في الحكومة الإقليمية ، وأهم من هذا أن يكون من حقه أن يتقدم إما مباشرة ، أو بعد استعداد جديد لامتحان آخر يعقد في الأقاليم كل ثلاث سنوات ، شبيه الأول ، ولكنه أصعب منه ، ومن أخفق فيه جاز أن يتقدم إليه مرة أخرى ، وكان يفعل ذلك كثيرون من المتقدمين ، فكان يجتازه في بعض الأحيان رجال جازوا الثمانين ، وظلوا طول حياتهم يدرسون ، وكثيراً ما مات الناس وهم يتأهبون لدخول هذه الامتحانات ، وكان الذين ينجحون يختارون للوظائف الحكومية الصغرى ، كما كان من حقهم أن يتقدموا للامتحان النهائي الشديد الذي يعقد في بكين .

وكان في تلك المدينة ردهة للامتحان العام تحتوي على عشرة آلاف حجرة انفرادية ، يقضي فيها المتسابقون ثلاثة أيام متفرقة في عزلة تامة ، ومعهم طعامهم وفراشهم ، يكتبون مقالات أو رسائل في موضوعات تعلن لهم بعد دخولها، وكانت هذه الغرف خالية من وسائل التدفئة والراحة ، رديئة الإضاءة ، غير صحية، لأن الروح لا الجسم – في رأيهم – هي التي يجب أن تكون موضع الاهتمام! وكان من الموضوعات المألوفة في هذه الامتحانات أن ينشئ المتقدم قصيدة في : (صوت المجاذيف والتلال الخضراء والماء) ، وأن يكتب مقالاً عن الفقرة الآتية من كتابات كنفوشيوس ، قال دزانج دزي : (من يك ذا كفاية ، ويسأل من لا كفاية له ، ومن يك ذا علم كثير ويسأل من لا يعلم إلا القليل ، ومن يملك ثم يتظاهر بأنه لا يملك ، ومن يمتلئ ثم يبد أنه فارغ) ولم يكن في أي امتحان من هذه الامتحانات كلمة واحدة عن العلوم أو الأعمال التجارية أو الصناعية ، لأنها لم تكن تهدف إلى تبين علم الرجل بل كانت ترمي إلى معرفة ما له من حكم صادق ، وخلق قويم ، وكان كبار موظفي الدولة يختارون من الناجحين في هذا الامتحان النهائي والأدب الصيني في هذا العصر ، سمي بالأدب الكلاسيكي ، ولقد جمعت المؤلفات الهامة لهذا العصر في مجموعة تسمى (كتب كنفوشيوس) ، يعتقد أنه كتبها ، أو أعدها للنشر بيده ، وهي :

أولاً : الكتب الخمسة الكلاسيكية ، أو كتب القانون الخمسة :

- (كتاب التغيرات) وهو كتاب تنبؤ وتنجيم ، وفي ميدان علم ما وراء الطبيعة ، الذي كان جد حريصاً على ألا يلج بابه في فلسفة.

- (كتاب الشعر) ، أو كتاب الأناشيد ، شرح فيه كنفوشيوس كنه الحياة البشرية ، ومبادئ الأخلاق الفاضلة.

- (كتاب المراسم) أو سجل المراسم أو القواعد المتعلقة بالسلوك ، وتبحث في آداب اللياقة ، وتكوين الأخلاق ونضجها ، واستقرار النظام الاجتماعي.

- (حوليات الربيع والخريف) وهو سجل موجز لأهم الحوادث في (لو) موطن كنفوشيوس الأصلي.

- (كتاب التاريخ) وهو مجموعة وثائق ، هي أهم وأرقى ما وجده كنفوشيوس في حكم الملوك الأولين من الحوادث أو الأقاصيص التي تسمو بها الأخلاق، وتشرف الطباع ، وذلك حين كانت الصين إمبراطورية موحدة إلى حد ما ، وحين كان زعماؤها كما يظن كنفوشيوس أبطالاً ، يعملون في غير أنانية ، لتمدين الشعب ، ورفع مستواه.

ثانياً : الكتب الأربعة ، لم يكتبها كنفوشيوس ، ولكنها سجلت في إيجازه ووضوح آرائه وأقواله ، جمعت من قبل أتباعه ومريديه ، وأولها (كتاب التعاليم) ويضم أقوال كنفوشيوس ومحادثاته وحواره ، (وكتاب التعاليم الأعظم) أو التعليم الكبير (عقيدة الوسط) وهو الكتاب الفلسفي الثالث في كتب الصين ، و(كتاب منشيوس) وفيه تعاليم هذا الفيلسوف الذي وضع تعاليم كنفوشيوس بشكل شعبي خاص ، وهو خاتمة العهد القديم للفكر الصيني ومن أدب هذا العصر ، " يعرف الإمبراطور كيف يحكم إذا كان الشعراء أحراراً في قرض الشعر ، والناس أحراراً في تمثيل المسرحيات ، والمؤرخون أحراراً في قول الحق ، والوزراء أحراراً في إسداء النصح ، والفقراء أحراراً في التذمر من الضرائب ، والطلبة أحراراً في تعلم العلم جهرة ، والعمال أحراراً في مدح مهاراتهم وفي السعي إلى العمل ، والشعب حراً في أن يتحدث عن كل شيء ، والشيوخ أحراراً في تخطئة كل شيء".

الديانة الكنفوشيوسية :

عاش كنفوشيوس ما بين : (551 – 478 ق.م) واسمه هذا هو بشكله اللاتيني ، أما شكله الصيني فهو كونغ فوتزو أي كونغ الفيلسوف أو المعلم ، عين حاكماً على مقاطعة لو ، ثم أصبح وزيراً فكان مثال العدل والنظام ، ثم أصبح معلماً متجولاً متفرغاً للتعليم ، ولم يكن مؤسس ديانة ، إنما وضع قواعد شديدة للسلوك واللياقة.

من تعاليمه :

- إذا قام البيت على أساس سليم أمن العالم وسلم.

- ما أشقى الرجل الذي يملأ بطنه بالطعام طوال اليوم ، دون أن يجهد عقله في شيء ولا يتواضع في شبابه التواضع الخليق بالأحداث ، ولا يفعل في رجولته شيئاً خليقاً بأن يأخذه عنه غيره ثم يعيش إلى أرذل العمر.. إن هذا الإنسان وباء.

- لست أبالي مطلقاً إذا لم أشغل منصباً كبيراً وإنما الذي أعنى به أن أجعل نفسي خليقاً بذلك المنصب الكبير ، وليس يهمني أبداً أن الناس لا يعرفونني ، ولكنني أعمل على أن أكون خليقاً بأن يعرفني الناس.

ويؤكد تلاميذه أنه كان مبرأ من أربعة عيوب ، كان لا يجادل ، وفي عقله حكم سابق مقرر ، ولا يتحكم في الناس ويفرض عليهم عقائده ، ولم يكن عنيداً أو أنانياً.

وكان يسلي نفسه في وحدته بالشعر والفلسفة ، ويسره أن غرائزه تتفق وقتئذ مع عقله ، ومن أقواله في ذلك الوقت : لقد كنت في الخامسة عشرة من عمري مكباً على العلم ، وفي الثلاثين وقفت ثابتاً لا أتزعزع ، وفي سن الأربعين زالت عني شكوكي ، وفي الخمسين من عمري عرفت أوامر السماء ، وفي الستين كانت أذني عضواً طيعاً لتلك الحقيقة ، وفي السبعين كان في وسعي أن أطيع ما يهواه قلبي دون أن يؤدي بي ذلك إلى تنكب طريق الصواب والعدل.

ومات كنفوشيوس في الثانية والسبعين من عمره ، وكان يردد قبيل وفاته بأيام :

سيُدكّ الجبل الشاهق دكا وتتحطم الكتلة القوية ويذبل الرجل الحكيم كما يذبل النبات وظهر من بعده فلاسفة ، منهم موتزو ، الذي جعل البساطة والمحبة طريقاً لسعادة الإنسان ، ونشر الكنفوشيوسية في الصين منسيوس ، أما هسون تسو فقد قال : إن الطبيعة البشرية سيئة ، وإن صلاح الإنسان هو نتيجة التعلم المكتسب ، والتمرن على الصلاح.

الديانة الطاوية :

أسسها لاوتزو وكان معاصراً لكنفوشيوس ، ومارس السلوك المعروف باسم طاو والفضيلة المعروفة باسم تي ، ومبدؤه يقوم على العزلة ، وعدم الاعتداد بالنفس ، والكنوز الثلاثة هي : الرحمة ، والبساطة ، مع الاقتصاد والتواضع وقامت مناقشات حادة بين الكنفوشيوسية والطاوية ، مع أن الصينيين ألّهوا لاوتزو وكنفوشيوس فيما بعد ، قالت الكنفوشيوسية عن الطاوية : إنها تجعل كل إنسان يعمل لنفسه فقط ، ولا يقتلع ولو شعرة من رأسه إذا كان في ذلك فائدة لغيره ، وانتقدت الطاوية الكنفوشيوسية التي نسيت العالم والطبيعة ، وتمركزت في الإنسان ولقد أصبحت الكنفوشيوسية الديانة الرسمية منذ أيام الإمبراطور ووتيwuti ( 140 -87)  ق.م، وحتى عام 1912م ، حيث أعلنت الجمهورية ويعاب على هذه التعاليم أنها جعلت المرأة في آخر مكان في الجنس البشري ، (ألا ما أتعس حظ المرأة ! ليس في العالم كله شيء أقل قيمة منها).

عادت الوحدة إلى الصين بعد فوضى الممالك في عصر سلالة سوي (588-618م) وسلالة تانغ : (618-906م) ، وكانت سياسة ملوك هذه الأسرة التسامح بالنسبة للديانات الثلاث الرئيسية في الصين : الكنفوشيوسية ، والطاوية ، والبوذية التي دخلتها مع بداية القرن الأول الميلادي ، علماً أن بوذية الصين خاصة بها ؛ دين يدعو إلى الإيمان في غبطة وبهجة بآلهة تعين البشر على أعمالهم وشمل التسامح أيضاً الديانات الأخرى : الإسلام والمسيحية واليهودية.

العلوم في الحضارة الصينية :

كتب الصينيون عن الخسوف ، وعن مجموعات من النجوم منذ عهد أسرة تشو (1122 – 256ق.م) ، ومن القرن الرابع قبل الميلاد أوردوا ملاحظات على الضوء والمرايا المقعرة والمحدبة والمستوية ، وكانوا عارفين بمسائل البرونز ، وأدركوا النسبة الصحيحة في النحاس والقصدير لصنع خواص معينة منه.

واخترع تساي لون حوالي 105م الورق من قشر الشجر والعنب والخرق ، وقد كانوا قبله يكتبون على الخيزران والحرير ، والخيزران ثقيل ، والحرير غال واخترع الصينيون البارود (نترات البوتاسيوم) واستعملوه في الأسلحة منذ نهاية القرن العاشر الميلادي ، ولما أخذه العرب عنهم ، قالوا عنه : (الثلج الصيني) واخترعوا البوصلة ، والخزف ، والطباعة حيث عرفوا الحروف المتحركة منذ عام 1041م .

وتقدمت الكيمياء فعرفوا الحبر الأسود ، والحبر الأحمر ، والصينيون من أوائل الأمم التي اتخذت الفحم الحجري من مناجمه في الأرض منذ  سنة 1922 ق.م وفي مجال الرياضيات حلوا بعض المعادلات المجهولة من الدرجة الأولى ، مع تأثر متبادل مع حضارة الهند في هذا المجال ، وخلف العالم الرياضي جانج تسانج (152 ق.م) كتاباً في الجبر والهندسة ، فيه أول إشارة معروفة للكميات السالبة واخترع تشانج هنج عام 132م آلة تسجيل الزلازل ، وكان في وسع الفلكيين في أيام كنفوشيوس التنبؤ بالخسوف والكسوف تنبؤا دقيقاً.

وفي مجال الطب الذي كان خليطاً من الحكمة التجريبية ، والخرافات الشعبية ، عرفوا نوعاً من الخمر يدعى ma yao ويظهر أنهم كانوا يلقّحون ضد  الجدري في القرن الحادي عشر الميلادي وعلى الرغم من هذا كله قيل : (لقد كان الصينيون أقدر على الاختراع منهم على الانتفاع بما يخترعون) واهتم الصينيون بالأنهار والترع ، وبنوا سور الصين العظيم ، الذي انتهى بناؤه عام 214 ق.م في عهد الإمبراطور شيه هوانغ تي الذي رُمم في أوقات مختلفة ، ارتفاعه ما بين 6-10 أمتار ، وطوله 1400 ميل.

الحضارة العربية الإسلامية ، للدكتور شوقي أبو خليل ، ص 45 - 62

altareekh.com