كثيراً ما يستخدموه لكن قليلاً ما يدركوه...كيف يبني الحوار؟

 

عبدالسلام بنعبد العالي

لنتحاور حول الحوار

لظروف لا يتسع المجال للوقوف عندها ترعرع مفهوم الحوار في حضن ميتافيزيقا الذاتية وابيستيمولوجيا الحقيقة. على هذا النحوتحدَّد الحوار أداةً يتخذها طرفان يسعى كل منهما لأن يقرّب الآخر مما يعتقده حقيقة، افتراضا أن الحقيقة قائمة قبل الحوار، وأن هذا ليس إلا «مسرحة» لغوية تُمكّن الذوات المتحاورة من أن تتقارب في ما بينها باقترابها من الحقيقة.

الحوار إذن لا يُولّد حقائق، وإنما يؤدي إلى حقيقة، إلى الحقيقة. وهو لا يُبعد ولا يباعد، وإنما يقرب ويقارب. ثم هوطريق المهادنة والسلم والوفاق، وهوأخيرا تفاعل بين ذوات متكلمة، أي أفراد يتخذون الكلام تعبيراً عن أفكارهم.

بيد أن الرجة التي عرفتها الابستيمولوجيا المعاصرة، والتي كان من نتائجها إعادة الاعتبار لمفهومات الخطأ وسوء التفاهم واللاشعور دفعت إلى فضح البنية الميتافيزيقية للحوار، والنظر إليه لا على أنه طريق محفوف باليقينيات والتوافقات، لا على أنه طريق التقارب والإجماع، وإنما من حيث هوأساسا طريق الأخطاء والاختلافات، طريق التباعد والخلاف.

تبين إذن أن الحوار ليس هوالوسيلة التي أجرّ عن طريقها الآخر نحوي لكي ننجر معا نحوالحقيقة، وأنه ليس أداة وئام وتوافق، وإنما طريق انفصال وتباعد، وهو طريق لا يخلو من عثرات وأزمات بله صراعات ومقارعات.

إلا أن المفارقة هنا هي أن هذا التباعد وذاك الانفصال، هما أكثر الوسائل ضمانة نحوالتقارب والوصال. فكأن سوء التفاهم غدا هوالطريق الأضمن نحوكل تفاهم.

ذلك أن النـقــاط التــي يــتــبـلور عندها التعثر و«يتوقف» الحوار، او على الأقل يتأزم، لا تفرق بين المتحاورين، وإنما بين الفكر وبداهاته، بين الفكر ومسبقاته، او لنقل بين الفكر وبين نفسه وهو يسعى للانفصال عنها.

إنها النقـاط التي تـسوي جهل الجاهلين بمعرفة العارفين. فكأن المسافة بين المتحاورين تزداد قربا كلما ازداد بعدهم، لا عن بعضهم البعض، بل عن ذواتهم. كل متحاور يزداد قربا من الآخر كلما ازداد بعدا عن نفسه. كأن الالتقاء بين أطراف الحوار لا يتم إلا عند نقاط افتراق، وكأن الاتصال بينها لا يتم إلا عند نقاط انفصال: نقاط التأزم والتأزيم التي يتحرر عندها الفكر من يقينياته ويتخفف من «حقائقه».

إنها النقاط التي يغدوعندها أطراف الحوار«في الهم سواء»، وليس أي همّ، بل الهم الفكري الذي قال عنه هايدغر «انه الهم الذي تتحول فيه الأشياء التي تبدو معروفة إلى أشياء تكون أهلا للمساءلة».

ثم ان مسرح الحوار ليس هو بالضرورة مجال تفاعل أفراد inter individualités وإنما هو تفاعل ثقافات. فالفواعل المقصودة هنا فواعل تاريخية، وليس الحوار مجرد تبادل الكلام بين أكثر من طرف بغية التوصل إلى حد أدنى من التراضي.

إن الحوار بالاولى هو حركة التاريخ العظمى التي تجعل الثقافات تسعى للسير على الدرب نفسه. لا يعني ذلك أنها تجبرها على إتباع درب خطط من قبـل وما على الأطراف إلا انتهاجه، وإنما أنها تستدعي مساهمة أكثر من طرف في شق الدروب.

بناء على ذلك فإن كان ولا بد من الحديث عن الوفاق والالتئام والتراضي كمرمى للحوار، فإنه التراضي حول شق السبل وفتح الآفاق، التراضي، لا حول ما يطمئن ويرضي، بل التراضي حول ما لا يطمئن وما لا يُرضي. كأن الحوار أداة لرفع سوء التفاهم، لكن ليس أساسا بين الذات وبين الآخر، بل بين الذات وبين نفسها، بين الثقافة وبين نفسها. الحوار حركة تسعى عن طريقها كل ثقافة لأن تنفصل عن ذاتها بغية التقارب عن طريق إحداث الفروق وخلق الاختلافات.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-17-3-2008