كيف يمكن تحقيق التعايش السلمي في العراق؟

 

ياسر جاسم قاسم

 

تعتبر مفردة التعايش من المفردات المهمة لتواجد الافراد في داخل المجتمعات بل هي المفردة الاسمى لتواجد بني الانسان ضمن دائرة الانسانية الواحدة القادرة على البناء الانساني المتضامن. ان مفردة التعايش بما تحمل من معان هي بحد ذاتها ثورة لتوحيد المجتمعات... ثورة على الذات الرافضة للاخر , ثورة على الاخر الرافض للذات الانسانية وهنا مصطلح الثورة نقصد به التحرك السريع لتوحيد المجتمع ضمن مفردة التعايش السلمي ولكن وكما هو معروف لدى المفكرين والمثقفين فان مفردة الثورة بحاجة لى التحرك المتضامن مع التنظير فالتنظير يسبق هذه الثورة لضم ابناء المجتمع ضمن البناء الواحد وان مفردة التعايش لا تخص مجتمعا دون مجتمع آخر بل هي لكل المجتمعات والانسان بطبيعته يكون متعايشا مع الاخرين ضمن مناهج الحوار السابقة...واليوم نحن في العراق نحتاج هذه المفردة وتطبيقاتها اكثر من اي وقت مضى حيث ان بلادنا فيها من الطوائف والاثنيات والعرقيات الشيء الكثير فاذا لم يكن هناك تعايش سلمي بين كل هذه الفسيفساء الجميلة في العراق فلن نضمن استقرارا مرتكزا في هذا البلد ومبنيا على معاني الصدق والاخلاص لأبنائه فالعراق متوزع وتكمن جمالياته في اطيافه المتعددة من سنة وشيعة وكرد وتركمان وصابئة وشبك وايزيديين ومسيح وغيرهم والعراق منذ الازل بني على كل هذه الشرائح المهمة القادرة على بنائه من جديد بعد عصف الدكتاتوريات المتعاقبة والارهاب الحالي به ولكن تطبيق التعايش بين هذه الطوائف يتطلب التركيز على عدة نقاط مهمة تعد الكفيلة بانجاح التعايش السلمي بين العراقيين وبالامكان اجمالها بالنقاط التالية:

1- ان يكون هناك تحاور بين كل الطوائف والقوميات وهذا التحاور يجب ان يبنى على اسس متينة من الصدق مع الاخر والاخلاص له ويكون ايضا حوارا مبنيا على المصالح المشتركة لا على مصلحة طرف دون اخر وان يسبق هذا الحوار تنظير على جميع المستويات ويكون بين رؤساء وعمداء الطوائف في البلد وان لا يستثنى منه احد هذا التحاور سيصنع جوا من الحب والتعايش والتقاء الاخر والقرب منه بعيدا عن كل المشاحنات والاتهامات وغيرها من الامور.

2- ان تخرج توصيات من هذه الحوارات بين الطوائف والقوميات وان تكون هذه التوصيات ملزم العمل بها اي ان تدخل في حيز التنفيذ لا ان تبقى حبرا على ورق وهذه التوصيات تتضمن امورا عدة منها:

ا- التاكيد على وحدة العراق والعراقيين.

ب- عدم التفريق بين الوان الطيف العراقي حسب العرق او الطائفة او المذهب.

ت- التاكيد على نبذ الارهاب والمنظمات الداعمة له ومن كل الجهات .

ث- التاكيد على النقاط المشتركة ونبذ نقاط الخلاف بين الوان الطيف العراقي.

3- ان تبنى اجهزة الدولة على اساس الكفاءات بعيدا عن المحاصصات الطائفية التي تثير النزاعات وبالنتيجة يسلم البلد الى حكومة كفوءة تعمل على تقدم البلد وازدهاره.

4- ان يكون رجال الدين طرفا اساسا ومشاركا فعالا في المؤتمرات والحوارات والتركيز على مسالة مهمة الا وهي دور الدين في التسامح واشاعة مفاهيم الرافة والرحمة.

5- اشاعة المفاهيم الدينية الصحيحة بين افراد المجتمع وطبع الكتيبات والكراسات التي تحث على مناهج التعايش وان لا سبيل لوحدة المجتمعات الا بالتعايش السلمي القائم على اساس الثقة المتبادلة بين الطيف العراقي ككل.

ان العراق يعيش اليوم دوامة من زعزعة الثقة بيين اطياف الشعب وذلك لان الحركات الارهابية تحاول ان تزرع الفتنة بين الشعب وتعرقل بناء العراق الديمقراطي الجديد عراق الانسان ولكن بناء العراق لا يتم الا بعد ان يكون هناك تعايش بين اطياف الشعب والا كيف نبني وغيرنا يهدم .

كما ان لاشاعة مفاهيم الانسانية دورا اساسا في ضرب مفاهيم الاستبداد والتفرد في الراي في ادارة المجتمعات ولا سيما المجتمع العراقي اذن فالدور الذي يناط بالقوى الوطنية والاحزاب الدينية والسياسية في هذه المرحلة دور اساس وخطير ويجب ان يتكافل الجميع في سبيل انجاح المسعى الطالب لاشاعة مفاهيم التعايش السلمي وانقاذ العراقيين من شفا حرب اهلية لا قدر الله والتعايش يستند الى عدة نقاط اساسية نجملها بالشكل التالي:

1- التسامح وهو دعامة اساسية لرفد مفهوم التعايش.

2- ضرب مفاهيم الاستبداد والغاء الاخر واقصائه.

3- التاكيد على مفهوم الهوية الوطنية العراقية وهذه هي مهمة المثقف العراقي وهي بلا شك مهمة صعبة فالمثقف اليوم عليه دور كبير في دراسة الواقع العراقي ورفد الحركةالمجتمعية.

4- ان يكون الادب والفن من شعر وقصة ورواية وغيرها في خدمة الواقع والتركيز على مفهوم التعايش السلمي.

وفي حقيقة الامر ان لم يكن هناك تعايش سلمي فهناك صراع واقعي وهو صراع ينتج من التعصب الذي ينتج من المنافسة بين جماعات متنوعة وذلك لتحقيق مصادر قيمية معينة بالنسبة الى هذه الجماعات كالمنافسة على مكانات اجتماعية ضمن الدولة الواحدة هذه المنافسات الجماعية من المعروف انها تسبب العدوان فقد اشار العلماء الى انه لو كانت هناك جماعتان لهما الهدف نفسه وان جماعه منهما كانت مصدر احباط للاخرى فمما لاشك فيه ان التعصب والعدوان داخل الجماعة سيكونان امراً حتميا وهذا ما يعرف بنظرية الصراع الواقعي بين الجماعات وتعتقد نظرية الصراع الواقعي بين الجماعات ان معظم النتائج المتطرفة التي تحدث نتيجة لهذه المنافسة تحدث الصراع وتشير الى ان المنافسة التي تحدث بين الجماعات لا شك انها منافسة جائرة وغير عادلة ففي دراسة لاولزاك (1992) عن الحوادث العرقية التي كانت تحدث في الفترة ما بين (1877-1914) في الولايات المتحدة الاميريكية اوضح ان الصراع الاثني ازداد عندما تحطمت القيود التي تجعل المنافسة حرة في النواحي الاقتصادية والسياسية. ويرى كامبل ان وجود الصراعات الواقعية التي تتمثل في الاهتمام بالعداء او وجوده والتهديد والتنافس مع الجماعات كلها شروط سابقة على التعصب والتمييز كما انها تعد شروطا اساسية في نمو التعصب والتمييز ضد الجماعات ضمن المجتمع الواحد ويذكر كل من بوبو (1988) وليفين وكامبل (1972) ان هذا التنافس الذي يحدث بين الجماعات يكون على مصادر الثروة حيث ان كل جماعة تميل الى تهديد الاخرى وذلك التهديد هو الذي يوجد العدوان بينهم وبالتالي فان هذا العدوان يخلق بينهم تقييمات سلبية متبادلة من الطرفين وقد اقر علماء الاجتماع في مختلف فروع المعرفة انه في ظل الحاجات والرغبات او الشخصيات من افراد البشر والاهداف او الاهتمامات يكون لها تاثير قوي في سلوك الافراد ويؤكد مايلز هيستون بصورة خاصة على العامل الاخير في تفسير الصراع بين الجماعات وهو طبيعة الاهداف فمن وجهة نظره ان هذا العامل بمفرده قادر على تفسير الصراع بين الجماعات وهذا هو نموذج من الجوانب النظرية في مجال علم الاجتماع لتفسير الصراعات التي نامل ان تختفي في عراقنا الجديد ويحل محلها التعايش السلمي واخيرا فان مسالة التفاوض بين الاطياف والقوى داخل المجتمع حول النزاعات تعد من الضروريات المهمة لحل الاشكالات وليس لغة السلاح وهذا قد عبر عنه الدكتور احمد زايد بقوله ((عملية التفاوض واحدة من الاستراتيجيات التي تعمل على تنقية الاجواء وتقريب وجهات النظر بين الجماعات المتصارعة ما يعد اسلوبا من اساليب حل النزاعات بين الاطراف والوصول الى حلول مقبولة))(سيكولوجية العلاقات بين الجماعات -قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات -ابريل 2006م)).

ان عراقنا المتعدد باطيافه والوانه الجميلة يتطلب منا وقفة حقيقية للتركيز على مفهوم التعايش السمي ومن دونه سنكون متضادين يحارب بعضنا بعضا وهذه هي دوامة العنف الآكلة لكل ما هو نبيل في وطن العراق فالمرحلة صعبة والمسؤولية كبرى والتعايش مطلوب والعراقيون اهلا للتعايش كي يثبتوا للعالم اجمع وحدتهم وضميرهم الحي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah