الحداثة في المنهج العلمي لفكر الإمام الشيرازي

 

القاضي سالم روضان الموسوي

 

 

الحداثة مفهوم أثار الجدل منذ أن ظهرت المعرفة وسار نهج التطور فيها وطرحت لها أوصاف عدة ومعاني شتى كل حسب مشربه واجتهاده، فمنهم من ضيق فهمها بالشكل في طرح المعارف، وآخر جعلها المعرفة ذاتها التي تستجد بعد بحث ودراسة، وآخرون لهم فهم مختلف وكل فريق يسوق لفكرته ونظريته ويعززها بدفوع شتى.

إلا أن القاسم المشترك لهؤلاء يتمثل بالسعي لطرح قيم معرفية حديثة ومستجدة تلائم حاجة الإنسان والمجتمع الظرفية وكذلك الاثرائية وهذه تأخذ بعض المسارات منها التطبيقية والأخرى إنسانية، وكل واحدة تتفرع إلى صنوف شتى، إلا إن ما ينظم العلاقات الاجتماعية والفردية فيما بين المجتمعات أو أفرادها يبقى الأسمى من حيث المكانة في طرح المعالجات تجاه الإشكاليات الناجمة عن التلاقي الحضاري والاجتماعي لهذه المجتمعات، وحتى على مستوى الأفراد، لتعلقها بديمومة هذه الكيانات التي لا ينهض يدون استقرارها علم او معرفة. لذلك ترى الأمم تهتم كثيراً بهذه القيم المعرفية ذات الصلة بتنظيم العلاقات لضمان ديمومة كينونتها.

وتوج هذا النشاط المعرفي بظهور القواعد القانونية المنظمة للعلاقات الاجتماعية او الفردية وظهر على أثرها علم القانون. والملاحظ على هذه المنظومة القيمية تمتاز بأسلوبين الاصالة والمعاصرة، بمعنى إنها تحتفظ بما ورثه المجتمع من قيم حضارية أصيلة رسخت من خلال تواتر العمل بها وكذلك استحداث القواعد القانونية الجديدة التي دعت الحاجة التطورية لوجودها، ومن خلال ذلك نجد إن الإسلام كمنظومة قيمية استوعب مجمل هذه القواعد لارتباط هذه القيم بمنشئها الذي يتمتع بصفات الكمال والثبات والأزل فإنها وردت في التشريع الأعظم المتمثل بالقران الكريم الذي جمع كل الأحكام وضم كل العلوم واحتوى كل القيم وقنن التكليف وكرم الإنسان.

وهذا الحال أضاف الى المسلمين والعاملين في حقل العلوم القرآنية والمعارف القيمية، مسؤولية الاجتهاد والاستنباط لإظهار هذه المكنونات المعرفية إلى التطبيق اليومي الحياتي وسار على هذا النهج جمع غفير من العلماء والعاملين والباحثين، إلا ان هذا المسير لم يكن مفروشاً بالورود وإنما كان محفوفاً بالمصاعب الجمة التي أثارها أعداء الإسلام وأنصار الظلام الذين بذلوا   كل وسعهم في محاربته والسعي لطمس آثاره وإطفاء سراجه وحجب مناراته، إلا أن اله سبحانه وتعالى كان خير حافظا له وتعهد بحفظه وحمايته، فانهزم الأعداء وانتصر الإسلام، إلا أن أتباع الشيطان لم يسكنوا بل ذهبوا الى وسائل شتى لإيهام المسلمين وسواهم بان الإسلام تراث انتهى إثره بمرحلته، وقدموا الوهم على حقيقة الإسلام وسوقوا لأفكارهم المضادة له، إلا أن سعيهم قد خاب، لان الإسلام   دين الحياة واستمرار وجوده من وجود مصدره الأزلي الدائم.

ومن بين الاتهامات  التي وجهت إليه، بان علماء المسلمين والعارفين لا يتسمون بوسم الحداثة ولا يلبسون ثياب العصر، وأسسوا لذلك على ربط الإسلام بالمسلم وقاسوا على أفعال الناس حضارة وفهم الإسلام. إلا أن المجتهدين الحداثيين من علماء الأمة الإسلامية تصدوا لهذه الأباطيل وبرهنوا على أن الإسلام هو أسمى من أفكار أهل الدنيا وأعظم من علوم الأرض وانفع من تجارب الناس وهذا بفضل التعامل مع القيم الإسلامية المكنونة في القران الكريم وإخراجها بثوبها العصري الذي ينسجم ومتطلبات العصر الحديث.

وهذه المقدمة تقودني إلى الوقوف بكل إجلال وإكبار لمسيرة المجتهد المحدث الإمام الشيرازي (قدس سره الشريف) إذ وجدت فيه عالماً عصرياً حديثاً ملك المعرفتين، معرفة القيم المعرفية في الإسلام والمعرفة الحداثوية في الطرح والاسلوب، فكان ما أعطاه من علم ونتاج فكري عزز النهج الإسلامي وأعلى شأن الأمة تجاه ما وجه لها من اتهام.

ووجدت في بعض ما كتب الإمام الشيرازي أسلوبا علمياً معاصراً في طرح المشكلة والبحث فيها وإعطاء النتائج العلمية المفيدة والنافعة، وهذا ما تفرد به مع البعض اليسير عن سواه من علماء الأمة الإسلامية الذين كتبوا في ذات المواضيع ويحثوا فيها، إلا إنهم كانوا يؤطرون ذلك الجهد بإطار الطرح الملائي او الكتاتيبي الذي كان ناجحاً في عصره، لكن   أدوات الحياة تطورت وتغيرت وأصبحت تملك منهجاً جديداً وإطارا حديثاً، وكان للإمام الشيرازي أراء وأفكار واجتهاد في الجوانب القانونية والحقوقية ومنها ما تيسر لي الإطلاع عليه عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنيت)، مثل كتاب القانون وحقوق السجين ونظام المرور، وهذه كلها من الأنشطة المعاصرة والحديثة التي يتباهى الغرب بأنهم أحدثوا نظريات وأبدعوا فيها أفكار، إلا أن طرح الإمام الشيرازي وتصديه لهذه المواضيع بأسلوب عصري منهجي يعتمد المسار الأكاديمي في الطرح والتحليل والمعالجة أوضح للجميع إن ما قدموه كان الإسلام قد ابدعه وقننه بكتابه العظيم القران الكريم قبل الف عام او اكثر وان القانون ونظرياته وتعريف القاعدة القانونية التي يدعي علماء الغرب إنهم أثروها وأغنوها فإنها لم ترتقي إلى المستوى الذي أبدعه الإسلام في تعريفها وتنظيم أحوالها، بالإضافة إلى إظهار الكلية في الاحتواء للمشكلة والعمومية في المعالجة للحالات الإنسانية التي لم يستطع العقل البشري أن يحتويها بسب   نقص الانسان الطبيعي وافتقاره للكمال الذي أبدع القران الكريم.

فكان للإمام الشيرازي الفضل في اظهار هذه القيم الى الجمهور بإطار عصري حديث يسهل فهمه والتعامل معه، وهذا الأمر كان محل احترام الغربيين قبل المسلمين تجاه فكر الإمام الشيرازي وأسلوبه المعاصر في الطرح والتحليل والمعالجة، واستشهد بواقعة جمعتني مع مجموعة من رجال القانون من عدة بلدان وكان بين الحاضرين احد رجال القضاء الأسبان في احدى المؤتمرات القانونية، الذي أشار إلى القوانين والأنظمة المرورية وكيف ان الأوربيين وضعوا قواعد قانونية تحكم وتضبط الشارع وسلوك السائق عند قيادته للمركبة وكيف يتعامل مع الآخر في استخدام طرق المرور وغيرها وأنحى باللائمة على العرب بأنهم لم يواكبوا هذا المساق باعتبار إن الدولة الحديثة تعرف مظاهرها من انضباط سائق المركبة و رجل المرور وعامل البلدية فعندما يكون هؤلاء منضبطون يكون المجتمع منضبط ومتحضر.

وحينما رددت عليه قوله وأوضحت له ما أورده الإسلام من أحكام في هذا الموضوع بالذات، فظن الكثير من الحاضرين من العرب بالإضافة الى الاوربيين ومن بينهم ذلك القاضي، إن الأمر لا يتعدى سوى كلمات مبعثرة في صحائف القران الكريم، وان العلماء المسلمون لم يجتهدوا في إبرازها، فأسعفني الله بكتاب المرور للإمام الشيرازي الذي عرضته لهم عبر جهاز الحاسوب وكذلك عرضت لهم كتاب حقوق السجين وكتاب القانون، فثارت دهشهم وتراجعوا عن ظنهم وبجلوا واحترموا الإسلام من خلال ما وجدوه في كتب الإمام الشيرازي التي أبرزت حداثة الإسلام وعصريته ومواكبته للتطور العلمي الذي جذره القران الكريم.

لذلك فان للإمام الشيرازي نهجاً متجدداً وحديثاً ومعاصراً تفرد به عن سواه وأسس لمدرسة إسلامية حديثة تتناول القيم القرآنية بإطار حديث تواكب العصر وأدواته المتطورة.

واسأل الله أن يجعل من نهج الإمام الشيرازي خطاً يسير على هديه الباحثون عن المعرفة والقيم الإسلامية الأصلية.