هل توجد لدينا نظرية في حوار الحضارات؟

 

زكي الميلاد

 

 

منذ أن طرح السيد محمد خاتمي دعوته لحوار الحضارات, في خطابه الذي ألقاه في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس 1998م, وإلى هذا اليوم لم تتحول هذه الدعوة إلى نظرية واضحة ومتماسكة, بحيث يمكن القول أن العالم العربي والإسلامي له نظريته في مجال حوار الحضارات. النظرية التي يفترض أن تستند إلى بنية معرفية, وقاعدة منهجية, وتراكمات تاريخية, وتستجيب لحاجات الأمة الذاتية, ومتطلباتها في السعي نحو التقدم والتمدن والحضارة, وعلى أرضية التواصل مع العالم, والانفتاح على الحضارات المختلفة.

النظرية التي تحدد شكل العلاقة مع الذات من جهة, ونمط العلاقة مع العالم من جهة أخرى, وعلى أساس مفهوم التقدم والتمدن. العلاقة مع الذات لمعرفة حاجة الأمة إلى التقدم والتمدن, والعلاقة مع العالم على هذا الأساس أيضاً, لمعرفة كيف نكتسب عناصر التقدم والتمدن من حضارات العالم المتعددة. في حين أن قضية حوار الحضارات عندنا ما زالت تدور في إطار كونها مجرد دعوة عامة, ولم تتحول إلى نظرية نعرف ماذا نريد منها لأنفسنا!

ويصدق هذا الوضع علينا ما قبل وما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م. ما  قضية حوار الحضارات تدور في إطار الدعوة العامة ولم تتحول إلى نظرية نعرف ماذا نريد منها لأنفسنا قبل هذه الأحداث, حيث كانت الدعوة لحوار الحضارات تتصف بنوع من العمومية والإطلاقية, وتنزع نحو العالمية والكونية, وتنطلق من الوضعيات والفرضيات السياسية والدولية, وتستهدف بصورة أساسية مواجهة مقولة صدام الحضارات, وتصوير أن الإسلام يدعو إلى الحوار والانفتاح والتسامح.

وهذا الطرح بهذه الطريقة, عادة لا يكون فعالاً ومؤثراً, ولا يلفت الاهتمام بصورة حيوية وجادة, وذلك لطبيعته العامة والإطلاقية, ولعدم قدرته على البناء والتراكم, واستيعاب التطور في مسارات واتجاهات واضحة ومحددة, ولافتقاده خطة استراتيجية واضحة المعالم, أو ارتباطه بمشروع معرفي يساهم في تطوير الخطاب الفكري لهذه القضية, وإنمائه وتواصله, ومن ثم فإن هذا الطرح إنما يعبر عن رغبات وطموحات, وعن قيم ومثل أخلاقية نبيلة, لا يتأثر بها العالم, ولا يصغي إليها, وهو الذي تحكمه معادلات القوة والسيطرة والتفوق والثروة.

وما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر, التي صدمت العالم بهزة عنيفة غيرت من صورته, وقلبت معادلاته وتوازناته, وأصبح الحدث الذي تؤرخ به الألفية الثالثة الجديدة, وتأثرت به التطورات والتغيرات اللاحقة ومازالت تتأثر به, وقد اعتبر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن في تقريره السنوي حول التوازن العسكري في العالم, أن عهداً استراتيجياً جديداً قد بدأ منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر, فقد دفعت هذه الأحداث العالم ليعيش في أشد حالاته انفعالاً وتوتراً واضطراباً, وهيمنت عليه مفاهيم العنف والإرهاب والقوة, وأصبح المجتمع الإنساني لأول مرة وكأنه يعيش صدام حضارات, المفهوم الذي أخذ العالم يتداوله على أوسع نطاق, وكأن هنتنغتون صدق في نبوءته حين بشر بهذا المفهوم عام 1993م, وأكده عام 1996م.

وفي الجانب الآخر, فإن هذه الأحداث لفتت العالم مجدداً وبالذات في العالم العربي والإسلامي إلى مفهوم حوار الحضارات, المفهوم الذي أصبح له واقع فعلي, ولم يعد كما كان قبل هذه الأحداث مجرد فهم أخلاقي نبيل, ويعبر عن طموحات ورغبات مثالية لا واقع لها ولا مصير, ولهذا فإن الربع الأخير من سنة حوار الحضارات, وتحديداً بعد أحداث سبتمبر شهد العالم العربي أوسع نشاط واهتمام بهذا المفهوم, فلأول مرة في تاريخ الجامعة العربية تدعو إلى عقد مؤتمر فكري حول حوار الحضارات, وبقدر ما لفتت هذه الأحداث الأنظار لمقولة هنتنغتون في صدام الحضارات, لفتت الاهتمام أيضاً إلى دعوة السيد خاتمي في حوار الحضارات, وأكدت قيمة هذه الدعوة والحاجة إليها في استشراف المستقبل.

المصدر : www.okaz.com.sa