في سبيل بناء نظرية لحوار الحضارات

(1)

 

زكي الميلاد

 

 

حينما دعا روجيه غارودي في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين إلى حوار الحضارات, أراد من هذه الدعوة أن تكون خطاباً نقدياً للغرب, متوجهاً منه وإليه, قاصداً به ضرورة أن يلتفت الغرب لبعض مشكلاته وإشكالياته الناشئة في منظومته الفكرية والفلسفية والاجتماعية, وطريقته في التطور الحضاري, وفي نمط رؤيته لعلاقاته بالعالم.فقد اكتشف غارودي بفكره النقدي, ومعرفته الواسعة, وانفتاحه على الثقافات غير الأوروبية, وجود أزمة حضارية عميقة في الغرب والحضارة الغربية, ولا سبيل لتجاوز هذه الأزمة وتداركها في نظره, إلا بالانفتاح على الحضارات الأخرى غير الأوروبية, والتحاور معها, والتعلم منها, لاكتشاف ما يسميه بالفرص المفقودة, والأبعاد الإنسانية والأخلاقية المطلوبة, التي نمت في الحضارات والثقافات غير الأوروبية.

وهذه الأزمة التي يعيشها الغرب في الربع الأخير من القرن العشرين, إنما ترجع في جذورها كما يرى غارودي, إلى عصر النهضة, الذي ولدت معه الرأسمالية والاستعمار, وما صاحبه من تنكر وهدم لجميع الثقافات غير الأوروبية, فقد اتبعت الحضارة الغربية في نموها وتقدمها من القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن العشرين, طريقة أوصلتها حسب رؤية غارودي, إلى أزمة داخلية عميقة حدودها في ثلاثة أبعاد رئيسية, شرحها في كتابه: (حوار الحضارات), وهي:

1- رجحان جانب الفعل والعمل, بالشكل الذي يتحول فيه الإنسان إلى  إلى اليوم لم تتبلور نظرية أخرى لحوار الحضارات في مستوى نظرية غارودي وتماسكها وخبرتها مجرد آلة للإنتاج والاستهلاك, ويفقد جوهره المعنوي والأخلاقي.

2- رجحان جانب العقل, واعتباره قادراً على حل جميع المشكلات, بحيث لا توجد مشكلات حقيقية إلا تلك التي يستطيع العلم حلها, والنتيجة بعد ذلك هي عدم القدرة على تحديد الغايات الحقيقية, والسيطرة على الوسائل.

3- رجحان جانب الكم, وجعله معياراً ومقياساً لا نهائياً, بحيث يصبح النمو باعتباره نمواً كمياً صرفاً في الإنتاج والاستهلاك ويرى غارودي أن حضارة تقوم على هذه الأبعاد الثلاثة, حضارة مؤهلة للانتحار وفي ضوء هذا التحليل لأزمة الثقافة والحضارة الغربية, بلور غارودي نظريته لحوار الحضارات, ناظراً بها إلى الغرب, لإنقاذه وتصحيح مساراته, وتشكلت هذه النظرية على أساس المرتكزات التالية:

1- الاهتمام بالحضارات اللاغربية في مجال الدراسات, وجعلها بمنزلة تعادل في أهميتها الثقافة الغربية.

2- أن يشغل مبحث الجمال, منزلة يعادل في أهميته تعليم العلوم والتقنيات.

3- أن يكون الاهتمام بالمستقبل, يعادل في أهميته من حيث التفكير والغايات والأهداف أهمية التاريخ وعلم التاريخ.

فهذه النظرية التي كونها غارودي لحوار الحضارات, أراد بها أن يخاطب الغرب بصورة أساسية, لذلك فهي تنتمي وتصنف على النظريات الغربية, التي تنطلق من نقد التجربة الغربية والحضارة الغربية, ويعبر عن ذلك بقوله إن (حوار الحضارات أصبح ضرورة عاجلة لا سبيل لردها, إنه قضية بقاء, لقد بلغنا حد الخطر, بل لعلنا تجاوزناه, إن مهمتنا بعد الفرص التاريخية الضائعة, وضياع أبعاد الرجل الغربي, هي استئناف حوار حضارات الشرق والغرب, من أجل وضع حد لحوار الذات الغربي الانتحاري .. إدراك هذا النقص وإدراك ما ندين به للثقافات والحضارات غير الغربية, هو اليوم على ما نظن السبيل الوحيد الذي بقى مفتوحاً أمامنا خارج مأزق الموت).

وكون نظرية غارودي تنتمي وتصنف على النظريات الغربية, لا يعني ذلك بالضرورة نقداً لها, أو رفضاً أو إسقاطاً, وإنما القصد هو تحديد طبيعة الفضاء المعرفي لهذه النظرية, وفهم غاياتها ومقاصدها, وكيفية التعامل معها.

وبالتالي لا يمكن الرجوع إلى هذه النظرية, إلا في إطار التثاقف والتواصل الفكري والمعرفي, وليس بالاعتماد عليها بوصفها نظرية كونية عامة, أو باعتبارها قابلة للتعميم, مع أنها قد تعد من أنضج النظريات في مجالها, وأكثرها دعوة للانفتاح والتواصل مع الثقافات والحضارات الأخرى غير الأوروبية.

ولعله إلى اليوم لم تتبلور نظرية أخرى لحوار الحضارات, في مستوى نظرية غارودي وتماسكها وخبرتها, كما نظّر لها وشرحها في كتابه الشهير (حوار الحضارات), وتمثلها في تجربته الفكرية, وفي الأطوار والانتقالات التي مر بها من المسيحية إلى الماركسية, ومن ثم إلى الإسلام, فلم يكن غارودي مجرد داعية لحوار الحضارات, بل كان مثالاً تطبيقياً لهذه الدعوة في تجربته الفكرية.

المصدر: .okaz