حتى لا يبقى حوار الحضارات مجرد شعار

 

د. محمد رضى بنخلدون

 

الآليات السياسية حتى لا يبقى الحوار مجرد شعار

تمهيد:

استأثر كل من موضوعي حوار الحضارات و صراع الحضارات خلال العقدين الأخيرين باهتمام المفكرين والمثقفين والسياسيين في كل من العالمين العربي الإسلامي و الغربي. و قد أخذ هذا الاهتمام منحى تصاعدي بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001 بنيويورك.

لقد تغير وجه العالم بعد هذه الأحداث، حيث أصبحت إدارة المحافظين الجدد بالولايات المتحدة الأمريكية و كأنها في سباق مع الزمن لبسط سيطرتها بصفة نهائية على العالم لأنها تقدر أن الظروف أصبحت مواتية لذلك. إن سقوط جدار برلين و انهيار المعسكر الشيوعي قد أشر على دخول العالم في مرحلة القطبية الأحادية وما يعنيه ذلك من اختلال كبير على مستوى التوازن الاستراتجي بالعالم. و في نفس الوقت وصل التقهقر السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي في العالم الإسلامي إلى مستويات كبيرة و يظهر ذلك من خلال مؤشرات التنمية البشرية بالدول العربية والإسلامية و من خلال الوضاع السياسية بتلك الدول. لم تبق أمام أمريكا قوة عالمية منافسة تجمع بين التفوق التكنولوجي و العسكري و العلمي إلى جانب التفوق الاقتصادي و المالي، حتى أضحت الولايات المتحدة هي صانعة القرار السياسي على المستوى الدولي.

في هذه الظروف سمحت الولايات المتحدة لنفسها باحتلال أفغانستان ثم العراق دون تزكية من المنتظم الدولي، و هي تلوح بحروب أخرى في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب؛ هذه الحرب ليست كباقي الحروب كما يقول الرئيس الأمريكي جورج بوش، فهي حرب طويلة الأمد لا يعرف أحد نهايتها، وهي حرب تطال الجوانب العسكرية و اللوجستيكية و لكن كذلك الجوانب السياسية و الثقافية والتربوية و الدينية و غيرها. هكذا، بدأ الحديث عن إصلاح النظام العربي وفق منظومة تقودها الولايات المتحدة و بدأ التركيز على تغيير مناهج التعليم بالعالم العربي و الإسلامي و دعم المجتمع المدني لتحقيق تلك الأهداف.

فهل دخلنا فعلا مرحلة صراع الحضارات الذي أطلقه المفكر الأمريكي صامويل هانتجتون، أم أن أصوات العقلاء الذين ينادون بحوار الحضارات ستكون أقوى؟

وهل الدعوات التي أطلقها مجموعة من السياسيين و المثقفين من أمثال الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي و رئيس الحكومة الإسبانية خوسي لويز زاباتيرو و المفكر الفرنسي روجي كارودي و غيرهم، حول موضوع حوار أو تحالف الحضارات، ستجد طريقها إلى التنزيل أم ستبقى مجرد شعارات بدون جدوى؟

نظرة تاريخية:

قبل ما يقارب من عقدين من الزمان والعالم ما زال في ذلك الوقت يتعامل بواقع ثنائي القطب إلى حد ما، خرج المفكر الفرنسي روجيه جارودي على العالم أجمع بنظريته ومشروعه للجمع بين الحضارات المختلفة على أساس أرضية مشتركة للتفاهم على مستوى شعوب الأرض وسماه بـ"حوار الحضارات" ولكن مشروعه كان يتسم بسمة أساسية ألا وهي النقد الشديد للهيمنة الغربية والسيطرة الأمريكية حتى أنه بشر في ثنايا نظريته بزوال الغرب عموما لكن هذه الصيحة وأخواتها من جانب جارودي أو غيره من المفكرين والساسة الذين سعوا إلى وضع نظرية أو قاعدة تحكم وتفسر واقع المجتمع العالمي لم تجد الصدى اللائق بها في ذلك الوقت لواقع الصراع القائم والمسمي بالحرب الباردة بين قطبي العالم آنذاك. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم بدأت نظريات أخرى بالصعود إلى السطح والظهور لتفسير كيفية تعامل القطب الأحادي مع العالم في ضوء الواقع الجديد ومن هذه النظريات ما خرج به الأمريكي الجنسية الياباني الأصل ’فوكوياما’ بما يسمى ويعرف بنظرية نهاية التاريخ، تلك النظرية التي انتشرت سريعا لتتداعى بسرعة أكبر ومفادها تصوير انتصار الرأسمالية على الأرض أنها نهاية التاريخ وأن الإنسان الأمريكي هو من وصل إلى أقصى مستوى حضاري ممكن وبالتالي فهي نظرية نهاية الإنسان والتاريخ؛ ثم تلا هذا المشهد مشهد آخر في أواخر صيف 1993 م وكانت أول شرارة أشعلت المشهد مقالة نشرت في صحيفة [ الشؤون الخارجية ] للمفكر الأمريكي الشهير صمويل هتنجتون تحت عنوان [ صدام الحضارات ] والتي حاول فيها قراءة مستقبل العالم المعاصر وقرر فيها أن الصراع في خلال القرن القادم سيكون صراعا بين الحضارات وليس صراعا اقتصاديا أو أيدلوجيا وقد حدد في نظريته تلك سبع حضارات أساسية يتوقع أن يلتهب بينهم الصراع ولا بد في هذا الصراع من زوال البعض وخضوع البعض الآخر لهيمنة الأقوى وقرر في النهاية أن الحضارات المتوقع لها الاستمرار حتى النهاية لما تحمله من إمكانيات ومقومات للبقاء هي ثلاث حضارات الإسلامية والغربية والكونفوشيوسية [حضارة الصين ] وحذر العالم الغربي من تحالف الحضارة الإسلامية مع نظيرتها الكونفوشيوسية في إشارة إلى إمكانية حدوث تحالف نووي بين الصين وبعض الدول الإسلامية.

مقالة هتنجتون أثارت عاصفة من الانتقادات والجدل حول المفاهيم التي تضمنتها وقابل هتنجتون ذلك بالرد أنه على الرغم من إمكانية الاعتراف بوجود ثغرات في نظرية صراع الحضارات إلا أن المعارضين والرافضين لهذه النظرية لم ينجحوا أن يقدموا بديلا في طرحهم يوازيها في الواقعية والوضوح وبأن نظرية صراع الحضارات وهذا من وجهة نظر هتنجتون بالطبع هي خير وأفضل تصور موضوع للمستقبل في القرن القادم.

ولعل من الجدير بالذكر ردا على دعوى هتنجتون أن أحدا لم يطرح البديل المناسب أقول لعل من المناسب في هذا المقام بيان أن العديد من المفكرين والساسة الذين عارضوا نظرية صراع الحضارات والفكرة القائمة عليها قد طرحوا لها بديلا قويا ألا وهي نظرية حوار الحضارات كوسيلة لتجنيب المجتمع ويلات الحروب والقتال.

وتم إنشاء العديد من المؤتمرات والجمعيات والمؤسسات الداعية لترسيخ سياسة الحوار والتفاهم والتعايش السلمي بدلا من الصدام وتبني العديد من الكتاب هذه النظرية ودعوا إلى تنمية الحوار بين العالم الإسلامي والغرب حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه وقد حددت الأمم المتحة عام 2001 م عام حوار الحضارات وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب.

إلا أن أطروحة حوار الحضارات لم تخل من جدل شديد ونقد دائم مستمر حتى من جانب المفكرين المسلمين ولم يقف الجميع فيه على نسق واحد فمن رافض للفكرة من أساسها لعدم واقعيتها فكيف ستتحاور مع من يهدم بيتك ويشرد أهلك في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي إلى فريق آخر مؤيد للفكرة على الإطلاق وداع لها بغض النظر عن الواقع الحالي للأمة وفريق ثالث لا يستوعب المعنى المقصود من حوار الحضارات بل يحتفظ كل فرد في الفريق الثالث بفهم خاص له لهذا المصطلح.

تحديد المفاهيم:

الحضارة:

لابد قبل تناول موضوعة حوار الحضارات من إيجاد أرضية نقف عليها لدراسة ومعرفة مفهوم الحضارة بشكل عام، وما هي الاختلافات في المصطلح بين الشرق والغرب وكيف يرى الغربيون هذا المفهوم الذي يختلف تماما عن مفهوم العرب والمسلمين له، ودلالاته اللفظية إذ "يعد لفظ "الحضارة" هو الترجمة الشائعة للفظة الإنجليزية "Civilization"، والتي يعود أصلها إلى عدة جذور في اللغة اللاتينية؛ "Civilties" بمعنى مدنية، و"Civis" أي ساكن المدينة، و"Cities" وهو ما يُعرف به المواطن الروماني المتعالي على البربري.

ولم يُتداول الاشتقاق "Civilization" حتى القرن الثامن عشر، حين عرفه دي ميرابو في كتابه "مقال في الحضارة" باعتباره رقة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة".

و يرى عباس عبود سالم في مقاله عن " قراءة في حوار الحضارات وجدلية العلاقة بين الشرق والغرب" أن هذا المفهوم قد مر في أوربا بعدة تقلبات ارتبطت بالمراحل التاريخية، فمجتمع ما قبل الثورة الصناعية يختلف حتما عن مجتمع الثورة الصناعية وما بعدها إلى أن جاء عصر ثورة المعلومات والاتصالات لفتح الباب أمام مرحلة أخرى من مراحل التطور الحضاري وعلى هذا الأساس اوجد وول ديورانت تعريفا للحضارة على أنها"نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون".

هل هناك صراع للحضارات ؟

عندما نطرح موضوع صراع الحضارات، يجب أن نتحلى بقدر من الشجاعة لنقول ما نؤمن به ولو أن مثل تلك الصراحة قد يبدو أنها غير ملائمة، أو لا تتناسب مع أجواء فتح الحوار بين الحضارات. ولكن أليس من حقنا طرح السؤال: من يصارع من؟ أو لسنا أمام جهة معتدية و جهة معتدى عليها؟

"لنبدأ بالنقطة الجوهرية التي أفاض فيها الكثيرون من النخبة الرسمية وغير الرسمية في بلاد المسلمين، والتي يركزون عليها دون باقي النقاط المكملة لها، ولكننا نبدأ بها لنؤكد أنها فكرة صحيحة وأساسية بلا خلاف، ولكنها ليست كافية لعرض موقفنا كله إزاء المتغيرات المختلفة.

ونقصد أن الإسلام يحض على الحوار والتفاهم والتعارف والتعايش السلمي, ذلك أن الدين الحق لا يقوم إلا على الإقناع و الاقتناع، ولا يوجد إيمان بحد السيف، فالإيمان لغة هو التصديق.وآيات القرآن عديدة في هذا المجال:

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل125 .

(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة 256.

( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) يونس99.

ولأن البشرية تنقسم إلى شعوب و قبائل فان الدعوة تكون (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات 13. وعندما تتمايز الأمم فان الهدف الأسمى هو التعايش والتعارف وعدم استعلاء طائفة على أخرى، ولا أمة على أمة، ثم يكون الأكرم عند الله هو الأكثر تقوى، والحساب النهائي عند الله وليس على هذه الأرض الفانية. إذن من وجهة النظر الإسلامية، لا توجد أي مشكلة على الأرض، بسبب الخلاف في الرأي أو العقيدة أو اللون أو العرق أو القومية، بل أن الإسلام يدعو إلى مباراة سلمية في إعمار الأرض والتخلية بين الإنسان و اختياراته العقائدية .

فمن أين يأتي الصدام إذن ؟ من أين تنشأ المشكلة؟ تأتى من الطرف الذي يرفض المبادرة السلمية ويستخدم وسائل الإكراه في فرض هيمنته ورؤيته ومصالحه.

إننا أمام الوضع التالي:

العالم الإسلامى لا يتدخل (ولا يقوى) في الشئون الداخلية للعالم الغربي, بينما يتعرض هو للاعتداء والاحتلال و التدخل في أخص شئونه الداخلية." مجدي احمد حسن: حوار الحضارات بين الحقيقة والخداع .

لماذا ينبغي أن نتحاور؟

لقد تحوّل العالم إلى قرية كونية واحدة، وأي حدث في أي مكان في العالم فانه يزحف إليك ليترك تأثيره عليك وأنت في قريتك، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية... من هنا ، علينا أن ننطلق لنتفاعل مع الحضارات الأخرى في ما لا يتنافى مع الخطوط العريضة لحضارتنا، وان نترك الآخرين يتفاعلون معنا.

لقد ظهر جليا بالنسبة للفاعلين السياسيين و الثقافيين في العالم الإسلامي، أن هذا العالم، مع أن له قضايا تتعلق بحقوقه السياسية و الاقتصادية نتيجة مباشرة، ما خلفته الوضعية التي تم رسمها عشية انتصار الحلفاء في الأربعينيات.

مع كل ذلك فقد بدأ السياسيون و المثقفون يعون أنهم لم يقوموا بما كان يلزمهم القيام به من التواصل المباشر مع العالم الغربي لأجل شرح قضاياهم المصيرية للعالم الغربي، كما لاحظ أهمية هذا التواصل من خلال تحقيق بعض التقدم في بعض القضايا السياسية و الاقتصادية.

و يلاحظ الجميع أن العالم الغربي من جهته، و لأسباب متفاوتة قد بدأ يهتم بالحضارة العربية والثقافة العربية، و من تلك الأسباب كما يرى هوازن خداج في مقاله: "المعادلة الناقصة في حوار الحضارات " وقد يكون من أهمها:

وجود النفط في هذه البقعة من العالم، وهو عصب التطور المستدام للدول الصناعية المتطورة، لهذا يتم التسابق للسيطرة عليه، أو للتفاهم على طريقة تقاسمه و الاستفادة منه.

و لذلك يبدو أن موضوع الحوار لدى العالم الغربي على هذا المستوى لا علاقة مباشرة بالضرورة الحضارية، فهو موضوع اقتصادي سياسي بحت، لكن السياسة والاقتصاد كانا وما زالا يعملان بالتوازي كأسباب لسيطرة وفوز الحضارات.

كما يبدو موضوع الهجرة إلى الدول المتقدمة كانت هجرة من العالم الإسلامي أساسا، فقد كانت تلك الهجرة ذات خصائص متقاربة يغلب عليها الطابع الشعبيّ العام، وقد كان البحث عن موارد الرزق وعن الحريات أكبر دافع لهذه الهجرات الأولى التي نتج عنها ظهور تجمعات إسلامية لها طابعها الخاص داخل تلك البلدان، فنشأت عنها مشكلات متنوعة، ناتجة عن محاولة التوافق والانسجام بين ثقافتهم وهويتهم، وبين المحيط الاجتماعي والبيئة الثقافية المنفتحة والمناخ الفكريِّ العام الذي وجدوا أنفسهم يعيشون في خضمه داخل هذه الدول العاملة والمنتجة، والتي تحاول بطريقة ما تفعيل الثقافات الأخرى والاستفادة من وجودها دون الدخول باشتباكات وضغوطات داخل مجتمعاتها.

و قد ارتفع هذا السبب الثاني بضرورات الحوار من مجرد الضرورة الاقتصادية المصلحية المباشرة، إلى المستوى الثقافي ، حيث بدأت تظهر أسئلة من قبيل: هل يبنبغي استيعاب هذه الفئات المهاجرة أم نبذها و طردها؟ و إذا ما كان من اللازم استيعابها، هل يشكل إدماجها داخل المجتمعات الغربية التي تنهج نهج العلمانية خطرا حقيقيا لهذه الهوية أم دعم لها؟

و لذلك فإنه بإمكاننا أن نعلن اليوم أننا أمام أكثر اللحظات تهيؤا للحوار الحضاري الحقيقي، مستثنين في ذلك الإدارة الأمريكية للمحافظين الجدد الذين يظهر أنهم لم يستوعبوا الدرس بعد. بالرغم من محاولاتها تدشين حوارات هنا و هنا لا يكون الهدف من ورائها إلا دعم الخيارات العسكرية بتكثيف أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخباراتية. و يتأكد ذلك حينما نشهد أنها لا تزال تكثف جهودها بحثاً عن الطاقة- النفط وفتحاً لأسواق جديدة..

و مهما يكن فإن الحوار مع العالم الغربي الأوربي يبدو أكثر استعدادا لهذا الحوار الحضاري اليوم، و لا يبقى إلا تحديد شروط نجاحه حتى يؤدي إلى تحقيق التقارب بين الحضارات و التفاهم بين الشعوب على أرضية الاحترام المتبادل للخصوصيات و الحقوق المشروعة.

إن هذه الأسباب، أدت للاهتمام بالحضارة العربية وتحديدا الإسلامية، في محاولات لوضع خطوط أساسية للتفاهم والتعايش، لكن هذا التعايش والتبادل الحضاري لن يتم إلا إذا حاولت الدول الأقوى والأكثر تطوراً التنازل عن إخضاع الآخرين لشروطها وقيمها العامة الناتجة عن مصالح اقتصادية وسياسية، واعترفت بوجود التعددية الثقافية الحضارية لكافة الدول، وقامت الدول الإسلامية بمحاولة التجديد والاجتهاد لتبني الفكر الذي يدعم التطور والنهوض من عصور الظلام، والاستفادة من كل ما هو جديد وملائم في محاولة البناء والاعتراف بهذا التنوع الثقافي الذي يساهم بتقوية الاحترام المتبادل الذي قد يعتمد عليه مستقبل البشرية، والتخلي من قبل كل الأطراف عن رواسب التمييز العرقي أو التعصب المذهبي وعدم إنكار الخصائص الثقافية أو الحضارية لأي شعب من الشعوب.

هنا يمكن القول، كما يرى هوازن خداج أن حوار الحضارات لن يتم إلا في حال إدراك أن الحوار في خطاه الأولى ليس بين ثقافات ولكن بين جماعات ومجتمعات، وإن موضوعه بالتالي ليس هويتي وهويتك، وقيمي وقيم الآخر، ولكن مشكلاتنا المشتركة إنسانياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً... وإن هدف الحوار ليس الوصول إلى قمع وإلغاء الاختلافات الثقافية والحضارية ولا إيجاد تسوية بين القيم المختلفة التي تميزها، ولكن العمل فيما وراء الثقافات الخصوصية، لإيجاد قاسم مشترك إنساني أعظم من القيم الخاصة المغلقة وإيجاد فرص أكبر لتنويع المرجعيات حتى نستطيع الوصول للانفتاح على الآخر فهو الذي يؤسس لبناء حضارات مكتملة بإجماع إنساني. فالإنسان هو الغاية الأسمى وهو أعظم المخلوقات والإبداعات، وكل شيء وجد لخدمة الإنسان من حضارة وثقافة ودين وسياسة و...وليس العكس.

الآليات السياسية

حتى لا يبقى موضوع حوار الحضارات مجرد شعار، بات من الضروري الانتقال من مرحلة مدارسة الموضوع على مستوى الملتقيات و المناظرات الدولية، على أهميتها، إلى مستوى اتخاذ إجراءات سياسية عملية وفق أجندة محددة. و يمكننا تقسيم الآليات السياسية المقترحة إلى آليات سياسية أساسية و أخرى تكميلية.

الآليات السياسية الأساسية:

على المستوى الأممي: تمكين العالم الإسلامي من التمثيلية ضمن الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن.

تأسست هيأة الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و انتصار الحلفاء على دول المحور. و كان الهدف المعلن من تأسيس عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة كما أعلن عن ذلك ميثاقها هو نشر مبادئ السلم و العدل و الحرية في العالم، و لتكون الهيأة منبرا لكل الدول من أجل التعبير عن آراءها و قناة للحوار بين الأمم لطرد شبح الحروب ليعيش العالم في أمن و سلام.

في تلك الفترة كانت أغلب دول العالم الإسلامي ترن تحت الاحتلال الأجنبي، و استعملت موارد تلك الدول بما فيها الموارد البشرية لمحاربة دول المحور. الدول المنتصرة و حتى تضمن مصالحها ضمن الهيأة التي أشرفت على تأسيسها، ابتدعت فكرة "العضوية الدائمة" داخل مجلس الأمن و هي العضوية التي تعطيها حق نقض القرارت " الفيتو".

العالم الإسلامي وجد نفسه بعد حصول دوله على الاستقلال، أمام منتظم دولي مهيكل على مقاس الدول الكبرى. لقد تغيرت الظروف الدولية اليوم مما حدا بالدول المنهزمة في الحرب ألمانيا و اليابان بالحديث عن حقها في المطالبة بالغضوية الدائمة، نظرا لقوتها الاقتصادية و المالية والجيوسياسية.

في هذا الإطار، ألم يحن الوقت أن تتمتع بعض الدول الإسلامية مثل تركيا أو مصر، بالعضوية الدائمة بمجلس الأمن، أو أن تجد الهيأة الأممية صيغة لتمثيل هذا العالم الذي يضم ربع سكان العالم.

2ـ على المستوى الجيوسياسي: دعم وتشجيع الاتحادات الإقليمية والجهوية داخل العالم العربي و الإسلامي.

3ـ على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي: إيجاد حل عادل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني

4ـ على مستوى الحكومات: إنشاء هيآت حكومية مكلفة بموضوع حوار الحضارات

5 ـ على المستوى التشريعي: تجريم الإساءة إلى الأديان

بعد الأحداث التي شهدها العالم الإسلامي على إثر نشر الصور الكاريكاتورية المسيئة للرسول و ما تلى ذلك من تفاعلات، بات من الضروري توضيح الحد الفاصل بين حرية التعبير و الإساءة إلى الأديان.

لقد أصبح من الضروري مراقبة وملاحظة وتقييم موجات الأزمات الثقافية الإسلامية التي تندلع في الدول الإسلامية التي يصبح لها ردود فعل كبيرة في الغرب بل والتي يوظفها الغرب ضد الإسلام والمسلمين ويكون لها ردود فعل بالنسبة لمسلمي الغرب مثلاً: عقب أزمة سلمان رشدي الشهيرة والتي تلتها أزمة (تسليمة نسرين) و في لبنان (أنشودة مارسيل خليفة)، وفي الكويت (سجن د. البغدادي الأستاذ الجامعي بعد حملة عليه بسبب أحد مؤلفاته) وفي مصر (نشر كتاب وليمة أعشاب البحر).

لايمكن أن يستقيم أي حوار للحضارات في غياب أي"حماية قانونية" للمعتقدات. فإذا كانت حرية التعبير مضمونة فلا يجب استغلالها لخلق اضطرابات اجتماعية و خلق أزمات بين الشعوب و الحضارات.

الآليات التكميلية:

- إنشاء مركز أبحاث عربي إسلامي متخصص في مشروع حوار الحضارات،

- ضرورة الانتقال من مرحلة الاهتمام بالحديث عن "حوار الحضارات" إلى تصميم الحركة وتنفيذها للدخول في حوار جادٍ، وهذا يتطلب تحديد قائمة بأولويات موضوعات الحوار وقضاياه.

- الاهتمام بالتنسيق والتعاون بين الدول والمنظمات التي تدير مشروعات للحوار وتبادر على صعيده، خاصة بين منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، و الاتحاد الأوروبي بل وكذلك بين المنظمات المدنية التي تعمل في نفس المجال.

- تأسيس موقع على شبكة المعلومات يتضمن بنك معلومات (الكتب، المقالات، الوثائق، المؤتمرات).

- الاهتمام بدعم المراكز البحثية المعنية بالموضوع مباشرة أو التي تتطرق إليه من مشروعات، والتنسيق فيما بينها، على اعتبار أن هذه المراكز العلمية تمثل قاعدة لتوليد الأفكار ولتدريب الكوادر البحثية الشابة.

- إعداد أرشيف بكل ما نشر من كتابات عن "الحوار بين الحضارات"، يكون عونًا للباحثين في بحوثهم القادمة، والتحضير لنشره في موقع خاص على الشبكة العالمية،

- تخصيص جائزة سنوية لأفضل بحث يساهم على نحو متميز في إغناء جوانب من مسألة "الحوار بين الحضارات".

- ترجمة البحوث الجيدة المتصلة بحوار الحضارات إلى مختلف اللغات؛ حتى يتيسر للباحثين الاطلاع عليها.

إجراءات أخرى:

ـ تشجيع إقامة الاتحادات بين المراكز والجمعيات الإسلامية في دول أوربا، وتنسيق الاتصال بينها وبين الحكومات والأجهزة الرسمية وغير الرسمية الإسلامية التي يمكن أن تمدها بالدعم، إيجاد آليات لدعم أنشطة اتحادات الجاليات المسلمة ومساندة مطالبها الثقافية في مجتمعاتها الجديدة.

ـ الاهتمام بمظاهر التعصب وانتهاكات حقوق الإنسان لأفراد أو مجموعات من الجاليات المسلمة في الغرب وخاصة المتصلة بالحقوق الدينية والثقافية (مثلاً أزمة الحجاب في فرنسا منذ عدة أعوام. وغيرها مما يمكن رصده تراكميا.

 ملحقات

إن مفهوم صدام الحضارات الذي جاء به صامؤيل هانتنغتون مثل صدمة لدعاة محاكات الغرب ونقل منظومته القيمية إلى الشرق، لاسيما الشرق الأوسط لكن مرحلة ما بعد صراع الحضارات كانت مليئة بالأحداث والوقائع القائمة على تصادم حقيقي وحروب حقيقية أساسها المعتقد الديني، كان الإرهاب الدولي وليدها الشرعي والذي كان من إفرازات الصراع الإيديولوجي بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي عندما كانت أفغانستان تمثل رأس الحربة في الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وكانت الولايات المتحدة في حينها بارعة جدا في استغلال الورقة الدينية لتجنيد المتطرفين الأفغان (للجهاد) ضد الشيوعيين السوفيت.

وهكذا بدأ الإرهاب يولد على نار هادئة من موقد الصراع الديني الحضاري لينتقل بسرعة فائقة إلى البوسنة والشيشان والسعودية ثم إلى الولايات المتحدة نفسها التي أعلنت الحرب على الإرهاب الذي تعاظم شأنه بعد الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان والعراق   العراق الذي مثل الذروة في هذه العلاقة الهشة المبنية على الحقد والشعور بالاحتقار لدى الطرف الإسلامي إزاء الطرف الغربي الذي أخذت الجماعات التكفيرية تحاربه بأدواته التكنولوجية حيث أصبح الانترنت والحواسيب وأجهزة الاتصال المتطورة والنظم المصرفية الحديثة وسائل لا يستغني عنها الإرهابيون في أداء عملهم.

"عباس عبود سالم: قراءة في حوار الحضارات وجدلية العلاقة بين الشرق والغرب" يمثل "حوار الحضارات أو صراعها" مجالا أساسيا من مجالات دراسة العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ويرجع ذلك إلى بروز الأبعاد الثقافية الحضارية للعلاقات الدولية الراهنة على عدة مستويات: المفسر لهذه العلاقات والمحرك لها، قضايا العلاقات، أدوات العلاقات، أنماط التفاعلات وهكذا...، ويرجع ذلك بالطبع إلى العديد من الأسباب على رأسها انتهاء الصراع الأيديولوجي، وصعود دور الأديان، تهاوي الحدود بين الداخلي والخارجي على نحو أدى إلى درجة كبيرة من اجتياح الخارجي للداخلي من جراء الثورة في الاتصالات والمعلومات، وبعد أن تحققت الهيمنة الغربية السياسية والعسكرية ثم الاقتصادية، فلم يتبق إلا اكتمال الهيمنة على الصعيد الثقافي أيضًا.

ولذا فلا عجب أن يلحظ المراقب والباحث والأكاديمي، أن ساحة خطاب العولمة قد شهدت صعود الاهتمام بالحضارة والثقافة والدين بعد أن صعدت الاهتمامات وسادت في مراحل سابقة (الحرب الباردة والانفراج) بالعوامل الإستراتيجية العسكرية، ثم الاقتصادية السياسية على التوالي. كل هذا يعني أن التفاعلات لم تَعُد حول السياسة والاقتصاد فقط، ولكن الحضارة والدين في قلبها.

ولهذا يجب النظر إلى مغزى أطروحة هانتنجتون من حيث درجة ما تمثله من تغيير في منظور دراسة العلاقات الدولية، وانتقاله إلى مرحلة جديدة بعد مرحلة الواقعية التقليدية، ثم الهيكلية، على اعتبار أن منظور هانتنجتون منظور واقعي (الصراع)، ولكن من منطلقات مغايرة (الحضارات).

كما يجب النظر من ناحية أخرى إلى أطروحة هانتنجتون باعتبارها تجسيدا للعلاقة بين التطور في التنظير والرؤى وبين خدمة المصالح الإستراتيجية الكبرى. حيث إن طرح هانتنجتون لم يقدم طرحا نظريا جديدا مجردا، ولكنه تعبير عن آلية هجومية جديدة للحضارة الغربية وهي آلية ذات لباس ثقافي حضاري، وهذه الآلية ليست مستحدثة ولكن ذات جذور فكرية وسياسية سابقة، ولكن لم تكن بنفس درجة العمق والوضوح

وعلى الصعيد المقابل فإن المتحدثين عن "حوار الحضارات" يمثلون بدورهم منظورا مثاليا في مرحلة جديدة، بعد مرحلة المثالية التقليدية (الأمن الجماعي)، ثم المثالية الجديدة (الاعتماد المتبادل)، وهي مرحلة المجتمعية والعالمية والحوار. وهؤلاء بدورهم يمثلون استجابات ذات دوافع متنوعة ترتهن بموقفهم على سلم القوة الدولية.

بعبارة أخرى فإنني أنظر إلى صعود مفهوم حوار الحضارات أو صراعها من خلال تحديد وضعه في السياق العام للدراسات الدولية الغربية، ومن خلال توظيفه في الإستراتيجيات الكلية، أي باعتباره أداة من أدوات إدارة السياسات الدولية الراهنة سواء انطلاقا من الدائرة الغربية، أو استجابة من الدائرة العربية  ومن هنا خطورة نسبية في ظل خلل توازن القوى المادية.

* القيت في المؤتمر الدولي حول حوار الحضارات، المنعقد 8- 11- حزيران - 2006 بمدينة بلنسيا الاسبانية - المركز الثقافي الإسلامي ببلنسيا .

وكل ذلك بحسب رأي الدكتور رضى بخلدون مسؤول العلاقات الخارجية لحزب العدالة والتنميةـ المغرب نصاً ودون تعليق.

المصدر: www.pjd.ma