وسائل مكافحة الفقر الريفي في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا

 

غونيلا أولسن

 

على مدى 10 آلاف سنة على الأقل، جهد سكان إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا للتصدي لقضية معقدة تتمثل في كيفية استغلال الموارد الطبيعية بإنتاجية عالية وبطريقة تتسم بالمساواة والإحساس بالمسؤولية. وأدت الاختراقات الثورية التي حصلت على مر آلاف السنين لا إلى ظهور الزراعة كما نعرفها الآن فحسب، وإنما أيضاً إلى وضع اللبنات الأساسية للحضارة البشرية.

فقد تداخل تاريخ هذا الإقليم وغيره من الأقاليم مع وجود الفقر وانتشاره بين سكان الريف الذين يعملون في الزراعة وتربية الحيوانات. وحتى يومنا هذا، ما زال فقراء الريف يجاهدون لإطعام أسرهم وتعليم أولادهم وتوفير ما يحتاجون إليه. واستمر التحدي المتمثل في المزروعات الغذائية وكسب القوت من الأرض من دون الوقوع في قبضة الفقر، إلا أن نحو 70 في المئة من الفقراء في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا يعيشون في المناطق الريفية.

ويتمثل جزء كبير من هذه المشكلة في صعوبة وصول فقراء الريف الآمن إلى الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها سبل معيشتهم. وعندما يتسنى لهم الحصول الآمن على الموارد الطبيعية كالأراضي والمياه والموارد السمكية، فإنهم على الأرجح يديرونها بصورة مستدامة. أما عندما يكون حصولهم على الأراضي أو حقوق ملكيتها غير آمن أو غير معترف به، فهم لن يستثمروا على الأرجح في إدارة مستدامة للأراضي لأنهم غير متأكدين من استفادتهم منها، وينجم عن ذلك تدهور الأراضي وفقدان التربة، ما قد يهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي للمجتمعات الريفية.

ومهما فعلنا فلن نستطيع أن نؤكد على أهمية السياسات الداعمة الملائمة. ففي السودان، على سبيل المثال، أدى سَنّ التشريعات التي تميل إلى إعطاء دور أكبر للمنظمات المحلية في شمال كردفان وجنوبها في إدارة الموارد الطبيعية، إلى زيادة الإنتاجية ومنح فقراء الريف تمثيلاً أكبر ووصولاً أفضل إلى الأموال. كذلك ضمنت هذه التشريعات حصول النساء على صوت مسموع.

وللمساعدة في وضع السياسات الوطنية الخاصة بالفقر الريفي في الإقليم، قام «الصندوق الدولي للتنمية الزراعية» و «المعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية» بتنظيم منتدى سياساتي يستند إلى البحوث حول حسن إدارة الموارد الطبيعية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وسيعقد هذا المنتدى الذي تستضيفه مكتبة الإسكندرية في 3 و4 تموز (يوليو) المقبل. وسيجمع نحو 90 من الخبراء والجهات المانحة وواضعي السياسات الوطنية وممثلي هيئات المجتمع المدني.

وسيدرس المنتدى نتائج مشروع البحوث المشتركة الخاص بتمكين فقراء الريف في ظل بيئات سياساتية متقلبة في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وهو المشروع الذي أجراه المعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية وموله الصندوق. وتشكل ثلاث دراسات أجريت في المغرب والسودان وتونس الجزء الأهم من هذا البحث. وقد تحرت كل دراسة حالة السياسات الملائمة للمساعدة على خلق مؤسسات محلية تدعم فقراء الريف وتزودهم بالمرونة للتأقلم مع البيئات الاقتصادية والسياساتية المتقلبة والناشئة.

وشددت الدراسات على الابتعاد عن المركزية وتحسين إدارة الموارد الطبيعية. فالمؤسسات المحلية في حاجة للتوسع وللإمكانات والتعزيز لجهة قدراتها على اتخاذ القرارات الصحيحة في ما يتعلق بالاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، والحكومات الوطنية بحاجة لنقل مسؤوليات إدارة الموارد الطبيعية الى المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني. ولا بد من جعل عملية إدارة الموارد الطبيعية بأسرها أكثر شفافية، كما لا بد من مساءلة المؤسسات الحكومية بصورة أكبر عن سياساتها وإجراءاتها.

وتعتبر مسألة حسن إدارة الموارد الطبيعية في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا مسألة صعبة في شكل خاص، إذ يعاني الإقليم من الإدارة غير المستدامة للموارد الطبيعية ومن التوزيع غير العادل للأراضي، ومن حيازات الأراضي غير الآمنة. كذلك فهو يعاني من نقص المنظمات القاعدية وهيئات المجتمع المدني، وانعدام المساواة بين الجنسين، وتعرض فقراء الريف لمخاطر الجفاف والتصحر. وبالفعل قامت الأمم المتحدة بتخصيص تمويل إضافي للمساعدة على التصدي لمشكلة زحف الصحراء، واعتبرت عام 2006 عاماً دولياً للصحراء والتصحر لاستقطاب الدعم للتصدي لهذه المشكلة.

في هذا الإقليم، تتصف المؤسسات غير الرسمية ومجموعات المواطنين بمحدوديتها كماً ونوعاً. ومعظمها بدأ بالظهور للتو. كذلك لم تؤدِ الجهود التي ترعاها الحكومات لخلق هذه المؤسسات أو تعزيزها إلى النتائج المرجوة. والحالة في بعض مناطق هذا الإقليم أن المنظمات المحلية لا تتمتع بالاعتراف الكافي بها من قبل الدولة كما أنها تواجه معوقات سياسية وقانونية جدية، ومن هنا لا بد من إيجاد الأطر القانونية والنظم المناسبة لها.

وتعد النساء في هذا الإقليم ضعيفات ومحرومات على وجه الخصوص، سواء لجهة حقوق ملكية الموارد الطبيعية أو الوصول إليها. ويعود ذلك جزئياً لممارسات الإرث والتقاليد والإجراءات المتخذة لإضفاء الطابع الرسمي على حقوق الأراضي. كذلك فالنساء إما محبطات أو ممنوعات من المشاركة في عمليات اتخاذ القرار، على رغم مساهمتهن الحاسمة في الأمن الغذائي الخاص بأسرهن ومجتمعاتهن المحلية.

ويركز الصندوق في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا على المجموعات التي يمكنها المساعدة في إدارة الموارد الطبيعية مثل رابطات مستخدمي المياه وتعاونيات الرعاة ومجموعات الصيادين. وتعتبر المساهمة الكاملة للمزارعين والمربين والصيادين في برامج التنمية والصون أمراً حاسماً في استئصال الفقر الريفي.

ومع المساهمة الأكبر تأتي المسؤولية الأعظم عن التنفيذ والنتائج. فنقل المسؤوليات من الدولة إلى المؤسسات المعنية لا يعني تهديداً للدولة، وإنما يجب النظر إليه كشراكة متطورة تخدم غرضاً مشتركاً وهو استئصال الفقر الريفي.

مديرة شعبة السياسات في «الصندوق الدولي للتنمية الزراعية».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-29-6-2006