علم التفاوض والمحاورة في الاجتماع والسياسة

 

علم التفاوض والمحاورة  يتعلق بقضايا كثيرة جوهرية ومهمة لأي مجتمع لينمو بشكل أفضل وتنتعش حضارته ، وهو يرجع بطريقة أو بأخرى للغة ، فالشعوب – من وجهة نظري كمدوّن ولست باحث اجتماعي – عندما تتخلى عن لغتها ولا تهتم بتقويتها  فإنه قد تخسر كثيرا عند القيام بأي عمليات تفاوض ، عملية التفاوض ليست مجرد كلام وإنما هي مرتبطة بالثقافة واللغة والمعتقدات والدين ومن هذا كله علينا توظيف محاورها لتنسجم مع الطرف الآخر في أجواء ينجم عنها محاورة إيجابية وعملية مفاوضات ناجحة .

بالمفاوضات يمكننا عمل أرضيات مشتركة بين مختلف أجناس الأرض على اختلاف الثقافات والديانات والمعتقدات ويتم تفعيل علم المفاوضات في نطاقات معينة بشكل كبير مثل النطاق السياسي والدبلوماسي والإداري وقد نراه في الشعوب المتحضرة من خلال الأسرة وعلى المستوى -وبين- الأفراد بعضهم البعض إن كانوا أفرادا لديهم القدر الكافي من الثقافة .

هناك ما يعرف في التفاوض بمباراة يعبر عنها بـ ( إكسب إكسب ) وفيها ندخل للعملية التفاوضية بعد أن نتعرف على اهتمامات الطرف الآخر لنأخذها بعين الاعتبار لنصل بعد ذلك لغاية يرضاها الطرفان ويريدها الجميع، وهناك مباراة تفاوضية تنهج مسار قد نعبر عنه بقولنا ( المباراة الصفرية ) التي فيها قرر المفاوض أن كل المكاسب له والخسائر للطرف الآخر ، وهذا الفكر لا يؤدي إلى حلول إنسانية وإنما يجر على الطرفان استخدامات غير شرعية لتنفيذ رغباتهم .

ودعونا ان نقول ان السبب وراء ظهور ما يسمى بالدبلوماسية السياسية هو نجاح هدف التفاوض في الوصول لحلول ترضي الطرفين وعلى المدى البعيد أحيانا ، فباستخدام طريقة التفاوض الإيجابية ( المكسب المكسب ) يمكننا أن نصل إلى نتيجة مرضية للجميع ولكن لتنفيذ هذا الفكر وهذه الثقافة في التفاوض علينا دراسة العملية التفاوضية وإرجاع نجاحها إلى التحلي بثقافات حوارية معينة ، منها ثقافة الحوار اللغوية والنفسية والاجتماعية والدبلوماسية والعرقية ، بمعنى انه عند توافر محاور أو مفاوض على دراية جيدة بالطرف الآخر من حيث كل الجوانب التي أسلفنا ذكرها فنحن بهذا نتجنب صدام حاد قد يحدث .

ومن جهة أخرى يعزى حدوث تصادمات شديدة بين المتحاورين تتحول أحيانا للفكر التحاوري ( المكسب كله لي والخسارة كلها لك ) إلى غياب مهارات الحوار وعملية التواصل بين الطرفين .

وهناك أسس عامة علينا فهمها جيدا لنستطيع بعدها استخدام ثقافة التفاوض بشكل إيجابي فعّال ، نلخصها فيما يلي :

1- التركيز على حل المشكلات ، بمعنى الالتزام بالمشكلة وليس بالشخص المتفاوض معه .

2- تنمية حاسة الاستماع الجيد للآخريين وهذا يعني أن لا نتسرع في الحكم أثناء الاستماع الأوّلي للطرف الآخر بل علينا الاستماع والسؤال عن التوضيح قبل إصدار الأحكام .

3- هناك ملامح عامة للحوارات منها على سبيل الذكر لا الحصر الحجج والبراهين  و الصمت في الحوار و الوقت و الاسترسال بغير توضيح في أمور يتوجب توضيحها (أمور معقدة)  والغموض في أمور تحتاج إلى توضيح وإسهاب ، هذه الملامح وغيرها علينا فهمها واستغلالها بشكل إيجابي وفعّال ليخدم التفاوض ، وعلينا أن نعي جوانب الصواب فيها عند الخوض فيها .

4- تجنب عدم الاعتراف بالخطأ إن وقعنا فيه .

5- تجنب التقوقع والخوف من المواجهة .

6- انتهاج مبدأ تحقيق الممكن تحقيقه ، وليس البحث عن تحقيق كل شيء بأي طريقة .

7- تجنب التفكير الأحادي .

8- تحديد نقاط التفاوض وهذا ما يجعل هناك أرضية مشتركة بين المتحاورين .

9- تحديد أولويات التفاوض .

10- القيام بعملية تقييم مستمرة للأوضاع للتعرف على المستجدات أولا بأول .

11- تجنب سوء الظن بالآخريين ، فهذا يؤدي إلى تصنيف متعسف وتفكير تآمري .

12- التعرف على أهداف وطرق الاسئلة للإستفادة منها وفي دورها لإنجاح عملية التفاوض .

13- اسلوب الحوار وطريقتك مثل حركة اليد والصوت مرتفع أو منخفض والوجه قد يؤثر كل هذا أكثر مما يؤثر الكلام .

14- عدم طرح معلومات أكثر مما نحتاج إليه والالتزام بما نعد به وهذا يعني ان يكون لكلامنا قوته أو يرى انه يمكن تنفيذه .

15- توثيق مراحل التفاوض .

بقي أخيرا ان نقدم كل هذا الكلام او هذا الملخص لدراسة كبيرة حول علم التفاوض أو هذا الإلقاء للضوء على علم التفاوض للعالم العربي بمختلف طوائفه وأقطاره لنصحح له رؤياه ونقتل أساليب الحوار الصفرية المنتشرة بين أفراده ، لأن بالطرق المتخلفة في الحوار والتفاوض عادة ما تهزم الحضارات وتضمحل ، تطور ثقافة التفاوض وتعلمنا إياها سينعكس هذا على تطور حضارتنا وبلادنا وسينشأ عن ذلك نجاح أكبر ووصول لثقافات أخرى قد لا تزال تجلهنا .