الدبلوماسية الثقافية ودورها في تعزيز قرار السياسة الخارجية

 

محمد فاضل نعمة

 

تعامل النشاط الدبلوماسي عبر تاريخه الموازي لواقع تطور العلاقات الدولية بوصفه الأداة التنفيذية للسياسة الخارجية للدولة مع ثلاثة أبعاد رئيسة أولها البعد السياسي ويتناول كل ما يتعلق بإدامة ونمو الكيان السياسي للدولة في إطار علاقات الصراع والتعاون بين أطراف المجتمع الدولي ، والبعد الثاني تمثل في الجانب الاقتصادي عندما تطورت علاقات الأمم فيما بينها لتصبح الاعتمادية المتبادلة لتلبية الاحتياجات المعاشية شكلا من أشكال النظام الدولي ، وثالث هذه الأبعاد هو الجانب الثقافي الذي عبر عن إحساس الشعوب والنخب الحاكمة بان ثقافتها ومبتكراتها هي من المنجزات الإنسانية الحضارية وجزء من عوامل قوة الدولة المضافة التي تساهم في تعزيز سياستها الخارجية التي تسعى من خلالها لتحقيق المكانة والمنزلة الدولية،وهو بهذا الوصف يختلف عن مفهوم العلاقات الثقافية التي سبقت الدبلوماسية الثقافية من حيث التطبيق بوصفها عملية تبادل ثقافي تمتاز حركتها بالميكانيكية والتجزئة ومرتبطة بقطاعات معينة دون سواها ، في حين ارتبطت الأخيرة بتخطيط شامل ومبرمج من قبل صناع السياسة الخارجية للدولة.

لقد ظهرت أولى مؤسسات الدبلوماسية الثقافية ضمن الهيكلية الحكومية في فرنسا منتصف القرن التاسع عشر وتبعتها في هذا التقليد ألمانيا، ثم بريطانيا التي أسست المجلس الثقافي البريطاني عام 1934، وبعدها الولايات المتحدة الأمريكية التي أسست برنامجها الثقافي الرسمي عام 1938 ،ثم تبعهم العديد من دول العالم ،ليصبح بعد ذلك اختيار أعلام الفكر والفن كسفراء لبلدانهم أمرا تقليديا واستحداث دوائر للعلاقات الثقافية في إطار هيكلية وزارات الخارجية أمرا شائعا، في حين ظهر مفهوم الدبلوماسية الثقافية الجماعية أو الدولية منذ مطلع العقد الثالث من القرن الماضي عندما انشات عصبة الأمم مركز التعاون الفكري في باريس ، وفي العام 1945 انشات الأمم المتحدة منظمة اليونسكو التي مازالت تنسق النشاط الثقافي الدولي إلى حد الآن.

لقد شكلت الثقافة عنصر هام من عناصر السياسة الخارجية للدول باعتبارها كيانات تعبر عن شخصية المجتمع ووجوده تتحدد بالعناصر الموضوعية المشتركة مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والتي قد تاخذ شكل التعبير الايديولوجي في بعض اوجهها ،وما تتركه هذه العناصر من اثر واضح على السلوك العام للدولة في صياغة قراراتها المنظمة لعلاقاتها مع الدول الاخرى التي أخذت تتفاعل فيما بينها في إطار علاقات التعاون والصراع نتيجة لازدياد وتيرة المصالح المتداخلة فيما بينها بعد الثورة التكنولوجية الثلاثية الأبعاد(المعلومات والإعلام والاتصال)التي غيرت المفاهيم المكانية والزمانية ليصبح العالم قرية صغيرة شبه مفتوحة متجاوزة على البعد الجغرافي ومفاهيم السيادة التقليدية مما جعل الدولة اقل قدرة على التحكم بتدفق الأفكار والأموال منها واليها.

لم تستغل الثورة المعلوماتية العالمية من قبل اطراف المجتمع الدولي لغرض ترسيخ القيم الثقافية الوطنية وتفعيلها في اطار السياسة الدولية المعاصرة كأداة لإحداث تجانس المجتمعات من خلال انسياب المعارف وتماثل المؤسسات حسب بل استخدمت كنظام جديد للهيمنة يحفظ التباين الامبريالي القديم للدول في إطار جديد ..وخير مثال على ذلك الاهتمام الحكومي لدول الشمال عموما في تطوير برامج ثقافية على مستوى عالي من التقنية والامكانات المادية والبشرية تخدم بشكل مباشر اهداف التعبير عن سياستها الخارجية والتي أصبحت في عهدة الإمبراطوريات السمعية والبصرية المؤثرة عالميا والمملوكة لهذه الدول لتقديم خطابها الأيديولوجي في إطار مشوق قابل لتمرير جميع القيم والمواقف السلوكية، بشكل يؤثر على قدرة الممانعة العقلية والنفسية للمتلقي وهذا ما تؤكده الإحصائيات التي تشير إلى امتلاك الدول الصناعية المتقدمة حوالي 97% من قيمة المنتجات الخاضعة لاتفاقية الحماية الفكرية، وهي إحدى البروتوكولات الملحقة بمنظمة التجارة العالمية، وذلك يبرز بوضوح الفجوة الكبيرة في القدرة والقوة بين الدول التي جعلت من البعض متحكم بالافكار والآخر متلقي أو محكوم .. وهذا ما ساعد على استخدام العنصر الثقافي في السياسة الدولية كمادة للصراع في إطار مفاهيم صدام الحضارات والعولمة وفق المنظور الغربي ،التي يروج لها العديد من المفكرين والإستراتيجيين العالميين وتبنتها العديد من الدول في سياستها الخارجية لتحل محل الصراع الأيدلوجي الذي كان يحكم السياسة الدولية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي.

وفي هذا الإطار أصبح الاختراق الثقافي المبرمج جزء من أهداف السياسة الخارجية للدول التي تتبناه ، لدعم أهدافها السياسية والاقتصادية ، ويقع على عاتق مؤسسات الدبلوماسية الثقافية مسؤولية تنفيذه وتنسيقه على ارض الواقع .. وفي المقابل لم يعد امام الدول الأقل قدرة وقوة الاعتماد على القوى الطبيعية الكامنة في داخلها والمراهنة على قوة وحصانة قيمها الثقافية لخلق المقاومة الذاتية دون التحرك المدروس لخلق مضاداتها الحيوية وفقا لطبيعة وحجم التهديد ، وبخلافه سوف تعاني هذه الدول حتما من اعراض احد المتناقضين السلبيين في بنائها الاجتماعي وهما الارتداد نحو الماضي ( السلفية) أو التقليد الأعمى ( الاغتراب)، لذا فإنها لابد أن تسعى للنهوض بمشروعها الثقافي الوطني وتفعيل مفهوم أمنها الثقافي وتعزيز آليات عمل دبلوماسيتها الثقافية التي تتعدى مجرد كونها هدفا ثقافيا- فكريا وإنما هدفا حضاريا شاملا ينطوي على جوانب سياسية ووطنية.

إن التمايز الثقافي لا يؤدي بالضرورة إلى الصراع والصدام بين المجتمعات عموما وإنما المصالح السياسية والاقتصادية والإستراتيجية العليا للدول هي التي تقوم باستخدام الثقافات كأداة مواجهة لتبرير الصراع وتغطية الأطماع التوسعية والاستعمارية، وان منهج التعايش السلمي لا يعني إلغاء مبدأ التدافع والصراع في الحركة الاجتماعية وإنما يعني استبدال تقنيات التدافع وأساليب الصراع من التقنيات العنيفة إلى أساليب سلمية تحترم الحوار والرأي العام وذلك بطبيعة الحال لن يتم إلا من خلال بناء ستراتيجية ومنهجية عمل مؤسسات الدبلوماسية الثقافية باعتبارها ضرورة حتمية لاستيعاب قرارات السياسة الخارجية للدولة وتطبيقها بشكل فاعل ومؤثر مع الادرك الواعي إن الانغلاق وتكثير الممنوعات لحماية المجتمع ليس علاجا، بل بناء قوة الوجود الثقافي الذاتي التي لا تعتمد على المقاومة حسب بل الاندفاع والفعل المؤثر من خلال الاعتزاز بالذات الوطنية الثقافية والانفتاح على الثقافات الأخرى هي العلاج الأجدى.

ومن خلال تحليل انماط الدبلوماسية الثقافية من حيث الاهداف وفقا للرؤية التي طرحناها تنقسم الدول إلى نوعين الأولى دول تحاول حماية تراثها الثقافي والمحافظة عليه من الاندثار أو الاختراق المفضي إلى التغيير السلبي والثانية دول تحاول تصدير ثقافتها وقيمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد يجتمع الهدفين في سياسة واحدة وذلك بطبيعة الحال مرتبط بأهداف السياسة الخارجية التي تسعى الدولة لتحقيقها ومدى عوامل القوة التي في متناولها لإخراج تلك الأهداف من الحيز النظري إلى الواقع المادي ... حيث إن قرارات السياسة الخارجية للدول مرتبطة بجملة محددات ترسم صورتها النهائية أولها البيئة الخارجية بكل أبعادها وحقائقها وضغوطاتها ومؤثراتها وثانيها البيئة الداخلية التي تتبلور من خلالها الأوضاع الاجتماعية السائدة والنظام السياسي والاقتصادي وجماعات الضغط وثالثها واضعوا القرارات الخارجية ومعتقداتهم وقيمهم السلوكية ورابعها الضغط الناتج عن الحاجة لاتخاذ قرار خارجي معين وأخيرا والاهم الهيكل التنظيمي الرسمي الذي تم في إطاره اتخاذ القرارات الخارجية او المؤسسات المعنية بتنفيذها.

لذا فإن تطوير مؤسسات الدبلوماسية الثقافية بأنماطها وأشكالها المختلفة للتعبير عن سياسة الدولة الخارجية، من خلال وزارة الخارجية أو عبر مجلس وطني للثقافة يضم كل المؤسسات الثقافية في البلد ، أصبح ضرورة لاغنى عنها وعامل من عوامل قوة الدولة الكامنة التي لابد الاستفادة منها ، وخصوصا مع غياب أو ضعف عوامل قوة الدولة الأخرى العسكرية والاقتصادية التي كانت تشغل الحيز الأكبر من واقع السياسة الخارجية كما هو الحال في العراق ، والاستفادة من الدعم الذي يقدمه المجتمع الدولي لتفعيل هذا الجانب وتطويره وفق منهجية علمية تراعي اختيار الأساليب والكوادر المناسبة والتي تعكس المكانة المرموقة التي تحتلها الثقافة الوطنية بين الثقافات العالمية.

وکل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alhewar-24-1-2010