تأملات أميركية في أسباب نقل روس من الخارجية إلى البيت الأبيض

تحسين الحلبي

 

 

يقول المنسق الأميركي للعملية السلمية في عهد كلينتون والمستشار في وزارة الخارجية الأميركية في عهد أوباما لشؤون إيران والعراق دينيس روس في مقابلة مع مجلة «تايم» الأميركية في الأسبوع الماضي: إن إدارة أوباما أعدت إستراتيجية احتواء هدفها:

- ضمان عدم انتشار الفوضى في العراق إلى جميع الأراضي العراقية.

- منع المتشددين الإسلاميين من الدخول إلى العراق والخروج منه. وهذه الإستراتيجية تستلزم بنظر روس مشاركة جميع جوار العراق في تحقيق هذا الاحتواء. ويكشف روس في مقابلته أن إيران لا ترغب في رؤية العراق منهاراً وهذا ما لا ترغب فيه السعودية أيضاً، لكن إيران والسعودية لا يمكن أن تتفقا على ما يرغب كل منهما من العراق بل يمكن أن يتفقا على مخاوف كل منهما تجاه العراق وفي النهاية قال روس: إنه لا يفضل الانسحاب من العراق بل إعادة توزيع وتنظيم قوات الاحتلال الأميركية في العراق وشن عمليات عسكرية مكثفة على المتشددين المسلحين في العراق أما حول دعوة رئيسه الأميركي للحوار والتفاوض مع طهران فيرى روس وهو المسؤول عن ملف إيران أمام وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حتى لحظة تعيينه مستشاراً لدى البيت الأبيض منذ أيام قليلة وإبعاده عن العمل تحت إمرة وزارة الخارجية الأميركية أن التفاوض ينبغي أن يجري مع طهران حين تشعر هي أنها أكثر حاجة إليه من حاجتنا إليه وحدد أن إحدى أهم نقاط الضعف في إيران هي الاقتصاد ولذلك دعا إلى ضرورة متابعة العقوبات عليها عبر الأمم المتحدة لكي تزداد حاجتها للتفاوض مع واشنطن ودعا روس في المقابلة نفسها إلى عدم إجراء حوار أميركي مع حركة حماس في هذا الوقت بالذات ما لم تلتزم حماس بقواعد اللعبة التي حددتها واشنطن بالاتفاق مع إسرائيل على المسار الفلسطيني ومع ذلك أثار نبأ تعيين روس اليهودي الأميركي في منصب مستشار للبيت الأبيض لشؤون إيران والعراق والشرق الأوسط ردود فعل كثيرة أشار بعضها إلى عدم تناسب عمله مع وزارة الخارجية وخصوصاً بسبب وجود أربعة محاور قوة أو مراكز تأثير في الصف الأول السياسي لرجال إدارة أوباما لا يستطيع روس التغلب عليها أو التعاون معها.. ويقول المحلل السياسي الأميركي بن سميث في صحيفة «ذي ريبابليكان»: إن هذه القوى هي محور هيلاري كلينتون ومحور وزير الدفاع روبرت غيتس ومحور المبعوث الأميركي للعملية السلمية في المنطقة جورج ميتشيل ومحور هولبروك، ولم يستطع دينيس روس التفاهم مع عقلية كل محور من هذه المحاور وآرائها تجاه إيران وإسرائيل فجيمس جونز يعتبر ما حدده روس بالمنطقة المركزية منطقة تعود إلى صلاحياته كرئيس لمجلس الأمن القومي والمستشار الأول للرئيس أوباما في الأمن القومي، وهذه المنطقة ممتدة من الشرق الأوسط حتى دول آسيا الوسطى.. ويرى سميث أن أحد الأسباب الرئيسة لانتقال مهمة روس من وزارة الخارجية إلى طاقم مستشاري الأمن القومي هو مطالبة نائب جونز، توم دونيلون بإيجاد من يساعده في ملفات كثيرة أصبحت من صلاحيته، وهذا ما سوف يجعله مهماً في آرائه ومواقفه داخل مجلس الأمن القومي وخصوصاً أنه يملك خبرة سابقة في هذه المنطقة منذ عقدين تقريباً ويعزو مسؤولون في داخل البيت الأبيض هذه التنقلات إلى عدم انتهاء أوباما من اختيار كل مساعديه ومستشاريه ومبعوثيه حتى الآن بالشكل النهائي لكنهم متأكدون من أن ميتشيل سيظل صاحب المسؤولية الأولى عن ملف العملية السلمية في الشرق الأوسط، وأمام إسرائيل بشكل خاص. والمعروف أن الكثيرين رجحوا منذ بداية الإعلان عن فوز أوباما بالرئاسة الأميركية أن روس سيفوز بدور كبير في متابعة العملية السلمية في الشرق الأوسط لأساب كثيرة منها أنه هو الذي تابعها مع نتنياهو حين كان رئيساً للحكومة عام 1998-1999 في عهد كلينتون. لكن أوباما أدرك على ما يبدو أن روس لم يكن نزيهاً أو مرغوباً فيه في المسار السوري منذ الشكوك التي طرحها ضده الرئيس الراحل حافظ الأسد في آخر لقاء مع الرئيس الأميركي كلينتون في جنيف. وبالمقابل كان اختيار أوباما لميتشيل حتى الآن موفقاً من النواحي التي تخدم المصالح الأميركية وعملية تحقيقها عن طريق استعادة جزء من الثقة التي افتقدت في عهد الرئيس بوش في العقد الماضي.

فميتشيل ما زال يشكل هاجساً لإسرائيل منذ عام 2002 حين ساهم في صياغة خريطة الطريق وتشدد في مسألة تجميد الاستيطان في عهد شارون في ذلك الوقت ثم لم يبق في هذه المهمة بعد أن تمكن اللوبي الصهيوني المتنفذ جداً داخل إدارة بوش من تحييده عن طريق شارون. وإذا كان روس سوف يصبح في مستوى أعلى في مهمته الجديدة كمستشار لشؤون إيران والعراق في البيت الأبيض وداخل أروقة مجلس الأمن القومي فإن عدداً من المسؤولين هناك لا بد أن يناقشوا آراءه وتصوراته عن الحلول أو السيناريوهات التي قد يضعها للملف الإيراني وخصوصاً بعد أن تبين أن أصحاب القرار في هذا الملف يزيد عددهم على أربعة هم جونز، وغيتس، وكلينتون وهالبروك والرئيس أوباما. وبين هؤلاء المسؤولين من مستوى أعلى من روس ستظل أفكار روس بحاجة إلى إعادة النظر والمراجعة بشكل خاص من نائب جونز مستشار الأمن القومي الأميركي توم دونيلون. ومع ذلك لا يمكن الاعتقاد بأن ما تعرض له روس في هذه الأشهر القليلة التي عمل فيها مع هيلاري كلينتون مجرد تحييد عن الملف الإيراني بل تحييد عن صياغة موقف لهيلاري قد يجنبها مناقشته مع المحاور الثلاثة داخل مراكز القوى في إدارة أوباما بموجب ما يراه بن سميث في صحيفة «ريبابليكان» الأميركية لكن الأشهر والأسابيع المقبلة هي التي ستكشف عن نتائج هذا الانتقال الذي تعرض له روس وعن ظروفه وسواء كان الهدف منه تهميش دور روس أم احتواءه داخل أروقة مجلس الأمن القومي وبين أصحاب قرار أكثر مسؤولية منه رغم أنه يحمل صفة مستشار في البيت الأبيض لأخطر ملف تواجهه إدارة أوباما وتسعى إلى تجاوز أفكاره ويذكر أن روس كان قد وضع كتاباً حدد فيه 12 قاعدة حول كيفية إجراء التفاوض الأميركي مع الخصوم والأعداء في المنطقة وكان من بينها عدم التفاوض مع الخصم إلا حين يصبح في أمس الحاجة للتفاوض لكي يسهل تحقيق الشروط الأميركية من التفاوض معه وهذا ما كان قد طبقه على الرئيس الراحل عرفات لمصلحة إسرائيل.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: الوطن السورية - 29-6-2009