لماذا تتراجع القدرات الديبلوماسية العربية؟

 

مصطفى الفقي

 

 

يتساءل الكثيرون من خبراء العلاقات الدولية وكبار الديبلوماسيين وأصحاب الرأي حول السلوك العربي الرسمي في العلاقات مع القوى الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، كما يتساءلون عن القدرات العربية التفاوضية في المحافل الدولية والمنظمات المتخصصة، ويسود بين الجميع شعورٌ عام بأن القدرات العربية متراجعة، وغير قادرة أحياناً على الوقوف بجدية أمام القوى الأخرى في عالم اليوم، ولا بد أن شيئاً ما طرأ على القرار العربي وجعله غير قادرٍ على مواجهة التطورات المتسارعة في عالم اليوم، كما أن الهيمنة الأميركية في جانب والإرهاب الإسرائيلي في جانب آخر، يشكلان معاً قيداً واضحاً على طبيعة القرار السياسي العربي القطري، بل العمل العربي المشترك أيضاً، وهنا لا بد أن نسوق الملاحظات الآتية:

1- إن العرب يتصورون وهماً أن الفارق بين القبول والرفض، بين «نعم» و «لا» في مواجهة الأفكار الغربية والمبادرات الخارجية هو الفارق بين السلام والحرب، وهم بذلك يعدمون وجود درجات الظلال المختلفة في المساحة الرمادية بين الأبيض والأسود، فإذا تحدث مسؤول عربي معترضاً على موقف غربي معين أو مختلفاً مع وجهة نظر أميركية فإنها تبدو للبعض كما لو كانت كارثة العالم ونهاية التاريخ، وقد تصورنا أيضاً أن «نعم» الدائمة تؤدي إلى الرضا السامي وتمنح الأمان الدائم وهذه أيضاً مغالطة كبرى لأن الأنظمة سهلة القياد والدول المطيعة - بحق وبغير حق - تدفع في النهاية فاتورة فادحة وتشعر أن ما قامت به هو نوع من إعدام الدور والانصياع التلقائي أمام الأقوى، ولقد استسلمنا نحن العرب في العقود الأخيرة لشيء من ذلك.

2- لو أخذنا الديبلوماسية الإيرانية كمثال، يتعين علينا أن نشيد ببراعة ديبلوماسية تلك الدولة الجارة. نعم إننا نعترف بأن الولايات المتحدة الأميركية قدمت لإيران على طبق من فضة خدمتين جليلتين أولاهما: إخراج العراق من ميزان القوى في منطقة الخليج العربي. والثانية: هي الإطاحة بنظام «طالبان» الذي لم تكن طهران مرتاحة لوجوده في يوم من الأيام, ولكن ينبغي أيضاً أن نعترف بأن الدولة الإيرانية مارست قدراً كبيراً من المراوغة السياسية والبراعة الديبلوماسية وتميزت بشكل ملحوظ عن بعض دول المنطقة وتمتعت بهامش واسع من المناورة وتمكنت من التصعيد الإعلامي في مراحل متعددة واستطاعت أن تتجه في مواجهتها مع الغرب إلى ما يمكن تسميته بخط الدفاع الأول أمام الخيارات التي كانت مطروحة في ذلك الوقت.

3- إن آثار الحروب العربية الإسرائيلية خلّفت وراءها قدراً كبيراً من أزمة الثقة المفقودة بين العرب والعالم وسمحت للتفسير التآمري للتاريخ أن يمارس دوره في إرجاع كل إخفاقاتنا إلى ما نسميه المؤامرة في محاولة غامضة لتخويف قطاعات كبيرة من الأجيال الصاعدة وامتصاص طاقتها وخلق رأي عام مرتعش دائماً متصارع أحياناً.

4- إن غرام الأنظمة العربية بالتعامل الثنائي المباشر مع الغرب ومحاولات إرضائه بشكل منفرد قد حرمت الديبلوماسية العربية بالفعل من القدرة على صوغ مواقف دقيقة أو المضي في ممارسة حق الاختلاف الذي يسمح لها بهامش من الحركة تحتاجه الدولة المستقلة لإبراز شخصيتها وتأكيد هويتها.

5- برزت فوق السطح ظاهرة تثير الدهشة وتستدعي الأسف وأعني بها ذلك التباري بين الدول العربية في «الهرولة» نحو واشنطن والعواصم الغربية الأخرى مع تجاهل القوى الكبرى للمصالح الحقيقية لتلك الدول الساعية إليها، بل شاهدنا في السنوات الأخيرة أن المباراة بين الدول العربية من أجل إرضاء الآخر بدأت تتزايد بشكل ملحوظ بل اتجهت إلى نوع من التسابق لإثبات الولاء والإشادة بالصداقة وذلك كله بمناسبة وبغير مناسبة.

6- إن محاولة الحصول على ميزات تستأثر بها بعض الدول على حساب جيرانها تدفعها إلى الاستقواء بالأجنبي ومحاولة إقحامه في الشأن القومي مع الاستجابة الوديعة له لأن البعض يتحدث أحياناً كما لو كان أمامه أبد الدهر، وهذه في رأيي أنانية مفرطة لأن التنسيق القومي يجب أن يسبق كل شيء حتى تكون الكلمة واحدة والفكرة مقبولة. والملاحظ في مثل هذه الحالات هو إطلاق بعض الشائعات من دون موضوعية أو صدقية أو شفافية.

7- إن سياسة «حافة الهاوية» التي برع فيها الديبلوماسي الأميركي العتيق جون فوستر دالاس أصبحت هي الآن النموذج القائم الذي تتبناه بعض الدول لجر العلاقات نحو طريق المساومة وفتح الباب للتفاوض وتقديم التنازلات المتبادلة وإذا نظرنا إلى الدول العربية فسوف نجد أن مثل هذا النوع من التفكير غير المطروق هو الذي يؤدي إلى تخويف الآخر.

8- إن هناك نظريتين في هذا الشأن ترى الأولى أن العلاقات الناعمة والدول السهلة تجعلها موضع حب من الأقوياء وضماناً متواصلاً لبقاء النظام في حالة استرخاء، بينما الأصل في العلاقات الدولية أنها قائمة على الهيبة والاحترام. فالدول الطيعة تكون أحياناً سهلة الاحتواء قابلة للهضم بينما ترى النظرية الثانية أن الدول التي تعرف متى وكيف تقول «لا» تكون قادرة على أن تكون دولاً مركزية محورية في أقاليمها الجغرافية، وليس النموذج الإيراني هو الوحيد الذي نقيس عليه ونستلهم منه. فالهند مثلاً تتمتع بجهاز ديبلوماسي رصين مع سياسة خارجية واعية تمكنت بها دائماً من إحراز النصر السياسي وفرض السيطرة وسط الأنواء والأعاصير في منطقة جنوب آسيا بل أصبحت دولة نووية تحوز صواريخ الفضاء وتملك الاكتفاء في الغذاء وتتقدم بخطوات واثقة في برنامجها الصناعي الثقيل.

9- لا يخالجني أدنى شك في أن غياب الديموقراطية ونقص المشاركة السياسية وضعف التمثيل النيابي تؤدي في مجملها إلى تراجع الدور وضعف القدرة على ترجمة مشاعر الشارع إلى سياسات واضحة وقرارات ملزمة ومواقف مؤثرة، وقد يقول البعض إن الأنظمة المستبدة عبر التاريخ تمكنت أيضاً من توظيف وضعها في خدمة سياستها الخارجية بينما عجزت بعض الدول الديموقراطية عن توظيف تلك الديموقراطية لخدمة السياسة الخارجية. وربما كان افتقاد الديموقراطية في عالمنا العربي والرغبة أحياناً في تنفيذ سياسات متعجلة للاستهلاك المحلي قد أديا في النهاية إلى عجز بعض الدول عن ممارسة تأثيرها الفاعل في إطارها الدولي ونطاقها الإقليمي.

10- إن حكم الفرد يختزل أحياناً شخصية الدولة في شخص الحاكم ويؤدي إلى تهميش دورها وإضعاف تأثيرها، فالسياسة الخارجية هي امتداد طبيعي للسياسة الداخلية ولا يتوهم أحد أن قمع الحريات وغياب الديموقراطية يمكن أن تنتج عنهما سياسة خارجية ذات تأثير يذكر، فقوة الدولة ومتانة جهازها الديبلوماسي ترتبطان بالضرورة بقدرتها على تحويل قوتها الذاتية إلى قرارات سياسية ونشاطات ديبلوماسية.

هذه ملاحظات عشر سعينا منها إلى ترسيخ مفهوم محدد مؤداه أن الأمة العربية لم تتمكن في كثير من الظروف من حشد إمكاناتها وتأكيد دورها وتعبئة طاقاتها ولا يختلف اثنان في أن الصراع العربي الإسرائيلي والمواجهة المستمرة في الشرق الأوسط مسؤولان عن ضعف القدرة العربية عموماً وإجهاض تأثيرها الديبلوماسي وإصابتها بالعجز عن ممارسة دور أكثر فاعلية في مجالها الحيوي سواء كان في الشرق الأوسط أو الفضاء الدولي كله. وهنا نلفت النظر إلى معايير ثلاثة تحكم تقييمنا لمكانة الديبلوماسية العربية دولياً وإقليمياً وهي:

اولاً: التوقف عن ممارسة حق الاختلاف وانعدام القدرة على ممارسة الحركة المرنة في الوقت المناسب بصورة تعطي الإحساس بالاستسلام للسياسات والمواقف من دون تغيير.

ثانياً: التسليم المفرط بقبول آراء الغير على حساب القدرة العربية الحقيقية. فنحن نظن أن أمتنا لم تنجح حتى الآن في توظيف إمكاناتها الحقيقية لخدمة أهدافها الصحيحة وحل مشكلاتها المتتالية.

ثالثاً: إن دول الجوار، وأخص منها تركيا وهي دولة عضو في حلف الاطلسي وقادرة على وضع نفسها فوق خريطة أوروبا المتحدة، وكذلك إيران التي تخوض مواجهة حادة مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً حول برنامجها النووي، أصبحتا نموذجين مجاورين للعالم العربي وقادرين بشكل ملموس على التعامل الندي مع القوى الكبرى في عالمنا المعاصر.

إنني أريد أن أقول بوضوح إننا محتاجون إلى قدر كبير من الرؤية البعيدة للتعامل مع القضايا المزمنة والمشكلات الطارئة، إذ يمكن لنا أن نتحدث بحق عن دول عربية عصرية قادرة على استخدام الآليات السياسية الحديثة والأدوات الديبلوماسية المتاحة من أجل مستقبل أفضل محلياً وإقليمياً ودولياً.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat