الدبلوماسية الإسرائيلية في أفريقيا ... إلى أين؟

محمد سعيد

 

 

منذ العقد الأول لقيام دولة إسرائيل في مايو 1948م اهتمت القيادة الإسرائيلية بالدول الأفريقية، وعملت على إقامة وتمتين علاقتها الدبلوماسية معها. ومن قبل فهي لم تغفل عن تحسس الخطى وتأسيس الركائز؛ لتحقيق انطلاقة قوية تجاه الدول الأفريقية بهدف الخروج من العزلة السياسية المفروضة عليها من قبل الدول العربية، ولتحقيق أكبر عدد من الأصوات لصالحها في المحافل الدولية، كالجمعية العامة للأمم المتحدة, خصوصاً أن الدول الأفريقية كانت في طور التحرر من الاستعمار الغربي، والسير باتجاه تقرير المصير واحدة المصير واحدة تلو الأخرى.

مرحلة التوسع والانتشار:

بدأت العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية الأفريقية مع ليبيريا التي اعترفت بالدولة الإسرائيلية منذ إعلانها عام 1948م كثالث دولة تعترف رسمياً بدولة إسرائيل، وهي أول دولة أفريقية عقدت معها إسرائيل معاهدة صداقة وتعاون وتبادلت معها الزيارات الدبلوماسية ربما كان ذلك عائد إلى قوة النفوذ الأمريكي في هذا البلد، ولكن المهم أن إسرائيل اتخذت منها ركيزة أساسية للانطلاق إلى باقي دول القارة أما جنوب أفريقيا ـ نظام الفصل العنصري الذي كان حاكماً آنذاك ـ فقد اعترف بدولة الكيان الإسرائيلي عام 1948م، وأعلن عن علاقات دبلوماسية تطورت بعد ذلك لتشمل مختلف نواحي التعاون الاقتصادي والعسكري.

- في عام 1957م قام (موشي ديان) بزيارة كل من ليبيا وغانا, وبعد عام فقط أي في 1908م انطلقت غولدا مائير وزيرة الخارجية آنذاك بزيارة كل من ليبيريا, غانا, نيجيريا, السنغال, ساحل العاج. وفي كلمة لها أمام الكنيست قالت: "إن الدول الأفريقية التي زرتها تضم شعوباً طيبة وصادقة، وبعيدة عن العُقَد، وتستحق بذل المعونات لها، ويجب أن لا تقتصر صداقتنا على أوربا وأمريكا".

- وقد اتخذ موقف غولدا مائير مشروعاً سياسياً, حيث تم افتتاح سفارة إسرائيلية في غانا عام 1957م، ثم توسعت رقعة النشاط الدبلوماسي الإسرائيلي لتشمل نيجيريا, السنغال, ساحل العاج. وقد لاقت إسرائيل ترحيباً فورياً من الدول الأفريقية الفرانكفونية؛ وذلك بسبب قوة النفوذ الفرنسي في هذه الدول, في الوقت الذي تقيم فيه إسرائيل علاقات وطيدة مع فرنسا. في تلك الفترة حازت معظم الدول الأفريقية على استقلالها, وكانت إسرائيل سباقة للاعتراف بالدول الوليدة, حيث حرصت على إرسال ممثلين لها للمشاركة في احتفالات الاستقلال في أكثر من دولة حاملين معهم عروضاً مغرية يستفزون بها الدول الأفريقية الناشئة من مساعدات أمنية وزراعية وعسكرية.

- وفي هذه الفترة نجحت إسرائيل في إقامة علاقات مع 32 دولة أفريقية, أي عملياً مع جميع دول القارة باستثناء الدول العربية والإسلامية والمستعمرات البرتغالية، واستطاعت أن تفتح سفارات مع 30 بلداً أفريقياً، بينما احتفظت بعلاقات قنصلية مع جنوب أفريقيا وموريشس.

- لقد تطورت هذه العلاقات بين إسرائيل والدول الأفريقية في وقت شهدت فيه الدبلوماسية العربية غياباً ملحوظاً عن الساحة الأفريقية, مما أدى إلى ضربة دبلوماسية سجلت لصالح إسرائيل. ذلك أن الدبلوماسية العربية فشلت حتى في استصدار أي قرارات تعرب فيها الدول الأفريقية عن مجرد تأييدها اللفظي للعرب في كبرى قضاياهم الدولية ـ حيث رفضت غالبية الدول ـ المشارِكة في المؤتمر الأول للبلاد الأفريقية المستقلة, الذي عقد عام 1958م في أكرا بدعوة من الرئيس نكروما ـ تأييد اقتراح مصر المتضمن وصف إسرائيل بالعنصرية والإمبريالية.

- وهنا لا ينبغي غض الطرف عن أسلوب الدبلوماسية الإسرائيلية في التعاطي مع الحالة الأفريقية الوجدانية حيث عمدت إسرائيل إلى الآتي:

[1] تعيين مجموعة من السفراء المؤهلين تأهيلاً متميزاً, ويمتلكون مقدرات اجتماعية عالية مما جعلهم محببين للأفارقة الذين لم يروا فيهم عنجهية الأوربي.

[2] دعوة الزعماء الأفريقيين لزيارة إسرائيل بغرض غرس الدهشة والإعجاب بكل ما هو إسرائيلي.

[3] تقديم الدعم الفني والعسكري للدول الأفريقية الناشئة، خصوصاً أنها خرجت حديثاً من نير الاستعمار الغربي, وهي بحاجة ماسة لمختلف أنواع الدعم والمساندة لتثبيت أركان الدولة وتحقيق التنمية والاستقرار.

انحسار الدبلوماسية الإسرائيلية على أثر حرب 1967م:

في الوقت الذي شهد فيه عام 1967م الذروة في العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، فقد مثل أيضاً بداية التراجع و التدهور في هذه العلاقات ففي بداية عام 1967م أكملت إسرائيل بناء علاقاتها الدبلوماسية مع 32 دولة، بالإضافة إلى تمثيل قنصلي فخري مع خمس مناطق أخرى كانت مستعمرات لدول غربية, ومن جانب أخر كانت إحدى عشر دولة أفريقية تقيم تمثيلاً دبلوماسياً لها في دولة الكيان.

غير أنه بعد حرب حزيران 1967م بدأت صورة إسرائيل تهتز في أذهان الأفارقة. وفي الوقت الذي كانت تحرص فيه منظمة الوحدة الأفريقية على عدم إدانة إسرائيل بدأت تتدرج في التعريض لموضوع القضية الفلسطينية مطالبة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة ومع ازدياد التقارب العربي ـ الأفريقي, وإزاء التعنت الإسرائيلي بدأت منظمة الوحدة الأفريقية تتخذ قرارات أكثر حزماً, وصولاً للقرار الذي اتخذته المنظمة في 29 مايو 1973م تضمن تحذيراً رسمياً لإسرائيل بأن رفضها الجلاء عن الأراضي العربية المحتلة يعتبر اعتداء على القارة الأفريقية وتهديداً لوحدتها, وأن الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية تعتبر نفسها لذلك مدعوة لأن تأخذ ـ منفردة أو بصورة جماعية ـ أية إجراءات سياسية واقتصادية مناسبة وصد ذلك العدوان. وكان هذا القرار نقطة تحول في تطور رؤية أفريقيا للنزاع العربي الإسرائيلي.

وبعد القرار مباشرة سارعت ثمان دول أعضاء في المنظمة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، ثم قطعت غالبية الدول علاقتها تباعاً بعد حرب أكتوبر 1973م .ومع مطلع الثمانينات كان التمثيل الدبلوماسي الصهيوني في أفريقيا محصوراً في ثلاث دول هي ليسوتو، ملاوي، سوازيلاند, ومكاتب لرعاية مصالحها في كل من غينيا، كينيا، ساحل العاج.

انهيار الدبلوماسية العربية و إعادة العلاقات الإسرائيلية:

بعد عام 1979م بدأت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية تشهد حالة جديدة من النمو بسبب انهيار الدبلوماسية العربية في أفريقيا, وذلك نتيجة مجموعة من المتغيرات السياسية تمثلت في:

[1] عقد اتفاقية كامب ديفيد بين الكيان الصهيوني ومصر، التي تعتبر صاحبة أكبر ثقل سياسي في المنطقة، والتي قادت بنفسها حملة سياسية لعدة سنوات من أجل قطع علاقة الدول الأفريقية بالكيان الإسرائيلي, مما أعطى مبرراً لإعادة هذه الدول مع الكيان الإسرائيلي.

[2] احتدام النزاعات والخلافات الإقليمية سواء بين الدول العربية التي انشغلت بهذه الخلافات لتمنح إسرائيل فرصة النشاط بحرية وارتياح في المنطقة, أو بين الدول الأفريقية نفسها التي أعطت الفرصة لإسرائيل كي تجد لها مدخلاً, من خلال دعمها بالسلاح والخبراء لطرف على حساب آخر.

[3] قبول منظمة التحرير الفلسطينية بالجلوس للمفاوضات مع قادة الاحتلال الإسرائيلي في مدريد عام 1991م بات يعني في المنطق السياسي الأفريقي أن المشكلة في الشرق الأوسط أصبحت مجرد خلافات شكلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين, ولم يعد هنالك ما يبرر استمرار قطع هذه العلاقات. ودعم هذا المنطق التبريري اتفاقية أوسلو 1993م بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتبادل الاعتراف بين كل من ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وإسحاق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك وعليه فإن الدول الأفريقية بدأت تراجع حساباتها، ومن ثم شرعت في إعادة العلاقات شيئاً فشيئاً حيث أعادت ثماني دول أفريقية علاقتها مع إسرائيل حتى عام 1989م وهي زائير, ليبيريا, ساحل العاج, الكاميرون, التوغو, كينيا, جنوب أفريقيا, أثيوبيا أما الدول التي أعادت علاقاتها السياسية بعد بدء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية عام 1990م فهي نيجيريا, أنغولا, زامبيا, سيراليون, إرتريا ثم بنين 18/7/1993م.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:almeshkat