ما السبيل إلى حوار أميركي إيراني ناجح؟

 

فلينت ليفيريت

 

 

في أعقاب التقرير الجديد لهيئة الاستخبارات الوطنية حول البرنامج النووي الإيراني انبرى "الديمقراطيون" وغيرهم لانتقاد الرئيس بوش على "تضخيمه" مرة أخرى لخطر الأسلحة النووية. ولئن كانت هذه الانتقادات مبررة ضمن الظروف الراهنة، إلا أنها لا تنفذ إلى جوهر الموضوع، كما أنها لا تجيب عن السؤال الأهم: ماذا نفعل الآن؟ فمن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد قادرة على تجاهل إيران؛ إذ رغم إقدام طهران على وقف بعض الجوانب العسكرية من برنامجها النووي، إلا أنها مازالت مستمرة في عملية تخصيب اليورانيوم دون وضع حدود لذلك. كما أن إيران مؤهلة إما لتسهيل الأهداف الأميركية في العراق والشرق الأوسط، أو لتثبيطها ووضع العراقيل أمامها، وفي الوقت نفسه يبدو إصرار الرئيس بوش على تكثيف الضغوط الدولية على إيران منفصلا تماماً عن الواقع الدولي. فحتى قبل صدور التقرير الأخير لم تكن لحزمة العقوبات التي دافع عنها بوش فرصة كبيرة في المرور من مجلس الأمن.

والأكثر من ذلك لم يعد من الواقعي إصرار أميركا على فرض الحصار على الصادرات الإيرانية من المحروقات وبقائها في باطن الأرض بينما وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها، لا سيما وهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من النفط الخام والغاز الطبيعي في العالم.

كما أن فكرة "الانخراط" مع إيران دبلوماسياً أصبحت اليوم مقبولة سياسياً مقارنة مع السنوات الأولى للرئيس بوش عندما كان مجرد التطرق لها يهدد المسار المهني للسياسيين. وبالنظر إلى التعاون الأميركي الإيراني حول أفغانستان و"القاعدة"، الذي تلا هجمات 11 سبتمبر، فضلاً عن مباحثاتهما في بغداد، فإن إشارة كوندوليزا رايس الى 28 عاماً من القطيعة بين الجانبين، تنطوي على مغالطة كبيرة ومع ذلك مازال يتعين على "الديمقراطيين" الذين يتحدثون عن الانخراط الإيجابي والناجح مع الجمهورية الإسلامية، تحديد الملامح والخطوط العريضة لذلك الاشتباك.

الملاحظ أن أغلب دعاة الانخراط مع إيران يختبئون وراء منهج تدريجي غير واضح تجسده التصريحات الأخيرة لمستشار الأمن القومي للمرشحة "هيلاري كلينتون"، عندما أشاد باستعداد المرشحين للتعامل مع "حوافز محسوبة بدقة إذا ما أجابت إيران عن انشغالاتنا". فلماذا ننتظر من القادة الإيرانيين التعامل مع هذا الخطاب المحتشم على أنه دعوة واضحة وصريحة للجلوس إلى طاولة المفاوضات؟ فقد جربت إيران التعاون التكتيكي مع الولايات المتحدة في كثير من المناسبات طيلة العقدين السابقين - بما في ذلك المساعدة على إطلاق سراح الأسرى في لبنان خلال الثمانينيات، وإرسال شحنات من السلاح إلى المسلمين البوسنة عندما حُظر على أميركا القيام بذلك. لكن في كل مرة كانت توقعات إيران بالمعاملة بالمثل تصطدم بالتنديد الأميركي، على غرار إدراج إدارة بوش لطهران ضمن "محور الشر" بعد مساعدتها أميركا على تحقيق أهدافها في أفغانستان بعد 11 سبتمبر. وقد وصلنا اليوم إلى مستوى متقدم من انعدام الثقة لم يعد معه التدرج في الانخراط مع إيران كافياً لمعالجة الانشغالات الأمنية للولايات المتحدة.

دعاة الانخراط مع إيران يقترحون منهجاً تدريجياً غير واضح، لكن العداء بين الجانبين لن يجدي معه ذلك المنهج لمعالجة الانشغالات الأميركية وترى إيران من وجهة نظرها أن أي انخراط جدي يبدأ أولاً بالاستعداد الأميركي للاعتراف بالمصالح الإيرانية المشروعة في المجالين الأمني والإقليمي، كجزء من اتفاق عام لتسوية الخلافات. لكن أياً من "الديمقراطيين" أو "الجمهوريين"، لم يجرؤ على تبني هذا الطرح بسبب سعي إيران إلى امتلاك السلاح النووي، ودعمها للمنظمات الإرهابية التي توظفها للدفاع عما تعتبره مصالحها الأمنية الأساسية.

لذا يتطلب الانخراط الأميركي الإيراني الناجح القطع مع التفكير الأميركي السلبي وتبني دبلوماسية شاملة تتعاطى مع القضايا الجوهرية العالقة بين الطرفين. وعلى الجانب الأميركي، يتعين على أية مقاربة جديدة التعاطي مع أمن إيران من خلال تأكيد واشنطن عدم سعيها إلى تغيير النظام في طهران، بل تغير سلوك الحكومة الإيرانية. ولتحقيق ذلك الغرض على الولايات المتحدة طرح ضمانات على طاولة النقاش نجملها فيما يلي:

أولا؛ يتعين على واشنطن التعهد بعدم اللجوء إلى القوة لتغيير حدود إيران أو طبيعة الحكومة فيها. وستتعهد أميركا في مرحلة لاحقة- إذا افترضنا أن إيران عالجت الانشغالات الأميركية حول برنامجها النووي وتزويدها للإرهابيين بالسلاح ورفضها تسوية فلسطينية إسرائيلية- لإنهاء العقوبات الأحادية على إيران، واستئناف العلاقات الدبلوماسية، فضلاً عن شطب اسم إيران من قائمة الدول الراعية للإرهاب. لكن ماذا سيكون على إيران تقديمه؟ سيتعين عليها اتخاذ إجراءات –بالتفاوض مع الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية- تعالج بصفة نهائية أخطار الانتشار النووي بما يستدعيه ذلك من كشف عن سائر المعلومات المتعلقة ببرنامجها النووي، في الماضي وفي الحاضر، والموافقة على الخضوع لنظام تفتيش دولي لأنشطتها النووية. وسيتعين على إيران أيضاً إصدار بيان يدعم تسوية عادلة ودائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفقاً لقرارات مجلس الأمن. وسيؤكد البيان فكرة الدولتين باعتباره حلاً مناسباً للصراع، وذلك كما عبر عنه قرار مجلس الأمن لعام 2002، فضلاً عن انضمامها إلى التزام الجامعة العربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين وسوريا.

ولا بد أن تتعهد إيران أيضا بالمساعدة على تحويل "حماس" و"حزب الله" إلى منظمات سياسية واجتماعية بعيداً عن أي نشاط عسكري. وفي هذا الصدد لا مناص من الإشارة إلى أن أي عملية لإدماج "حزب الله" في العملية السياسية اللبنانية، ترتبط بإصلاح "الديمقراطية اللبنانية" لإنهاء الاختلال الممنهج في التمثيل الشيعي بالبرلمان.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad-12-12-2007