هل الصين تتجه الى اتباع سياسة مناقضة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية ؟

 

 

د. فارس بريزات

 

 

الشرق الأوسط بين الصين وأميركا

من غير الاعتيادي أن نسمع عن الابعاد الاستراتيجية للعلاقات الامريكية - الصينية في منطقة الشرق الاوسط. ولكن هناك عدة اسئلة مطروحة حول هذا الموضوع. هل ستكون العلاقات الصينية - الامريكية تنافسية في الشرق الاوسط؟ وما هي استراتيجة الصين في منطقة الشرق الاوسط؟ لا زالت هذه الاسئلة جديدة وبحاجة لإجابات. وسنحاول هنا تقديم بعض الافكار التي تمت مناقشتها في مؤتمر عقد في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ويمكن تطويرها لاحقاً لفهم الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الاوسط.

خلافاً لما هو سائد في أوساط النخب العربية من رؤى حول سياسة صينية منسجمة مع المصالح العربية، يرى بعض المحللون ان الصين ستكون منسجمة مع مصالحها اكثر من انسجامها مع المصالح العربية. ويرى منظرو نظرية الواقعية السياسية في العلاقات الدولية أن الصين لن تتجه الى اتباع سياسة مناقضة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية. ومن وجهة النظر الصينية، هناك عدة عوامل تحدد سلوك الصين في منطقة الشرق الاوسط عامة ومع الدول العربية خاصة. العامل الأول هو ازدياد عمق العلاقات الاقتصادية مع دول المنطقة. والعامل الثاني هو وجود عامل الامن في منطقة غرب الصين التي يوجد بها بعض الانفصاليين المسلمين. ولهؤلاء امتدادات ثقافية ودينية مع شعوب المنطقة ومع شعوب اسيا الوسطى المسلمة. وعلى الرغم من وجود المحددات إلا أن الصين، بحسب المحللين الاستراتيجيين الصينيين، لا زالت تفكر في استراتيجية متكاملة للمنطقة. وعلى الرغم من عدم وجود وثيقة تحدد الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الاوسط إلا أن المؤشرات الاساسية لهذه الاستراتيجية تبدو جلية من الدور الذي تحتله منطقة الشرق الاوسط في علاقات الصين السياسية والتجارية مع دول باقي مناطق ودول العالم.

الدور الذي يلعبه الشرق الاوسط في علاقات الصين الخارجية

عندما تأسست جمهورية الصين في عام 1949 واجهت حصاراً من قيل الدول الغربية. وكان من نتائج هذا الحصار ان الصين اتجهت الى دول العالم الثالث لبناء علاقات صداقة. كانت مصر وسوريا والجزائر من الدول التي اسست علاقات مع الصين في العقود اللاحقة ولحقتها دول عربية أخرى. وبالنسبة للصين كانت هذه العلاقات الدبلوماسية مهمة لكسر الحصار الذي قادته الولايات المتحدة ضد الصين خاصة في موضوع عضوية الصين في الامم المتحدة. وحاولت الصين جاهدة منع تايوان من الانضمام للامم المتحدة معتمدة على دعم الدول الاسيوية والافريقية أكثر من غيرها ويذكر الصينيون الدور الذي لعبته الجزائر في المجال بايجابية.

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة واجهت الصين انتقادات حادة في موضوع حقوق الانسان خاصة بعد حادثة تياننمين سكوير في بكين حيث حاولت الولايات المتحدة والدول الغربية تمرير قرار عن طريق مؤتمر الامم المتحدة لحقوق الانسان يدين الصين. وهنا وجدت الصين الدعم الذي تريد من دول العالم الثالث بما فيها دول الشرق الاوسط.

ولازال الصراع الصيني - التايواني يدفع الدولتين للتأسيس علاقات دبلوماسية مع دول العالم الثالث. اتجهت تايوان لدول افريقيا وامريكا اللاتينية نظراً للدعم الضئيل الذي حصلت عليه من دول أسيا. فمن بين الدول الـ 24 التي تعترف بتايوان هناك 6 دول افريقية. وترى الصين في الزيارة التي قام بها رئيس تايوان لليبيا والامارات العربية المتحدة مؤشر على وجود ارض معركة دبلوماسية جديدة بين الصين وتايوان في الشرق الاوسط. والصراع الدبلوماسي الصيني - التايواني سيشهد ازدياداً في منطقة الشرق الاوسط نظراً لوجدود علاقات اقتصادية قوية مع منطقة الشرق الاوسط.

ترى الصين نفسها الآن اكثر قرباً من الدول المتقدمة (العالم الاول) بعد ان حققت الاعتراف الدولي بها كقوة عالمية لديها حق النقض الفيتو في مجلس الأمن. فمن الناحية الدبلوماسية لم يعد هناك حاجة ماسة لبناء علاقات دبلوماسية مع دول صغيرة لكسب صوتها على المسرح العالمي. ومن ناحية أخرى اتبعت الصين نظام السوق الراسمالي فعلياً بغض النظر عن الوصف الذي يطلق على فلسفة الاقتصاد الصيني الآن. ولهذا اصبحت العلاقات الصينية مع الدول الرأسمالية الكبرى اهم من علاقاتها مع دول العالم الثالث. وباستثناء حاجتها لاصوات مساندة في معركتها الدبلوماسية مع تايوان فقد تغيرت مصالح الصين الاستراتيجية وتبعاً ستتغير سياساتها مع دول العالم الثالث بما فيها منطقة الشرق الاوسط.

الرؤية الصينية للشرق الوسط الآن

لا يرى المحللون الصينيون فرق مهم بين الصين والولايات المتحدة في رؤيتهم لمنطقة الشرق الاوسط. فالصين تقف الى جانب الولايات المتحدة في الحرب على الارهاب، وتتفق مع وجهة نظر واشنطن في موضوع البرنامج النووي الايراني الى حد كبير. ولا تعارض الصين الاحتلال الامريكي للعراق بل تساهم جدياً في اعادة البناء. وفي موضوع الصراع الاسرائيلي الفلسطيني تؤيد الصين حل النزاع. وعلى الرغم من الانتقادات التي يوجهها البعض في الصين لسياسات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط من حيث سعيها للهيمنة على النفط والمنطقة، إلا أن الموقف الصيني الرسمي وشبه الرسمي لا يرى ان الصين ستدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة في المنطقة. ولتأكيد هذا الموقف يقول المحللون الاستراتيجيين الصينيين ان الصين دخلت في "حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة" حول ايران والعراق والحرب على الارهاب وموضوعات اخرى منها أمن الطاقة.

ويبدو ان رؤية الصين المستقبلية للمنطقة تنحصر في استراتيجية "التعاون وليس التصادم مع الولايات المتحدة" لأن الصين ليس لديها النية ولا المصلحة ولا القدرة ان تدخل في صراع مع الولايات المتحدة في منطقة تعتبرها الصين منطقة نفوذ امريكية. ومن جانب آخر، كان مستوى التعاون والتنسيق بين الصين والولايات المتحدة غير مسبوق في مسالة كوريا الشمالية، والحرب على الارهاب، و اصلاح الامم المتحدة. يدل السلوك الصيني في هذه الموضوعات على ان الصين لا تنوى مواجهة الولايات المتحدة في أي مكان حتى على حدودها (كوريا الشمالية) على الرغم من وجود مصلحة صينية في استمرار النظام السياسي الحالي في كوريا الشمالية.

الطاقة والاقتصاد

على الرغم من التحول الجيوسياسي في رؤية الصين لمنطقة الشرق الاوسط، إلا أن اعتمادية الصين على المنطقة العربية من الناحية الاقتصادية في ازدياد مستمر. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين دول المنطقة (انظر الجدول) والصين نحو 50 مليار دولار في عام 2005 وحده. واعلنت الحكومة الصينية ومجتمع الاعمال الصيني الشرق الاوسط كاحد الاسواق الجديدة للمنتجات الصينية.

وعند مقارنة حجم التجارة الصينية مع دول ومناطق جغرافية أخرى نجد ان الشرق الاوسط لازال في موقع متواضع جداً كما يبين الشكل المرفق. والصادرات العربية للصين هي من النفط بشمل رئيسي. المصالح التجارية الصينية تتقتضي من الصين ان تحافظ على اسواقها القديمة (الاتحاد الاوروبي وامريكا الشمالية واليابان وشرق اسيا). ومن هنا يمكن قراءة الموقف الصيني إزاء الملف النووي الايراني الارجح ان لا تقوم الصين باتخاذ موقف مغاير - بالمحصلة النهائية - لموقف شركائها التجاريين الاساسيين.

وعلى الرغم من حجم العقود الكبيرة التي وقعتها الصين مع ايران لتطوير حقول نفط وانابيب غاز بعشرات المليارات إلا أن المصالح الايرانية تقتضي موقفاً غير مؤيد لايران ولعل حجم التبادل التجاري بين الصين والدول التي لا ترغب بان تقتني ايران برنامجاً نووياً يساعد على فهم موقف الصين في قادم الايام.

المصدر:مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية - واشنطن