هل فقدت سياسة الإحتواء جميع مسوغاتها الأساسية ؟ !

 

رفيق جويجاتي

 

سياسة الاحتواء :

سياسة الاحتواء policy of containment تعني في نظر أصحابها «التعهد الشامل لمقاومة الشيوعية أنّى وجدت» أما العالم الاشتراكي فيراها مخططاً للسيطرة العالمية أعدته الامبريالية الأمريكية، وتقويضاً للنظام الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية والذي يقوم على توازن لعالمين رأسمالي واشتراكي ينبذان الحرب ويأخذان بمبادئ التعايش السلمي[ر]، ويفترض فيهما مساعدة بلاد العالم الثالث على التحرر والاستقلال والتنمية.

كما أن من استعمل تعبير الاحتواء، بوصفه فكرة فاعلة تحمل بذور استراتيجية دبلوماسية وعسكرية وتؤدي إلى إنشاء أجهزة للتخطيط والتصميم والتنفيذ ويكاد أن يكون لها كيان قائم بذاته، هو جورج كينان الدبلوماسي الأمريكي المعروف باهتمامه بالعلاقات الأمريكية السوفييتية (سابقاً(

وجاء استخدام كينان تعبير الاحتواء أول مرة في مقالة كتبها ونشرت بتوقيع مغفل في المجلة الأمريكية الفصلية المعروفة باسم «الشؤون الخارجية» Foreign Affairs في عددها الصادر في صيف 1947. وكان كينان آنئذ رئيساً لهيئة تخطيط السياسة في وزارة الخارجية الأمريكية. وقد أحدثت المقالة ضجة كبيرة في الأوساط السياسية لأنها كانت، بمضمونها، الأولى من نوعها في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إذ حل التوتر في العلاقات الأمريكية السوفييتية محل التحالف الذي قام زمن الحرب بهدف تقويض ألمانية الهتلرية، فكانت الحاجة ماسة لإعادة تقويم السياسة التي يجب على الولايات المتحدة اتباعها إزاء الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، فكان كينان من أوائل المفكرين الدبلوماسيين الذين حاولوا وضع أسس ثابتة للاستراتيجية السياسية الجديدة.

خصص كينان معظم بحثه في هذه المقالة لشرح أسباب ما سماه عداء الاتحاد السوفييتي للغرب عامّة وللولايات المتحدة على الأخصّ، فعزا السبب الرئيس إلى ما يراود زعماء الكرملين من حسّ دفين متأصل بافتقاد الأمن على وطنهم من العالم الخارجيّ، وقد نشأ هذا الحس في الأصل من افتقاد الحواجز الجغرافية المنيعة التي تصون سلامة الروس الإقليميّة، فضلاً عن العامل التاريخي المتمثّل بالغزوات المتكررة التي رزحت بلادهم تحت عبئها، فلم تتسنّ لها قطّ نعمة الأمن التي ينعم بها الأمريكيون وكأنها شيء مفروغ منه. وفي رأي كينان أن اعتماد الزعماء البولشفيك على العمل السّريّ لإنجاح ثورتهم ثم لضمان سلامة الاتحاد السوفييتي من الأخطار الخارجية عوّدهم على عدم الثقة بأحد، وبهذا فسّر كينان ما سمّاه بسلوك الاتحاد السوفييتي الصعب في عهد جوزيف ستالين. ثمّ يرى كينان في الأيديولوجية الشيوعية السوفييتية مجرّد مسوّغ لسياسة القمع الدّاخلية التي ينتهجها الزعماء السوفييت، ولقسوة التدابير التي يتخذونها لصيانة الدولة الشيوعية القائدة إزاء عالم رأسمالي في أكثريته، ثمّ أداةً لاستقطاب الثوريين في البلاد الأخرى عن طريق حركة الشيوعية الدولية، ولكن هدفهم الحقيقي في رأيه توسيع النفوذ السوفييتي وراء الحدود مما ينفي عن ستالين أي التزام مبدئي حقيقي بالعمل من أجل مجتمع دولي لا طبقي كما تنادي به الشيوعيّة، فعدم شعور ستالين بالأمن يحول بينه وبين التفكير الجدّي بإمكان السيطرة على العالم.

يستنتج كينان من هذه المقدّمات أن نزعة السوفييت إلى التوسّع أسهل معالجةً مما كانت عليه مطامح نابليون أوهتلر لأن هذه النزعة لا ترتبط بتوقيت معيّن وبرامج منظمة، وعندما تلاقي مقاومة جدّية يتراخى عنفها، ولكنها من جهة أخرى، أصعب معالجة، لأن فيها عامل الاستمرار، ولا تثبطها النكسات بل تتخذها عظة من أجل عمل أنجع. لذا يدعو كينان إلى احتواء هذه النزعة، بسياسة طويلة الأمد، وراءها جهد دائب، وصبر جميل، وحزم في التنفيذ، وتيقّظ للأحداث. ويعرب عن مذهبه هذا بقوله: إن الضغوط السوفييتية على المؤسسات الغربية الحرّة هي ظاهرة يمكن احتواؤها بتطبيق متحلّ بالمهارة واليقظة لمبدأ  إيجاد قوة معاكسة في سلسلة من المواقع الجغرافيّة والمواطن السياسيّة تتحول وتتنقل باستمرار تبعاً لتغيّرات السياسة السوفييتية ومناوراتها.

وقد رأى كينان أن جملة من نقاط الضعف السوفييتية تعين أمريكة على إنجاح سياستها وإدراك هدف الاحتواء، ويجمل هذه النقاط في التكاليف البشريّة التي يتحمّلها الاتحاد السوفييتي في حملته في التصنيع الإجباريّ، واستخدامه الإرهاب لفرض التقيّد بسياسته، والأضرار البالغة التي لحقت به جرّاء الحرب وهو ما لا يمكن إصلاحه بسرعة، والطبيعة غير المتوازنة لنموّه الاقتصادي فضلاً عن المشاكل التي تثيرها خلافة ستالين، والخصام المحتمل بين قادة الحزب وصفوفه وإمكان تطلع الحركات الثوريّة إلى قيادة غير القيادة السوفييتيّة، وقطب غير قطب موسكو للتوجيه والإلهام. ومجمل ما يريد تثبيته هو أن الاتحاد السوفييتي ليس بهذا العملاق الذي يُتخيّل، وبمقدور سياسة احتواء ذكيّة كبح امتداده، واستشهد في هذا السياق بقول لتوماس مان:

))غالباً ما تظهر المؤسسات البشرية بطلاء خارجي لامع، حتى إذا تفحصتها من الداخل وجدت أن الفساد قد استشرى فيه.((

يخلص كينان إلى تصميم الخط الاستراتيجي الأمريكي إزاء الاتحاد السوفييتي، فيعد من المقولات البدهيّة أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي دولتان عظيمتان لا يرجى بينهما ائتلاف في السياسة، ومع ذلك لا ينبغي أن ينظر إلى خصومتهما كأن الحرب بينهما واقعة لا محالة. ليس معنى استبعاد الحرب أن تقنع الولايات المتحدة بالحالة الراهنة وتنتظر حدوث الأفضل، كلاّ، لأن بإمكانها، فيما يؤكد كينان، التأثير في التطورات الداخليّة في الاتحاد السوفييتي، وفي الحركة الشيوعية الدوليّة معاً، وكلاهما عامل في توجيه خطوط السياسة السوفييتية؛ هذا إذا عرفت الولايات المتحدة كيف تظهر أمام العالم دولةً عظمى حقاً، تعرف ما تريد، وتقدر على حلّ مشكلاتها الداخلية بنجاح، وتضطلع خير اضطلاع بمسؤولياتها العالمية، مع حيوية روحيّة تجعلها تقف شامخة الرأس بين تيارات العصر الأيديولوجية الكبرى. فبهذه القدرات، وبالمهارة التي تطبق بها القوة المعاكسة، تجنح القوة السوفييتية نحو الانكماش التدريجيّ فسياسة الاحتواء توقف امتدادها، وما من قوّة تبشيرية أو صوفيّة في رأيه بقادرة على تحمل التوقف والرّكود من دون أن تعمد إلى تكييف الأسس التي تقوم عليها مع منطق العصر والضرورة.

ظهرت أكثر الانتقادات التي تعرّضت لها نظرية كينان داخل الولايات المتحدة نفسها وقد وصفت بالقصور حينما أفلح الاتحاد السوفييتي في صنع القنبلة النووية مما أنشأ في العلاقات الدولية وضعاً جديداً من التوازن أصبح ينتفي معه إمكان وقوع حرب نووية تدمرّ الجميع على السّواء، وبدا أن نظرية كينان لم تعد كافية لمعالجة الموقف الجديد. وقد وصف وولترليبمان كبير رجال الصحافة والسياسة الأمريكية آنذاك، النظرية بأنها استراتيجية شنيعة الخلقة تجعل المبادهة بيد موسكو فتحدد هي مكان أية مجابهة وتوقيتها، كما عيب على النظرية أنها لم توضّح ما إذا كانت جذور السّلوك السوفييتي أيديولوجية أو قومية، ولم تفرّق بين مبادئ الشيوعية الدّولية والنزعات التوسعية السوفييتية، وأنها بتأسيسها الاستراتيجية على المجابهة قد استبعدت أي تحرك نحو فك الارتباط بين القوات السوفييتية، والقوات الأمريكية في أوربة، وقضت على إمكان تسوية خلافات العملاقين عن طريق المفاوضة.

وقد ظهر فيما بعد من الوثائق الرسمية التي نشرت ومن محاضرات كينان أنّ عدداً من آرائه قد أسيء فهمه. فهو مع تحبيذه لبرنامج مارشال لمساعدة أوربة، وكان الكثير من الدوافع إليه تنطلق من سياسة الاحتواء، لم يؤيد اللغة الكاسحة لمنحى ترومان بالمبادرة لبذل المساعدة العسكرية والاقتصادية لأية بقعة في العالم يخشى من نجاح الدعوة الشيوعية فيها؛ بل كان من أنصار التبصّر بالملاءمة بين الأغراض المنشودة والوسائل المتاحة، وبالتفريق بين المناطق الحيوية لمصالح الولايات المتحدة كأوربة واليابان والمناطق الأقل شأناً، وقد أقر بوجود حدود لفاعلية الولايات المتحدة، ولم يوص بأن تتورط في الحرب الصينية الأهلية ولا بالبقاء في الفيليبين، ولا بإبقاء قواتها في كورية، كما حذّر من مغبة استمرار الولايات المتحدة على حملها وحدها عبء مقاومة التوسع السوفييتي. ومع تطور نظريته غدا يحدّد المناطق التي يجب أن تحظى باهتمام الولايات المتحدة فيجعلها خماسيّة: الولايات المتحدة نفسها وبريطانية، ووادي الراين مع ما يحيط من الأراضي الصناعية، والاتحاد السوفييتي واليابان، وهي مناطق قادرة على الإنتاج الحربي الكثيف لا تقع الآن منها تحت القبضة الشيوعية إلاّ واحدة فقط، فالمهمة الرئيسة للولايات المتحدة إذن هي في رأيه انتهاج سياسة احتواء لا تمكّن الشيوعية من  إحراز أية منطقة أخرى من بين هذه المناطق.

أما ما أخذه النقاد على كينان من أنه اهتمّ حصراً بالأيديولوجية الماركسية متناسياً - على ما جاء في أقوال ليبمان على الأخصّ - أن القوة الكبيرة للجيش الأحمر وليس أيديولوجية كارل ماركس هي التي مكّنت روسية من التوسع وراء حدودها، فقد تبين فيما بعد من أوراقه أنه كان يعدّ الأيديولوجية عنصراً في تكوين خلفيّة السياسة السوفييتية وكيفية التعبير عنها، ولكنها ليست أساساً لابدّ منه في العمل السياسي. واستنتج من ذلك إمكان وجود نظم شيوعية تتمرّد على سلطة موسكو كما حدث في يوغسلافية، حتى إنه تنبأ في إحدى محاضراته قائلاً: إن رجال الكرملين سيكتشفون فجأة يوماً ما، أن حركة الشيوعية الصينية الشرقية الذكية التي حسبوها في راحة كفّهم قد أفلتت من أصابعهم ولم يبق لهم من مسايرة الصين سوى انحناءة مجاملة وضحكة مهذبة لا يمكن استكناه مغزاها.

 ومع ما كان يعتري نظريّة الاحتواء من غموض حيناً ومعارضة في بعض الأحيان فقد ظلت في خطوطها الرئيسة هي الاستراتيجية التي تطبقها الإدارات الأمريكية واحدة بعد الأخرى، بفروق في التفاصيل كسياسة حافة الهاوية التي اشتهر بها وزير الخارجية في عهد الرئيس أيزنهاور جون فوستردالس، وسياسة الرد المرن وسياسة الردع النووي إلى أن أتت إدارة الرئيس نيكسون فاختارت المفاوضة عوضاً عن المجابهة وأدى تطبيقها على يد وزير الخارجية هنري كيسنجر إلى عهد من الانفراج، وعقد لعدد من الاتفاقيات بين العملاقين بشأن الحدّ من السلاح النووي وغيره.

بيد أن النظرية مسؤولة إلى حد كبير عن انقسام أوربة إلى معسكرين وانقسام ألمانية إلى دولتين، ونشوء الأحلاف المتخاصمة، وحلول الحرب الباردة محلّ التعاون، واتساع الالتزامات التي تورّطت فيها الولايات المتحدة بحيث كادت تصبح على نطاق عالمي، فكأنها أرادت تجنيد العالم كله ضدّ ما تخيّلته من الخطر السوفييتي؛ وفي هذا المسار أضحت تتدخل في شؤون الدول الداخلية، وتسعى لاحتكار النفوذ في البلاد النامية، وغالباً ما قاومت حركات التحرّ‍ر عندما رأت في تعاطف الاتحاد السوفييتي معها، بحكم أصوله الثورية، خطراً يهدّد مصالحها التي أصبحت تنظر إليها في إطار عالميّ شامل، حتى بلغ الأمر بوزير الخارجية دالس أن يعدّ الحياد الإيجابي غير أخلاقي، ويخاصم كل من لم يكن معادياً للاتحاد السوفييتي.

وفضلاً عن أن المعارضة الأمريكية لتبوؤ الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة كانت هي أيضاً منبثقة عن سياسة احتواء الشيوعيّة، إلى أن تحصّلت في المنظمة الدولية الأكثرية اللازمة للتغلّب على هذه المعارضة في أوائل السبعينات، فإن النموذج الناظم لما أدت إليه سياسة الاحتواء هذه أو ما أدى إليه سوء تفسيرها على الأقلّ، كان هو هذا التورط من الولايات المتحدة في حرب فييتنام الضروس التي أفقدتها المصداقية في تصرفاتها وفي سلامة اضطلاعها بمسؤولياتها الخاصة بوصفها دولة عظمى في إقرار السلم والأمن الدوليين لا في تعريضهما لأفدح الأخطار، وأثارت في وجهها معارضة شبه عالميّة، كان الرأي العام الأمريكي نفسه من حملة لوائها.

وكان تأثر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بهذه السياسة الاحتوائية واضحاً أيضاً، فكان محور تحركها هو إبعاد الاتحاد السوفييتي عن المنطقة، لا تركيز الجهد على حلّ عادل للمأساة الفلسطينية وتسوية النزاع العربي الإسرائيلي على أساس قرارات الأمم المتحدة. ويندرج تشجيع الولايات المتحدة لفكرة حلف بغداد وإنشاؤه آنذاك، كما يندرج كل من البيان الثلاثي ومذهب آيزنهاور، في هذا السياق من الاهتمام بالاحتواء عوضاً عن صرف الجهد إلى إقرار السلم والعدل ومؤازرة التنمية في هذه المنطقة البالغة الشأن في الاستراتيجية والموارد الطبيعية والبشرية.

وكان من أعنف مظاهر سياسة الاحتواء هذه أن قلبت الولايات المتحدة سياستها المتعاطفة مع الثورة المصرّية التي قامت سنة 1952 لتحرّر مصر من ربقة الملكية الفاسدة والسيطرة الإقطاعية، وتنجز الاستقلال السياسي والاقتصادي، إلى خصومة معلنة عندما سحبت الولايات المتحدة عروضها لمساعدة مصر على بناء سدّ أسوان لأن الزعيم المصري جمال عبد الناصر[ر] اضطر آنذاك، تعزيزاً لقدرات مصر الدفاعية أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة إلى اقتناء الأسلحة من دول أوربة الشرقية، فكان جواب الزعيم المصري على هذا النقض للعهد اللجوء إلى حق مصر المشروع في تأميم قناة السويس مما اتخذته بريطانية وفرنسة ذريعة لشنّ الحرب على مصر سنة 1956 بالتآمر مع إسرائيل. وحينما عارضت الولايات المتحدة هذا الغزو الثلاثي لمصر كان من أكبر دوافعها الخشية من أن يظهر الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية بمظهر القوة التي تتعاطف مع أماني شعوب العالم الثالث في التحرر والاستقلال، وعلى الأخصّ في المنطقة العربية الحساسة.

ولكن يبدو أن سياسة الاحتواء قد فقدت معظم مسوغاتها الأساسية مع مطلع التسعينات من القرن العشرين بعد التطورات المهمة التي حدثت في أوربة الشرقية وفي الاتحاد السوفييتي نفسه ولاسيما توحيد ألمانية، وانفراط عقد حلف وارسو[ر]، وتغيير معظم هذه الدول موقفها من الأيديولوجية الشيوعية والسوفييتية وتفكك الاتحاد السوفييتي وغياب قوته.

المصدر:arab-ency.com