مسيرة الدبلوماسية الصينيية نحو النضوج

 

 

الدبلوماسية الصينيية تسير نحو النضوج

المشاركون في الحوار :

Yan Xue Tong : رئيس مركز ابحاث القضايا الدولية في جامعة تشينغ خوا.    

  Cheng Rui Sheng: نائب رئيس الجمعية الاكاديمية لجنوب اسيا في الصين والسفير الصيني السابق لدى الهند وبورما

Miao Hua Shou : نائب رئيس مركز دراسات تنمية المجتمع الأوربي والآسيوي التابع  لمعهد دراسات النمو والتطور في مجلس الدولة    

Qian Wen Rong : باحث كبير في مركز ابحاث القضايا الدولية لوكالة شينخوا .    

الدبلوماسية الصينيية تسير نحو النضوج

خلال الفترة الأخيرة قيم الرأي العام العالمي الدبلوماسية الصينيية على أنها " دبلوماسية ناضجة " ؛ وأصبح ذلك معرفة مشتركة للعالم بأسره  للسياسة الصينية  في الوقت الحالي . لكن لم  لم يقر المجتمع الدولي  بـ" نضوج " الدبلوماسية الصينية إلا الآن  ، على الرغم من أنها تتقدم بشكل متواصل ؟ هل السبب في ظهور هذا التقييم يعود إلى تغيير الصين ذاتها أم يعود إلى تغير طرأ على معرفة الاخرين للصين ؟ وما هي العلاقة بين "نظرية النضوج " هذه والدورة السادسة عشرة للحزب الشيوعي الصيني التي عقدت مؤخرا  ؟ واذا قلنا ان السياسة الدبلوماسية الصينية " ناضجة " اذن  فما هو اتجاه تطورها في الخطوة التالية ؟ وما هي الاعمال الدبلوماسية  التي قمنا بها  خلال الاعوام الماضية  والتي تعتبر ناضجة نسبيا ،  ودلت على تجربتها الناجحة ، وما هي  الاعمال  التي  لا زالت غير ناضجة وبحاجة الى تحسينها ؟  في هذا الصدد  استضفنا بعض المتخصصين لمناقشة هذه المسائل .    

 :Cheng Rui Shengوضع المصلحة العامة في المقام الاول  اتقان عمل الدولة الكبرى ..  ومصادقة الدول المحيطة بنا لتكريسها خدمة  للبناء الاقتصادي داخل البلاد

لا اوافق على وجهة النظر القائلة بأن الدبلوماسية الصينية لم تنضج إلا في عام 2002 ..  في رأيي  لم يكن السبب الرئيسي  في  طرح الرأي العام  العالمي لوجهة النظر هذه عام  2002  ،   الا  كونه  شهد تجسيدا مركزا نسبيا لنضوج السياسة الدبلوماسية الصينية ، والتي  شملت المجالات السبع التالية :    

أولا :  على  الرغم من ضخامة الخلافات القائمة بين الجانبين الصيني والامريكي ، الا أنهما استمرا في وضع المصلحة العامة في المقام الاول ، وعلى ضوئها  ،  تحققت الزيارات المتبادلة بين قادة البلدين ، واستعيدت التبادلات العسكرية ، وشهد التعاون الاقتصادي والتجاري تطورا متواصلا ، مما أكد على تقدم العلاقات الثنائية باتجاه الاستقرارالنسبي . والطريقة التي اتبعتها الصين في هذا الصدد  تجسدت في  معالجتها  الناجحة  للعلاقة  بين الخلافات  القائمة بين البلدين والمصلحة العامة بشكل جيد .    

ثانيا :  عالجت الصين العلاقة الثلاثية الصينية الامريكية الروسية بشكل جيد نسبيا  .  فبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ،  اقيمت  علاقات استراتيجية  بين روسيا وامريكا  ؛  حيث لم ننطلق في  تقييمنا  لتحسن العلاقات الامريكية الروسية من افكار الحرب الباردة  ، وعلى انها  ستؤثر  بالحتم على العلاقات  الصينية الروسية  ، بل واصلنا تطوير العلاقات الاستراتيجية مع  روسيا .  

ثالثا :  في مجال العلاقات الصينية اليابانية ، عالجت الصين مسألة قيام رئيس الوزراء الياباني كويزمي لمعبد باسوكوني ( معبد اضرحة قتلى القادة العسكريين اليابانيين ) بهدوء نسبي ؛ واستغلت فرصة  ذكرى مرور ثلاثين سنة على إقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية اليابانية ، لتعرب عن رغبتها في دفع وإحداث تطور نوعي  في التبادلات  والعلاقات بين البلدين ، وحققت نتائج محددة في هذا الاطار .    

رابعا : بالنسبة للعلاقات الهندية الباكستانية المعقدة  وصعبة المعالجة  ، اهتدينا من خلال  الاحتكاك والتلمس  التدريجي إلى سياسة "  تطوير علاقاتنا مع كل منهما على حدة وبشكل متواز " ..  ففي خضم اشتداد توتر العلاقات الهندية الباكستانية عام 2002 ، قام رئيس الوزراء الصيني جو رونجي بزيارة للهند ،  التي لعبت دورا  كبيرا  في تحسين العلاقات الصينية الهندية ، وهذا  لم يكن بالامكان حدوثه  في الماضي  ..   ويجسد ذلك مظهرا  من مظاهر نضوج الدبلوماسية الصينية .    

خامسا : في مسألة  البحر الجنوبي ( نان خاي ) ، اعتمدنا سياسة  " ترك النزاع جانبا والشروع في  الاستثمار المشترك " التي طرحها الرفيق دنغ شياو بينغ  .  واصدرنا مع الدول ذات العلاقة  بيانا مشتركا حول "  القواعد المسلكية في البحر الجنوبي " .  وهناك امال  في تحقيق الاستقرار التدريجي في تلك المنطقة  .    

سادسا : خطونا خطوة جديدة في الدبلوماسية متعددة الاطراف ..  الى  جانب العمل على تقوية وتعزيز  منظمة تعاون شنغهاي ،  قمنا بتطوير تعاوننا مع منظمة  جنوب شرقي اسيا  ووسعناه ليشمل  المجالات الامنية والسياسية  لجانب المجال الاقتصادي  ؛  وتم  عقد  لقاء غير رسمي  ولاول مرة  في الامم المتحدة لوزراء   خارجية الدول الثلاث ، الصين والهند وروسيا  ؛  وبدانا ايضا بالاتصال مع حلف الناتو ، وهو  الامر الذي كان  من الصعب تخيله قبل عدة سنوات  .    

سابعا : وفي المسائل الاقليمية الساخنة  ، شاركنا فيها بشكل ايجابي بناء  وتعاملنا معها كدولة  كبرى .. حيث قمنا بتعيين مبعوث خاص لمسالة الشرق الاوسط ، وقام بأول جولة له  لمنطقة الشرق الاوسط  ؛  وفي المسألة الكشميرية بين الهند وباكستان ، قمنا بالدعوة الى تغليب السلام وتعزيز المفاوضات  ..  وفي فترة انعقاد قمة  تعزيز الثقة في اسيا  ، اجتمع الرئيس الصيني جيانغ تزى مين في يوم واحد مع الرئيس الباكستاني ورئيس الوزراء الهندي ، وهو امر كان من الصعب رؤيته في الماضي . بالاضافة الى ان الصين لعبت دورا خاصا في المسالة النووية الكورية  وان تركز الفعاليات  السبع  انفة الذر في هذا العام بالتحديد ، اظهرت النضوج النسبي للدبلوماسية الصينية .  

تجسد توجه الدبلوماسية الصينية نحو النضوج  ، من حيث الاساس ، في معالجتها للعلاقات مع ثلاث جهات :    

اولا : العلاقات مع الدول العالمية الكبرى : بغض النظر عن  امكانية وجود خلافات دائمة بيننا وبين اي دولة كبرى ، الا ان المسالة الاساسية تكمن في مدى استطاعتنا على التعامل مع هذه الخلافات  بشكل موضوعي ومعالجتها بشكل سليم انطلاقا من تغليب المصالح العليا .  فعلى سبيل المثال ، عملنا وتصرفاتنا في معالجة مسألة المبيعات العسكرية الاميركية لتايوان  هو عمل ملائم وصحيح .    

ثانيا :  العلاقات مع الدول المجاورة  : ان الصين هي من احدى الدول التي تكثر الدول المجاورة لها في العالم .  وان روسيا هي اكبر جاراتها  ، كما  ويمكن النظر الى الولايات المتحدة على انها ايضا دولة مجاورة كبيرة  لنا . فكثرة الدول المجاورة ،  تعطي الصين فضاء رحبا للمناورة الدبلوماسية من ناحية ، كما وتقدم للدول الكبرى فرصة استخدام التناقضات القائمة بيننا وبين الدول المجاورة  بهدف احتواء وكبح الصين  من جهة اخرى .

لهذا ينبغي علينا ، عند معالجتنا للتناقضات مع الدول المجاورة ، الانطلاق من المحافظة على الاستقرار العام للمحيط ، وبذل اقصى الجهود لتجنب ظهور توتر  لفترة طويلة ، و خاصة منع ظهور توتر بين عدد من الدول المجاورة  في ان واحد .    

ثالثا :  مسألة العلاقة بين البناء الاقتصادي والاعمال الاخرى  :  شدد المؤتمر السادس عشر للحزب على مركزية  البناء الاقتصادي  ، وضرورة امتثال جميع الاعمال الاخرى لهذه الوضعية العامة ويجب ان يتركز الهدف الاساسي  للنشاطات الدبلوماسية  على  السعي وراء خلق بيئة  سلمية طويلة الامد ، وتعزيز  تطور اقتصاد بلادنا  عبر الانفتاح على الخارج .    

Miao Hua Shou :استقرار السياسة  علامة " نضوج الدبلوماسية الصينية "

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية وحتى يومنا هذا  ،  والصين تواصل ممارسة سياسة خارجية سلمية مستقلة ، ولاسباب تاريخية واجه تشكيل وترعرع هذه السياسة الدبلوماسية المستقلة صعوبات جمة ..  فمع تقلب الغيوم والرياح الدولية والمهام الداخلية الملحة للصين ، تم تعديلها  وتطوريها وتحسينها بشكل تدريجي . واستنادا  للمتغيرات التي طرأت  على الوضع الدولي  ، وحاجات الصين الداخلية ،  قام الرفيق دنغ شياو بينغ  باجراء تعديلات كبيرة على الساسة الخارجية الصينية ، حيث طرح  ولاول مرة  نظرية  دخول العالم  عصر السلام والتنمية ، دافعا بالدبلوماسية الصينية  للدخول في مرحلة تاريخية جديدة  ..  فمنذ الدورة الرابعة الكاملة للجنة المركزية الثالثة عشر للحزب الشيوعي الصيني  ، شرعت المجموعة القيادية للجيل الثالث للحزب ،  المتمحورة على الرفيق جيانغ تزى مين كنوات لها  ،  في مواجهة حقيقة المتغيرات الحادة التي  طرأت  على الوضع الدولي ،  وقامت على الفور ، ومن وضع متفوق ممتاز ،  بطرح افكار جديدة متكاملة  للاستراتيجية الخارجية الصينية  ذات الخصائص الصينية  ، ومن ضمنها  الحكم الصحيح على الوضع الدولي واتجاه تطوره  ،  ومفهوم الامن  الجديد ،   وقيم التعددية العالمية  ، ودمقرطة العلاقات الدولية  وغيرها من الافكار الجديدة  ، والسياسات السليمة  في المشاركة بالانشطة الدبلوماسية متعددة الاطراف .      

في مسالة المفهوم الامني  : كان المفهوم الامني التقليدي يتجسد اساسا في  التنافس بين دولة واخرى ، بينما  المفهوم الامني الجديد فهو موجه اساسا ضد  التصرفات خارج اطار الدولة  ، كالارهاب والمخدرات  وتهريب الاسلحة.. الخ  والمعنى  الاساسي  لمفهوم  القيم التعددية في العالم  يتمثل بوجود انظمة اجتماعية مختلفة ، ونماذج تطور متنوعة  ، مثلما قال الرفيق  جيانغ تزى مين  ، ان العالم متعدد الالوان  . 

فالاقتصار على وجود  نوع واحد من الحضارة ، ونوع واحد  السياسات ، ونوع واحد من النماذج  فقط ،  غير ممكن على الاطلاق  ..  وفي مجال الدبلوماسية متعددة الاطراف .  كنا في الماضي نهتم فقط بالدبلوماسية الثنائية ، وبعد عام 1993 بدأنا نولي الاهتمام  بالدبلوماسية متعددة الاطراف ، وبدأنا المشاركة في النشاطات التعاونية على مستوى  هيئة الامم المتحدة وكما في الاطار الاقليمي  ..   انه نجاح كبير  حققناه في مجال دبلوماسيتنا . 

ففي السنوات الاخيرة الماضية ،  ظلت الدبلوماسية الصينية  مفعمة بالحيوية والنشاط  في  مواجة تقلبات الوضع الدولي  ..  فقد واجهت الصين سلسلة من الازمات الدولية ، حيث  تعاملت معها ولعبت في معالجتها  دور الدولة الكبرى بمعنى الكلمة ، كالازمة  المالية التي عصفت  بمنطقة  اسيا ، وازمة جنوب اسيا النووية ، وازمة  كوسوفو  ، وحظيت اعمالها ومواقفها على تقييم  جيد من قبل المجتمع الدولي خصوصا في مسالة مكافحة الارهاب .. اضافة الى  استمرار التطور السريع  الذي شهده الاقتصاد الصيني ، ومواصلة ازدياد القوة الشاملة  للدولة ، واقرار المجتمع الدولي بمكانة الصين كدولة كبرى ذات خصائص اشتراكية  ..  كل تلك الظاهر شكلت في مجموعها  " نظرية نضوج الصين " لدى المجتمع الدولي . وحسب فهمي لما يسمى  ب " النضوج "   يعني  استقرار  السياسة الخارجية  الصينيية  .    

اذن وفي  نهاية المطاف ، هل اعتقاد العالم الخارجي بنضوج الصين  أهو نتاج  تغير في  السياسة الصينيية ام انه نتاج تغير في مواقف الغرب تجاه الصين ؟  اعتقد  شخصيا ، انه  في استخدام  تعبير " بدء توجه الدبلوماسية الصينية نحو النضوج " قد يكون اكثر بلاغة  والتشديد على انها  " بدأت تسير نحو النضوج "  وليست ناضجة ، لا  يعني ابدا  بأن السياسة الخارجية الصينية قد تغييرت  او انه حدث تغير جذري على مواقف الغرب تجاه الصين .  فمن جانب الصين ، وبغض النظر عن كيفية تقلبات الاوضاع الدولية  ، فاننا سنواصل ممارسة سياسة خارجية  سلمية  مستقلة ، تهدف الى  الحفاظ على السلام العالمي ، ودفع التنمية المشتركة ومن الطبيعي  ،  ان تقوم  الدبلومسية الصينية   ، مع  تقلبات الاوضاع الدولية ،  بتعديلات ملائمة ،  فكل شيء في نمو وتقدم ، ولا  يوجد  اي شيء  يبقى على حاله دون تغير  .    

Qian Wen Rong:استيعاب مدى اهمية المشاركة الايجابية في الشوؤن الدولية   ومن خلال المشاركة السعي وراء مصلحة الدولة

في النهاية ما هو المقصود بـ "  نضوج الدبلوماسية الصينية "  ؟  بشكل  عام ، ان الدبلوماسية الصينية تنضج اكثر فاكثر ، ويتجسد  ذلك  في  ناحتين :    

الاولى :  ظهرت في معالجة الصين لعلاقاتها مع الدول الكبرى  ، وتشمل العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وروسيا ، خاصة بعد قيام روسيا بتعديل كبير على سياستها تجاه الولايات المتحدة بعد احداث الحادي عشر من  سبتمبر ،  ففي الوقت الذي كانت فيه بعض التقارير ومقالات وسائل الاعلام الداخلية الروسية تنتقد السياسة الروسية تجاه الولايات المتحدة ، كان رد فعل القيادة المركزية الصينية متأن  وهاديء ،  خاصة قيام المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية بالتعبير عن ترحيب الصين  لتطور العلاقات الروسية الامريكية في اليوم التالي  على  توقيع اتفاقية العلاقات الجديدة الامريكية الروسية في الرابع والعشرين من ايار السنة الماضية ، كما اقترنت  تصرفاتنا العملية بذلك  ، وظللنا مستمرين في الاهتمام بتقوية وتطوير العلاقات الصينية الروسية وهذا يشير الى نضوج  الدبلومسية الكبير بالمقارنة مع الماضي .    

الثانية : ظهرت في معالجتها وتعاملها  مع الاحداث الطارئة ،  ومن بينها  التعامل مع الحدث الاكثر بروزا وهو احداث الحادي عشر من  سبتمبر ،  حيث لم تفرحنا مصائب الاخرين ، بل حكمنا على الامر بشكل  فوري  وسليم ،  واستنكرنا الحادثة  ، واغتنمناها فرصة  لتحسين علاقتنا مع الولايات المتحدة  بشكل كبير .    

ما هي التجارب الناجحة للدبلوماسية الصينية ؟  من خلال قراءة التقرير السياسي للموتمر السادس عشر للحزب ، رأى البعض ان هناك  تجارب عشر للدبلوماسية الصينية  خلال الثلاثة عشر  سنة الماضية :  الاستقلالية والتمسك بزمام المبادرة ووضع امن سيادة الدولة في المركز الاول ؛ التمسك بمباديء التعايش السلمي ، وفي نفس الوقت اغنت مضامينها ؛ المحافظة على السلام العالمي ، وتعزيز التنمية المشتركة ؛  التمسك في  الاعمال الخارجية  خدمة للاصلاح والانفتاح ، وخلق بيئة سلمية ؛ التمسك بالمراقبة الهادئة  والمعالجة العميقة ؛  المثابرة في الحفاظ على التعددية  العالمية  ، ودفع تقدم دمقرطة العلاقات الدولية ؛  المثابرة على تشكيل  نظرة امنية من طراز جديد ؛ المثابرة  في الانفتاح على الخارج ؛  المثابرة على دمج  المبدئية والمرونة .. وفي اعتقادي  اعتقد  ان هذه التجارب العشر عكست ناحيتين :    

1- ادراكنا لمدى اهمية  المشاركة الايجابية اكثر فأكثر  في الشوؤن الدولية ( بما فيها المنظمات الدولية ) .  في معالجتنا للشؤون الدولية  ،  استوعبنا  كيفية  السعي  وابراز  مصالح البلاد الوطنية  عند دمدجها مع الشؤون الدولية.    

2- الانتباه الى ان لا نكون  " راسا ولا حاملي  الراية "  اثناء المشاركة . فمثلا بعد احداث  الحادي عشر من سبتمبر ،  لعبت الصين دورا مميزا في تحول الباكستان من دولة مؤازرة  للطالبان الى  دولة  تدعم  الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب .

فقد  اشار  وزير الخارجية الامريكي باول الى  ذلك وبشكل علني في احدى كلماته التي القاها  في نيويورك السنة الماضية  ، كما وعبر عن شكره   للصين ازاء ذلك  ..   وكما القرار رقم  1441 الذي صدر عن مجلس الامن الدولي قبل فترة وجيزة حول عملية التفتيش عن الاسلحة النووية في  العراق ، فقد كان  الموقف الصيني  الى حد بعيد شبيها  بالموقفين   الروسي والفرنسي  ، الا اننا لم نكن الراس في العملية  ، بل  كنا نقوم بعملية التوسط  بين الطرفين ، ولعبنا دورا خاصا  ومميزا في ذلك ايضا .     

Cheng Rui Sheng:ان نضوج  الدبلوماسية الصينية  هو خلاصة  للتجارب  الايجابية والسلبية  منذ تأسيس  الجمهورية    

ان نضوج الدبلوماسية الصينية جاء عبر استخلاص التجارب الايجابية والسلبية للاعمال الدبلوماسية الصينية . فقداحرزت الاعمال الدبلوماسية الصينية  نجاحات كبيرة منذ انشاء الصين ، وسياسة الاستقلال والتمسك بزمام المبادرة هو الخط الاحمر الذي تخلل الاعمال الدبلوماسية الصينية لكن لا يمكن انكار ان الصين سبق لها  وان وقعت في اخطاء دبلوماسية  كبيرة . فعدا عن  بعض الاخطاء النظرية ، كانت هناك اخطاء في السياسة  ذاتها  والتي تمثلت في عدم  استطاعتنا الانطلاق من المصالح العليا للعلاقات الثنائية  عند معالجتنا  للعلاقات الثنائية مع الدول الكبرى او مع دول الجوار  مما ادى الى ظهور  مد كبير وجزر حاد  فيها  . فعلى سبيل المثال العلاقات الصينية الروسية والعلاقات الصينية الهندية والعلاقات الصينية الفيتنامية  التي كانت حميمة في الاصل تحولت الى عداء وعدم انسجام واللجوء الى الاحتكام للسلاح . ولا يمكن القول ان المسألة كلها تقع على عاتقنا ، الا ان هناك ما يستحق منا استخلاص العبر والتجارب  منها  . وكمثال اخر  كنا قد طرحنا  في ستينات القرن الماضي  عدم امكانية تجنب الحرب  والوقوف الى جانب " القتال المبكر والقتال الكبير وشن حرب نووية "  ، اعتقادا منا بأنه حتى ولو  هوجمنا  من الشرق من قبل امريكا واليابان  ، وشمالا من  ورسيا  ،  وجنوبا من الهند ،  ليست بمشكلة  كبيرة بالنسبة لنا  ، وعشنا تلك الفترة محاطين بالاعداء من  الجهات الاربع  .

في فترة السبعينات ،  فترة " الخط الواحد "، فترة التحالف مع امريكا ضد السوفيات  ، فعلى  الرغم من تهدئة العلاقة مع الولايات المتحدة ، الا انه العلاقة مع روسيا وصلت الى الحضيض ، الى حد السيوف المجردة والاقواس الموترة  ..  اضف الى ذلك اننا كنا في تلك الفترة  نقدم الفرع على الاصل  خلال معالجتنا للعلاقة  بين الدبلوماسية والبناء الاقتصادي  داخل البلاد  ، فكنا كمن يلبس معطفه مقلوبا ،  اخضاع  البناء الاقتصادي  للدبلوماسية ، وكانت النتيجة  تموج وتقلب  البناء الاقتصادي مع اي اضطراب او تذبذب  للدبلوماسية ..  

فهل نضجت دبلوماسيتنا بالفعل  ؟  لنجعل الحقائق  والنتائج الموضوعية  حكما على هذا الامر . فاذا كانت السياسة الخارجية الصينية  في صالح استقرار البيئة المحيطة بنا ، وفي صالح  البناء الاقتصادي الداخلي ، وفي صالح السلام والتنمية في العالم ، بالاضافة الى عدم فقداننا  لسيادة وطننا ووحدة اراضيه  ، فتكون سياستنا الخارجية  قد نضجت  ..  وخلاصة القول ان الدبلوماسية  تقوم على  اساس القوة الوطنية الشاملة للبلاد ، وهذا ما مكننا من النجاح في طلب استضافة الالعاب الاولمبية 2008 ودورة  المعرض الدولي لعام 2010 ..  فالتجارب التاريخية تؤكد  على عدم وجود دبلوماسية  للدول الضعيفة  .    

Miao Hua Shou : الحكم السليم على الاوضاع  هو اساس  السياسة  الدبلوماسية  الصحيحة    

ان السياسة الدبلوماسية للصين تسير نحو الاستقرار والتحسن  ،  وتسير نحو النضوج التدريجي ، وهة  نقطة  لا غبار عليها  ابدا  . اذن ما هي التجارب الناجحة للسياسة الدبلوماسية الصينية  التي يجب  العمل على تعزيزها  والمضي بها قدما الى الامام  ؟  اعتقد اهمها  يتمثل  في النقاط التالية :    

اولا : الحكم السليم على الاوضاع الدولية واتجاه تطورها هو الاساس الصحيح للسياسة الخارجية الصينية . ففي هذه النقطة ، ان سياسة الثماني والعشرين  مقطعا  صينيا لدنغ شياو بينغ   "  الترقب الهاديء  ؛ الوقوف بثبات ؛  المعالجة المتزنة ؛ التربص للفرص ؛  البراعة في البلادة ؛  رفض القيادة ؛ انجاز الممكن انجازه "  لا زالت تتحلى بمغزى قيادي حتى اليوم  ..  ولو عدنا للوراء قليلا  لوجدنا انه وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر  وخاصة في نهاية عام 2001 وبداية عام 2002 ظهر هناك الكثير داخل البلاد من يعتقد  بأن الاوضاع قد تغيرت  ،  وان الحكم  على " ان السلام والتنمية يشكلان  سمات العصر " قد  انتهى ،  وان كل افعال وتصرفات الولايات المتحدة تنطلق من اعتبار  الصين المنافس الرئيسي لها  وتعمل على خلق  وضع  محيط  تطوق به الصين  ..  الا ان الرفيق جيانغ تزى مين وبعد تفكير معمق ورزين  خرج برؤية  تؤكد على ان السلام والتنمية لا زالا  يشكلان  سمات العصر .  كما واكد الرفيق  جيانغ تزى مين  على ذلك في  خطابه  الذي القاه  في  " الحادي من  تموز "  لعام 2001  ،  وفي المحاضرة التي القاها في معهد  السياسة الخارجية الالمانية  في ابريل 2002  ،  وفي التقرير الذي قدمه للمؤتمر الوطني السادس عشر  للحزب الشيوعي الصيني .     

ثانيا : اغتنام الفرص ، والحماس الايجابي ، ومواصلة تحسين البيئة الدولية  للصين ، وخاصة البيئة المحيطة بالصين  ..  وبدون مبالغة اقول  ان الصين تعيش حاليا احسن فتراتها ،  سواء  على مستوى العلاقات  مع دول الجوار او على مستوى البيئة المحيطة لها  منذ تأسيس  جمهورية الصين الشعبية ،  وهذا هو احد الاسباب الرئيسية  التي مكنت الاقتصاد الصيني  من التقدم والتطور السريعين .    

ثالثا:  ان الدعوة الى مفهوم امني جديد ، جوهره  الثقة المتبادلة  والمصلحة المتبادلة  والمساواة والتعاون ؛ ودمقرطة العلاقات الدولية  ؛ وتطوير نماذج التعددية ، هو  ما قدمته الصين من اسهامات جديدة وابداعات نظرية جديدة  للمحافظة على الامن الدولي  من خلال  علاقاتها الدولية ..    

رابعا:  اقامة دبلوماسية اقتصادية بقوة  تخدم البناء الاقتصادي داخل البلاد  وان السياسة الخارجية التي طرحها المؤتمر السادس عشر للحزب  تهدف اساسا  الى خدمة  تحقيق  الهدف الاستراتيجي للدولة  المتمثل في اقامة " مجتمع ميسور  متكامل ، فخدمة الدبلوماسية  للبناء الاقتصادي هو من الامور البديهية والمسلم بها .           

خامسا : تطوير العلاقة مع الدول الكبرى والدول النامية هو الفحوى الرئيسي للسياسة الخارجية الصينية .  فلدى الصين تجارب كثيرة في هذا المجال مثلا  سياسة " عدم التذلل وعدم التكبر ، ومجابهة الضغوط ، واستخدام التناقضات ، والاكثار من الاعمال الاقناعية " التي انتهجناها  مع الدول الغربية ، استطعنا  تحطيم العقوبات التي كانت مفروضة علينا من قبل الغرب ؛ اما سياسة  الستة عشر مقطعا صينيا التي انتهجناها مع الولايات المتحدة  " تعزيز الثقة ، وتقليص المتاعب ، وتطوير التعاون  ، وعدم المجابهة  " فقد  رسمت  توجها واضحا وسليما  لتحسين وتطوير العلاقة معها اما  في  مسالة مكافحة الارهاب ، فقد لاقى  موقفنا المتمثل في ان تكون  " الاهداف الواضحة ، والادلة دامغة ،  والمعالجة جذرية ، وعدم الكيل  بمكيالين ، وعدم  ربط الارهاب بقومية معينة او بدين محددة  " الدعم والتثمين المتزايدين من قبل  دول العالم  ،  ورفع بشكل كبير مكانة الصين في المجتمع الدولي .    

سادسا: المشاركة الايجابية في الاعمال الدبلوماسية متعددة الاطراف ، جعل من الدبلوماسية متعددة الاطراف مسرحا هاما  لرسم  صورة الصين للعالم ، وتوسيع تاثيرها على الساحة الدولية .     

سابعا:  الدفاع بثبات عن  سيادة  الوطن وكرامة الامة  .    

Cheng Rui Sheng : تقوية الوعي  بالمحن  وتقوية البصيرة  لمواجهة التحديات    

وباختصار اقول  ، ينبغي على النشاطات  والاعمال الدبلوماسية الصينية ان تقدم خدمات اوسع  لعملية الانفتاح على الخارج  الانفتاح على الخارج ومعالجة الاوضاع بثبات ، وخلق وضع جديد ، من اجل الفرص الاستراتجية الهامة وبناء مجتمع ميسور متكامل  خلال العشرين عاما القادمة . وللتفصيل  نبرز النقاط التالية :    

1- العمل وبجهود كبيرة على استقرار العلاقات الصينية الامريكية بجهود ، وفي الوقت الذي نعزز فيه  التعاون في المجالات ذات المنفعة والمصالح المشتركة ، علينا معالجة الخلافات التي تنشأ معها بسبب سياسة  التفرد التي تنتهجها بشكل هاديء وسليم  ، وتجسيد حيوية اكثر في مسالة تايوان .    

2- الاستمرار في تقوية علاقات التعاون والتنسيق الاستراتيجية مع روسيا  .    

3- في مجال العلاقات مع الدول المجاورة ، فان اليابان والهند ما زالتا تشكلان حلقتين ضعيفتين كبيرتين ، وعلينا التعامل  والعمل معهما  من خلال سلسلة افكار جديدة  .. فعلى مستوى العلاقات  مع اليابان ،  ينبغي وضع مسالة التاريخي  في المكان المناسب والتقليل من تأثيراتها وازعاجاتها  على العلاقات الثنائية  . 

بينما على مستوى العلاقات مع الهند ، فنحن بحاجة  الى تعديل اكبر  على سياستنا تجاهها  ،  وتحرير  الافكار تجاه المسائل الحدودية التي خلفها التاريخ ، والسعي وراء حلها بسرعة  ، والعمل على انشاء الية مشاورات ثلاثية  صينية روسية هندية ..    

4- تقوية التضامن والتعاون  مع العالم الثالث  وتوسيع مجالات التعاون معه  . وفي مجال مكافحة الارهاب ، علينا طرح موقف واضح وجلي خاص بنا ، وتحليل جدي لمنابع ومصادر الارهاب .  اخيرا  ، نحن بحاجة  الى تقوية الشعور والوعي بالمحن  ، والاستعداد للمخاطر في اوقات السلام  ،  وتقوية البصيرة تجاه  مختلف المخاطر  والتحديات التي يمكن ان تظهر ، والشروع الفوري في رسم  الخطط  واتخاذ الاجراءات لمجابهتها .    

Miao Hua Shou: المحافظة على اليقظة الواعية ، والتقييم الصحيح لقوتنا ، وعدم النضال من اجل  فوز مؤقت اومكاسب زائلة    

اود  ان  اشير الى عدد من  الاّراء :    

اولا:  ينبغي التقييم الصحيح للقوة الشاملة  لبلادنا  .  فالتقييم المفرط لقوة بلادنا  لا يتوافق  مع الواقع  ، ولا يصب  في مصلحة  تطور البلاد ، اضافة الى انه يفتح  المجال امام الاخرين  للشك بنا  (  القوى المعادية لا تفكر بالنوايا الحسنة تجاه  الصين ) .  ويجب علينا ان لا ننسى بان الصين مازالت دولة نامية كبيرة .    

ثانيا: علينا المحافظة على اليقظة الواعية عند معالجتنا للمسائل الدبلوماسية والقضايا  الدولية الكبيرة والهامة ، والاستعداد للمخاطر في اوقات السلم

وفي حال تعرض الوضع الدولي والعلاقات الثنائية الى عراقيل وصعوبات ، علينا  الانطلاق من  المصالح الاساسية  للبلاد ، والنظر بنظرة عليا بعيدة المدى ، والتفكير بعيدا  ، لتجنب تأثر المصلحة العامة لفكرة او مسألة  ما نريد معرك عقول ودهاء  وليس معارك مشاكسة ومعاندة  ، ولا التزاحم على  فوز مؤقت او مكاسب زائلة .    

ثالثا: الاهتمام بالاعمال تجاه دول منطقة  وسط وشرق اوروبا . ان  دول  منطقة وسط وشرق اوروبا ليست  فقط  بسوق كبير كامن  ، بل هي  ايضا جسر العبور لغرب اوروبا ، فينبغي على الصين اغتنام الفرص  لتقوية العلاقة مع جميع دول هذه المنطقة ، ما دام ذلك يصب في  مصلحة كبح نزعة التفرد ؛ وازدياد تعاظم التعددية في العالم ؛  وفي مصلحة تنمية  بلادنا  ؛ وفتح اسواق اسواق دول اواسط وشرق اوروبا ؛  وصولا الى  شق  طريق  جديد لدخول السوق الاوروبي .    

Qian Wen Rong : مع  النمو والتطور   تعدت المصالح الوطنية  حدود الصين  ضرورة  اتخاذ الاحتياطات اللازمة واقرار استراتيجية دبلوماسية  طويلة الامد

بالنسبة  لمسالة كيفية تحسين الدبلوماسية الصينية ، اعتقد اننا  ، وعلى اساس استخلاصنا للعبر والتجارب الذاتية ،  لسنا بحاجة الى سياسة محددة فقط ، بل بحاجة اكثر الى استراتيجية دبلوماسية متوسطة  وطويلة الامد  .    

او يمكن القول ،  بحاجة الى وجود هدف استراتيجي دبلوماسي يتوافق مع بناء الصين لمجتمع ميسور متكامل في العشرين سنة االقادمة  ، وبحاجة ايضا الى دمج الاعمال الدبلوماسية الانية مع الاهداف الاستراتيجية الدبلوماسية العالمية او الاقليمية المتوسطة منها  والطويلة .    

فدولة كبرى مثل الصين ، عليها ان لا تفكر فقط  في الهدف الاستراتيجي  للبناء الاقتصادي خلال العشرين سنة القادمة فقط  ، بل عليها ايضا  التفكير ماهية المصالح الوطنية الصينية فيما بعد تحقيق المجتمع الميسور المتكامل  .  فقد تجاوزت المصالح الوطنية الصينية  اطار التراب الوطني الصيني   ،  فعلى سبيل المثال  هناك  40%  من بترولنا المستورد يأتي  من  منطقة الشرق الاوسط ، لهذا  نقول  ان الوضع في منطقة الشرق الاوسط  له علاقة مباشرة  مع المصالح الوطنية الصينية .  ان المواد الخام للمنتوجات المعدنية  لا تفي  بحاجة  النمو السريع  للاقتصاد الصيني  ، فنحن بحاجة الى استخدام الثروات الاجنبية على اساس  مبدأ المساواة والمنفعة المتبادلة  ، فاذا لم نقم  الان  بوضع خطة متكاملة ، فان مثل هذه المشاكل ستبرز اكثر بعد عشرين عاما .  فحل هذه المسالة يحتاج الى استرايجية دبلوماسية طويلة الامد ، بما فيها دبلوماسية سياسية ، ودبلوماسية اقتصادية ، واستراتيجية امنية .. الخ  . 

وان حدوث تحسن كبير نسبيا على العلاقات الصينية الامريكية بعد احداث الحادي عشر من  يتوافق وومصالح  شعبي البلدين  ، الا  انه  في مجال تطور العلاقات الصينية الامريكية ، لا يمكن  ان نرى فقط  حاجة الولايات المتحدة اليوم الى تعاون وتاييد الدول الكبرى من اجل مكافحة الارهاب ، بل ينبغي التفكير بحقيقة الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة في الهيمنة على العالم .  

ومع حلول العام الجديد اتخذت الولايات المتحدة ثلاث قرارات  خلال اسبوع واحد فقط  أضرت وبشكل مباشر بالعلاقات الصينية الامريكية : اتهام الخارجية الاميركية لشركة بيونغ وشركة شيوس بنقل تقنية فضائية الى الصين ؛ الطلب من اسرائيل مرة اخرى بوقف  مبيعاتها العسكرية  للصين ؛ ارسال البنتاغون لفريق من المسؤولين العسكريين الامريكان للمشاركة  في المناورات العسكرية واسعة النطاق HAN GUANG 19  الرجل الساطع 19 " التي تجريها تايوان هذا العام .  أتخذت هذه القرارات  بعد احداث الحادي عشر من  سبتمبر ، وفي  الوقت الذي كررت فيه القيادة الامريكية زعمها بأن الصين  دولة  " صديقة وليست عدوة  "، وفي ظل تعهداتها في الالتزام بسياسة " الصين الواحدة " وبـ "  البيانات الثلاثة المشتركة "  .

وهذا كاف ليوضح بأن الولايات المتحدة ما زالت تنظر الى الصين على انها " العدو الكامن "  وعدم تخليها عن سياسة كبح الصين .   وعند وضعنا واقرارنا  للاستراتيجية الدبلوماسية وللسياسات التفصيلية لها  ، ينبغي وجود  تقديرات كافية لمثل هذه المسائل  .  فاذا ما اقتصر نظرنا على ما هو امامنا  فسوف نتكبد  مستقبلا خسائر وخيمة .  لذا ارى من الضروري  على  الدبلوماسية  الصينية  رسم استراتيجية طويلة المدى  وتحديد الاهداف  الاستراتيجية.      

Yan Xue Tong : المحافظة على المصالح الوطنية بحدها الاقصى  والتمييز بين المصالح الجوهرية وغير الجوهرية ،  العمل ما يمكن عمله هي علامة نضوج الدبلوماسية الصينية .

اعتقد ان احد  اهم الاسباب  لظهور نظرية " نضوج الدبلوماسية الصينية" عام 2002  هو  التغيير الذي طرأ على  موقف الولايات المتحدة تجاه الصين .  تعتقد الولايات المتحدة بان الصين نسقت  وتعاونت معها في مكافحة الارهاب ، لذا يقال ان " الدبلوماسية الصينية ناضجة " في هذه الحالة ، هل طرأ علينا نحن اي تغير ؟ طبعا هناك تغير قد طرأ ، ويمكن تلخيص هذه التغيرا في نقاط ثلاث  :    

اولا : وضحنا بشكل اكبر ان المصلحة هي مقياس السياسة  للصين ،  وليس  شكل السياسة جيد او غير جيد  هو المقياس لها  كنا  في الماضي دائما ما نردد ونقول ، ان الصين تقرر سياستها الخارجية استنادا الى احقية الامور وبطلانها  وهذا معيار سياسي  تكثر فيه العوامل العاطفية . اما الان  فينبغي على الصين  ان تتخذ من المصلحة الوطنية معيارا لسياستها الخارجية . وبجملة واحدة  نقول ، ان محافظة السياسة الدبلوماسية على الحد الاقصى لمصالح الصين  الوطنية  من عدمها  ؟   هو من اهم  الدلالات على نضوج  الدبلوماسية الصينية من  عدمها  .    

ثانيا : ان اهداف  السياسية الصينية  قريبة  من  قوتها  .  لقد حددنا بوضوح مكانتنا الدولية ،  فكم من قوة  نمتلك  ، نقوم بالمقابل  بحجمها  من اعمال  ،  اي السير وفق قوتنا  . واكثر الامثلة نموذجية على ذلك ، كنا في الماضي  قد طرحنا   "دفع  وتعزيز  اقامة  نظام دولي  جديد  " ،  بينما طرح المؤتمر السادس عشر للحزب بوضوح " ان موقف الصين  يدعو الى  اقامة  نظام  سياسي واقتصادي دولي جديد عادل ومعقول " . 

وهذا لا يعني فرق في الكلمات فقط ،  بل  يحتوي على فرق كبير في المغزى .  وان احد مظاهر نضوج الدبلوماسية الصينية يتمثل في عدم تأكيدها  على اقامة  نظام دولي  جديد ،  بل الانضمام الى النظام الدولي القائم  والمعمول به حاليا ، مثل الانضمام الى منظمة التجارة العالمية وليس تغيير او اصلاح  منظمة التجارة عالمية  ،  ولا انشاء منظمة تجارة عالمية  جديدة . فقد تغير هدف السياسة الدبلوماسية من انشاء نظام دولي  جديد الى  الانضمام  لهذا  النظام ، وجاء هذا التغيير الكبير كون  الاول ( اقامة نظام دولي جديد )  لا يقوى على فعله حتى الدول العظمى  ،  فيصعب  على  قوة  دولة اقليمية  كبرى  تحقيق هذا الهدف  .    

ثالثا :  لقد وازنا  بين هدف السياسة الاقتصادي وهدف السياسة الامني .  كنا في الماضي دائما ما نبرز  اهمية النمو  والتطور الاقتصادي ،  وعدم  التأكيد والتشديد  على اهمية امن الدفاع الوطني  . فان اي سياسة خارجية  لا تنظر الى امن الدفاع الوطني كأساس للنمو والتطور الاقتصادي ،  من الصعب  اعتبارها  سياسة ناضجة  .  لقد شاركت بلادنا في الفترة الاخيرة بالعديد من الفعاليات  والمؤتمرات الدولية ، حيث لاقت  فيها اقتراحاتنا  في مجال التعاون الامني الدولي  اهتماما كبيرا من  المجتمع الدولي . 

اعتقد ان مقياس تقييم  نضوج  دبلوماسية أي  دولة يقوم على  ثلاثة امور :    

- هل المباديء الاساسية لهذه الدبلوماسية تقوم على اساس المصالح الوطنية     

- هل أهدف السياسة الدبلوماسية متوافق والقوة  الوطنية للدولة  .    

- هل بامكانها تمييز مستوى اهمية  مختلف المصالح الوطنية للدولة  عند الاحوال الموضوعية  الخاصة ..    

وبناء  على النقاط الثلاثة انفة الذكر  ،  اود الحديث عن رأي حول الخطوة القادمة  للدبلوماسية  الصينية  وكيفية " نضوجها اكثر " ..  هناك ثلاثة امور على الدبلوماسية الصينية الاهتمام  بها :    

اولا : التميزبين اكثر وضوحا بين المصالح الجوهرية  والمصالح غير الجوهرية .اعي ان  السياسة الصينية  خلقت من اجل المحافظة على المصالح الوطنية ، الا انه يتوجب علينا عند  تحديد السياسة  التمييز الواضح  بين المصالح الجوهرية والمصالح غير الجوهرية  والامر الاخر  ليس كذلك ، حتى  يمكن القول في بعض الاحيان  على نقيض منه  . 

وهنا اود التأكيد على مسألة تايوان . وهنا علينا التوضيح بأن تايوان هي  من المصالح الوطنية الصينية الجوهرية ، ولا يوجد فيها اي امكانية للمقايضة او التنازل . فعندما تتخذ الولايات المتحدة من تايوان " حليفا خارج الناتو" ، تكون  الولايات المتحدة وتايوان قد شكلتا في الحقيقة  حلفا عسكريا يهدد وبشكل جوهري الامن الصيني . فاذا ما  تعاملنا معه  كتعاملنا مع  زيارة كاسومي  رئيس الوزرا ء الياباني  لمقبرة  ارواح نصب قتلى العسكريتاريا اليابانية  ،  يتضح اننا لم نقم بالتمييز  بين اهمية المصالح الوطنية .    

ثانيا : التمييز الجيد بين تكتيكاتنا تجاه الاقاليم المختلفة . يجب علينا معرفة ان الصين هي دولة اقليمية كبرى  وليست دولة عالمية كبرى . فبالنسبة للصين فان مصالحها الاستراتيجية تكمن أساسا  في المناطق المحيطة  .  فهذا ينطبق على اعمالنا الدبلوماسية  وعلى  ديناميكية  السياسية  ،  فان ما تحرزه من نتائج في المناطق المحيطة افضل من النتائج التي تحرزها في المناطق البعيدة  . ان اهم الضغوط الاستراتيجية الحالية  على الصين  مصدرها اساسا  الولايات المتحدة ، وفي ظل هذه الظروف ينبغي علينا ابراز " سياسة حسن الجوار "  أكثر من اي وقت مضى ، والاتخاذ من الدول المحيطة اساسا لاعمالنا الدبلوماسية الدبلوماسية . 

ان اعمالنا الدبلوماسية  في بداية تسعينات القرن الماضي كانت مركزة اساسا  على الولايات المتحدة  ،  وذلك بسبب سياسة العزل التي انتهجتها   الكثير من الدول ، بما فيها دول الجوار،  تحت قيادة الولايات المتحدة  تجاه الصين .  اما الان  وقد اختلفت الاحوال  والظروف ،علينا  اجراء تعديلات مناسبة على سياستنا الدبلوماسية . 

في فترة من  فترات العام الماضي  ، روجت وزارة الدفاع  والكونغرس الامريكي  "  نظرية الخطر الصيني " ، الا ان جميع دول جنوب وشرق اسيا  والدول المجاورة ( باستثناء اليابان ) لم تردد هذه النظرية  . وهذا  يدل  على  ويوضح  انه في حال ما احسنا انتهاج سياسة  " حسن الجوار "فلا يمكن للولايات المتحدة  كبح  الصين .  لذا فان اهمية دول الجوار بالنسبة لنا  اكثر اهمية  من الولايات المتحدة  .

اهمية الولايات المتحدة   تكمن في قدرتها  على  خلق الضغوط علينا، بينما اهمية  الدول المجيطة  تكمن في  قدرتها على تخفيف  الضغوط الامريكية عنا ...    

ثالثا : بحاجة الى تقوية حيوية التكتيك الدبلوماسي .  اعتقد ان الاهداف  الاستراتيجية الدبلوماسية للصين عادت واضحة جدا ،  الا  وهي  تحقيق النهضة الوطنية ،  الا انه ينقصنا  التكتيك  الدبلوماسي لفترة متوسطة من خمس سنوات . ان الاهداف  الاستراتيجية  للدولة  يجب ان تكون طويلة الامد ، الا ان تكتيك تحقيق هذا الهدف   يتم عن طريق  الفترات القصيرة والمتوسطة ، وفي تغير مستمر  بما يتلائم  ورد الفعل . 

ظل الوضع الدولي  على مر التاريخ  معقد وفي تغير كبير ومستمر  ، الامر الذي  يستلزم  وجود قدرة  تغيير  لدى السياسة الخارجية الصينية  بما يتلائم  والمتغيرات الدولية  . او القول انه اذا ارادت السياسة الخارجية الصينية ان تنضج اكثر ، فينبغي عليها تقوية حيوية السياسة الخارجية .     

المصدر: مجلة WORLD AFFAIRS الصينية