مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين

 

 

الكتاب : مسار الدبلوماسية - العالمية ودبلوماسية القرن العشرين

المؤلف : د. عبد الهادي بوطالب

عدد الصفحات: 125

الناشر: دار الثقافة - الدار البيضاء

عرض : محمد عيادي

 

تعرف القواميس الدبلوماسية بأنها مشتقة من لفظ "دبلوم" أي الوثيقة الرسمية التي كانت ولا تزال تمنح للمبعوثين الرسميين لاعتمادهم لدى سلطات البلد الموفدين إليه، كما تعرفها القواميس نفسها بأنها الفرع من السياسة الذي يعنى بالعلاقات بين الدول ويرعى المصالح الخارجية للدولة ويتفاوض باسمها مع الآخرين ويتابع تنفيذ الاتفاقيات.

وبعيدا عن اشتقاق الدبلوماسية اللفظي من كلمة "دبلوم" أو الشهادة، اعتبر الدكتور عبد الهادي بوطالب - وهو سفير سابق - في كتابه :

"مسار الدبلوماسية العالمية ودبلوماسية القرن الواحد والعشرين"

أن الدبلوماسية أداة العمل السياسي المستعملة في إدارة العلاقات الخارجية لدولة معينة بأداء سليم.

نماذج تاريخية

تتفق شهادات التاريخ السياسي العالمي على أن عمر الدبلوماسية العالمية طويل وممتد إلى حيث دخل العالم عهود الحضارة السياسية، بحيث ذكرتها قصص إلياذة "هوميروس" عندما تحدثت عن الضمانات التي أعطيت للمندوبين عن كل معسكر خلال المحادثات التي كانت تجري بين المتحاربين للاتفاق على هدنة أو سلام. وبعدها ذكر عددا من الأمثلة من العهد القديم والتاريخ اليوناني والروماني وكذا من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية في العصر الوسيط، حيث كان السفراء بمثابة مفاوضين مع الخارج دون أن يكونوا دائمين لكن مع عناية خاصة بطقوس البروتوكول.

تطرق بوطالب أيضا لدبلوماسية الرسول محمد ( ص ) في بداية القرن السابع الميلادي بعد استقرار دولة الإسلام الأولى بالمدينة، ورسائله المختومة بخاتمه إلى كسرى فارس وهرقل قيصر الروم وغيرهما، موضحا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل "أساليب الدبلوماسية ففاوض خصومه وأبرم معهم الصلح ودخل مع بعضهم في حوار وعقد معهم اتفاقيات احترام متبادل وتعايش معهم في سلام واحترام كل دين للدين الآخر، والتقيد بمقتضيات الاتفاق المبرمة بينه وبين الغير".

وفي السياق نفسه نفى أن يكون فرنسوا كاليير -أحد دبلوماسيي لويس الرابع عشر- أول من ألف عام 1716 كتابا عن الدبلوماسية بعنوان "طريقة التفاوض مع الملوك"، موضحا أن السيرة النبوية دونت تفاصيل مفاوضات الرسول مع الملوك والأباطرة ونشرت رسائله إليهم كما دونت الاتفاقيات التي أبرمها مع غير المسلمين من قبيل صلح الحديبية مع قريش، وهي وثائق تتوفر لها جميع الشروط لوصفها بالدبلوماسية.

التكنولوجيا وثورة الدبلوماسية

عرف العالم ثلاث ثورات كبرى كانت الأولى زراعية والثانية صناعية والثالثة معلوماتية غيرت النسيج والسلوك الاجتماعي العالمي وأنماط التفكير البشري، وكانت تلك الثورات برأي بوطالب بمثابة موجات مختلفة الوتيرة انعكست على العمل الدبلوماسي للدول تبعا لطبيعة الموجة التي تركبها، حيث تحتل الدبلوماسية الأميركية الطليعة متبوعة بدبلوماسية أوروبا واليابان، فيما يسير العالم الثالث "بسرعة السيارة في أحسن الأحوال، هذا إذا لم تسر دبلوماسيته على وتيرة سير السلحفاة عندما تكون في موسم الحركة والتنقل".

ويركز الكاتب في هذا الباب على التطور الهائل على المستوى التكنولوجي والمعلوماتي والتواصلي أو الاتصالاتي الذي يبدأ من اعتماد الحصان والرسول لحمل الرسالة أو الحقيبة الدبلوماسية وصولا إلى البريد الإلكتروني، ومن قطع المسافات للقاء مسؤول الدولة مع مبعوثيه الدبلوماسيين إلى اللقاء والحديث المباشر بالصورة والصوت من أماكن بعيدة.

وبفضل هذا التطور تزعمت الولايات المتحدة النظام العالمي الجديد وأخذت تمارس فيه دور القطب الأعظم الوحيد، مستفيدة من نجاح دبلوماسيتها في استقطاب أغلبية الدول للانخراط في نظام العولمة، وتمكنت من ضبط علاقات الأمم بأساليب سريعة الأداء واكتساب فعالية لا تقدر على مجاراتها فيها أي دبلوماسيات دول عظمى.

فقد ألغت ابتكارات تكنولوجيا الاتصال المتطورة الحدود بين الدول وأغنتها عن آليات الدبلوماسية التقليدية بظهور أجهزة اخترقت الحدود الزمانية والمكانية بحيث لم تعد المعلومة حصرا على تقارير السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وآلياتهم التقليدية.

وباتت الدبلوماسية العصرية هي هذا الاتصال، إذ لا دبلوماسية فاعلة بغير أساليب التواصل التكنولوجي في تلقي المعلومات وإرسالها بشكل أسهل وأشمل وأسرع.

لقد وفرت التكنولوجيا المتقدمة للدبلوماسية الوقت وأعفت السفراء من الحضور إلى بلدانهم لتقديم المعلومات بشكل دوري، وبات متيسرا عقد الاجتماع مع المسؤولين من مكاتبهم على غرار الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة التي تعقد مجالسها الإدارية عبر الأقمار الاصطناعية في جلسة مفتوحة بالصوت والصورة، وهو الأمر الذي لم يعد معه أمام الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي مفر من إعادة النظر في بنياتها وآلياتها وفق مستجدات التقدم التكنولوجي في ميدان الاتصال والتواصل حسب قول المؤلف.

دبلوماسيات مختلفة وجديدة

باتساع وتنوع مجال العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تنوعت الدبلوماسية وتعددت أشكالها وأغراضها، وبذلك انضافت إلى وزارة الخارجية وبعثاتها الدبلوماسية أجهزة دبلوماسية جديدة منها ما هو رسمي علني ومنها ما يعمل في الخفاء، وكلاهما يدخل في إطار الدبلوماسية الموازية.

فأما الرسمي منها فمنه ما هو محفوظ لرؤساء الدول من خلال نظام القمة التي تتخذ فيها القرارات بخصوص القضايا السياسية الكبرى، ومنه ما يصطلح عليه بدبلوماسية المنظمات العالمية والجهوية التي تضع السياسات في بعض القطاعات وتتابع تنفيذها، ولا يبقى لوزراء الخارجية إلا تطبيق توجيهاتها.

وأما الدبلوماسية السرية الموازية فقد عهد بها إلى أجهزة المخابرات التي أصبحت من أهم الوسائل التي يعتمد عليها رؤساء الدول في تصريفهم للشؤون الخارجية، وهي تشكل منافسا قويا للجهاز التقليدي (وزارة الخارجية) بل مراقبا له عن بعد ومقيما لعمله ومصححا لمعلوماته وتعطي عن أدائه تقارير سرية لرئيس الدولة مباشرة.

ومن الأجهزة المباشرة للدبلوماسية الموازية الفعاليات التي تدخل في ربط علاقات متخصصة بين الدول بحكم وظيفتها ونوعية تخصصها من قبيل البعثات البرلمانية والغرف التجارية والمقاولات والملتقيات الثقافية والعلمية وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وكلها فعاليات ذات دور مؤثر في القرار السياسي ولها مكانتها في خضم التنافس الذي لا يزال يشكل أهم الثوابت للعلاقات الدولية، فضلا عن دبلوماسية وسائل الإعلام التي تسبق البعثات الدبلوماسية في إيصال الخبر والتعليق عليه وتحليله وتقييمه بخبرة قد تفوق خبرة بعض الدبلوماسيين.

ونظرا لتنوع حقول عمل الدبلوماسية العالمية فقد تنوعت أشكال الدبلوماسيات الوطنية فظهرت الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والإعلامية والرياضية وغيرها من الحقول التي تلتقي عليها العلاقات الخارجية وتقرب بين الشعوب.

غير أن الدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية تتزعمان الدبلوماسية العالمية خاصة في ظل سيادة نظام العولمة، إذ لم تعد أغلبية المفاوضات ذات طابع سياسي وتخلت الدبلوماسية السياسية عن دورها لفائدة الدبلوماسية الاقتصادية والتقنية.

هاتان الدبلوماسيتان دعمتا بأخريين مهمتين هما الدبلوماسية الوقائية والافتراضية كشكلين جديدين من أشكال الدبلوماسية المعاصرة، وتعني الأولى مجموعة من التدابير التي تتخذها الدبلوماسية لتوقي ظهور توتر خطير أو نزاع منذر بالحرب أو تلافي دخول دولتين في حرب وتوقي استخدام دولة نووية سلاحها باعتماد خيار التفاوض وكل ما من شأنه إنهاء النزاعات وتكريس الاستقرار.

أما الثانية فتستحضر جميع السيناريوهات المحتمل وقوعها وتفترض وقوعها جميعا لتحدد التدابير التي على الدبلوماسية اتخاذها لمواجهتها، معتمدة بالأساس على وسائل الاتصال والتقنيات التكنولوجية.

في هذا السياق بدت دبلوماسية العالم الثالث على وجه الخصوص عاجزة عن التحكم في قواعد اللعبة التي تدور أشواطها في المحافل الدولية، ولم تستطع الحفاظ على الانتصارات التي حققتها في الستينات، نظرا لعدم مسايرتها لتطور الأحداث والتقدم التكنولوجي وبالتالي ضعف جهازها الدبلوماسي، الأمر الذي استغله الغرب لصالحه وبنى عليه إستراتيجية جديدة لفرض نفوذه السياسي والاقتصادي على العالم الثالث.

ويرى الدكتور عبد الهادي بوطالب أن العلاقات الدولية ستظل في الأمد القريب والمتوسط متأثرة باختيارات الولايات المتحدة وتوجهاتها لما لها من نفوذ اقتصادي وعسكري لن تتخلى عنه مهما كان الثمن.

غير أن ذلك يجب أن لا يفقد الدبلوماسية في العالم الثالث الأمل في ظل وجود إطار مؤسساتي ممثل في منظمة الأمم المتحدة والهيئات الجماعية الأخرى التي من شأن تفعيلها وتقوية دور الإطار المؤسساتي وتهذيب سلوك الدول احتراما للرأي العام العالمي.

وبناء على ما سبق خلص الكاتب إلى أن أهم أهداف الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين يكمن في ترسيخ النمط الجماعي لتدبير العلاقات الدولية لأنه سينعكس في استتباب الأمن والسلم الدوليين، خاصة إذا تيسرت سبل نجاح مشروع الدبلوماسية الوقائية.

أبعاد دبلوماسية المغرب الحديث

تطرق بوطالب في كتابه إلى محطات من دبلوماسية المغرب الحديث وانخراطها في منظومة الدبلوماسية العالمية وانشغالها باهتماماتها، مستعرضا نماذج من أحداث الستينات والسبعينات والثمانينات.

وقال إنها كانت مرموقة ونشطة في المنظمات الدولية وقوية بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني بحيث أصبحت مرجعية مؤثرة في الأحداث بدليل احتضان المغرب عددا من القمم العربية والأفريقية والإسلامية وترؤسه لها والحديث باسمها، فضلا عن دوره في النزاع العربي الإسرائيلي ومسلسل السلام واستشارة الفلسطينيين له باستمرار.

لقد تركت الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين بصماتها على عدد من المحطات في مسار الدبلوماسية العالمية، وفي هذا السياق تم عقد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أواخر 1995 واحتضنت مراكش انطلاقة منظمة التجارة العالمية التي عوضت منظمة الغات.

واعتبر بوطالب أن أهداف الدبلوماسية المغربية التي كانت متوخاة في القرن الماضي لا تزال أهدافا ثابتة بالنسبة للقرن الجديد لأنها تنبثق من انتساب المغرب وانتمائه الحضاري، موضحا أن الدبلوماسية المغربية تقوم على عدة ركائز وأبعاد، أولها البعد القومي الذي يجب ترسيخه من خلال تقوية هويته الأصيلة وخصوصياته الثقافية ورصيده التاريخي والتعبئة الشاملة للقضية الوطنية الترابية لمواجهة خصومها.

يليه البعد الأفريقي والعربي والإسلامي لأسباب روحية وثقافية وتاريخية وكذا لأسباب سياسية واقتصادية، على اعتبار أن العالم الإسلامي يشكل أوسع مجموعة بشرية في الوقت الراهن.

ثم البعد الأوروبي باعتبار أوروبا متكأ تنمويا أول للمغرب اقتصاديا وتجاريا وتكنولوجيا وللدبلوماسية المغربية، إضافة إلى البعد الأميركي الذي فرض نفسه على جميع الدبلوماسيات العالمية بحكم تسنم الولايات المتحدة عرش القطبية الأحادية.

وأخيرا البعد الدولي من حيث ضرورة الحضور الفعال لدبلوماسية المغرب داخل المنظمات الدولية والجهوية، والمساهمة في ابتكار الحلول للمشاكل الدولية.

ونبه الكاتب الدبلوماسية المغربية إلى ضرورة خلق شعبة للتكوين الدبلوماسي في المعاهد العليا والجامعات وتزويد المصالح الدبلوماسية في الخارج بأدوات الاتصال التكنولوجي السريع، مع العمل في الوقت نفسه بشفافية بحيث تكون رهن إشارة الإعلام لينقل وجهة نظرها ويعرف بمواقفها من القضايا التي تعالجها، لأن الدبلوماسية العالمية اليوم هي دبلوماسية إعلامية بالأساس.

الدبلوماسية المغربية لإرساء الاتحاد المغاربي

بعدما أعطى بوطالب لمحة تاريخية عن العلاقات البينية لدول اتحاد المغرب العربي الذي ظل ولا يزال يشكل خيارا إستراتيجيا للمغرب، ذكر ببعض خطوات الرباط في سبيل توفير ظروف النجاح لمشروع الاتحاد من عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله، وببعض المحطات التاريخية انطلاقا من مؤتمر طنجة في أبريل/نيسان 1958 الذي كان محطة بارزة في طريق بناء الاتحاد بدعوة من حزب الاستقلال المغربي وحضور الحزب التونسي الجديد ووفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وهو المؤتمر الذي أوصى الأقطار الثلاثة بتأسيس مجلس استشاري للمغرب العربي.

وقد تبلورت انطلاقة عمل دول المغرب العربي الأربع (المغرب والجزائر وتونس وليبيا) عمليا باجتماع أول مجلس وزراء اقتصاد بتونس في سبتمبر/أيلول 1964 وتأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي، إذ كان التعاون الاقتصادي المرحلة الأولى في البناء.

غير أن الخطى كانت تقل وتتباطأ بتقدم السنوات حتى وصلت حد التعثر خاصة بعدما توجهت الجزائر في نظامها الاقتصادي وجهة اشتراكية مخالفة توجهات المغرب وتونس الليبرالية، وبرز تعارض المصالح في اللجنة الاستشارية المذكورة وبعدما اعتقدت الجزائر أنها مؤهلة لقيادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز على عهد الرئيس بومدين، حيث علق على ذلك الرئيس التونسي السابق لحبيب بورقيبة بقوله "إن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل بالجزائر الكبرى".

وأكد مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن المشاكل التي وقعت بين المغرب والجزائر لم تغير شيئا من إرادة الأول ولم تقطع الطريق على إقامة المغرب العربي، حيث اتخذت الرباط مواقف وقرارات شجاعة من أجل تجاوز المحطات الحرجة والعصيبة في العلاقة بين دول المغرب العربي.

واستعرض نماذج منها أيام كان د. بوطالب وزيرا للخارجية ومن تجربته مع نظيره عبد العزيز بوتفليقة في بداية السبعينات. إلا أن قضية الصحراء عام 1975 زجت بالعلاقات المغربية الجزائرية في التأزم مرة أخرى، الأمر الذي تعطل معه سير قطار الاتحاد المغاربي في وسط النفق، وبقي كذلك إلى غاية عام 1989 سنة ركوب الدول الخمس (المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا) قطارا جديدا وضع على السكة يوم 17 فبراير/شباط 1989 بمراكش المغربية بإصدار إعلان الاتحاد وإبرام معاهدة إنشائه بين الرؤساء الخمسة.

غير أن اللعنة التي أصابت اللجنة الاستشارية المذكورة التي أسست عام 1964 في تونس سرعان ما عادت لتصيب الاتحاد في صيغته الجديدة لنفس الأسباب والمعوقات وتباين المواقف وبسبب النظرة الإمبريالية المحكومة بهاجس ميزان القوى التي كانت وراء طمر المشروع الأول، وبذلك دخل الاتحاد المغاربي بدوره قاعة الانتظار الذي لا تلوح له بكل أسف نهاية.

www.arabgate.com