رؤية جديدة لتفعيل الدبلوماسية العامة في عهد أوباما (1 -2)

 

محمد عبد الله يونس

 

 

"بالنسبة إلى العالم الإسلامي، إننا ننشد طريقًا جديدًا إلى الأمام، يرتكز على المصلحة المتبادلة والاحترام المتبادل. ولشعوب الدول الفقيرة، نتعهد بالعمل إلى جانبكم لجعل مزارعكم تزدهر وجعل المياه النظيفة تتدفق، وتغذية الأجسام الجائعة وإشباع العقول المتعطشة. ولتلك الدول الشبيهة ببلدنا التي تتمتع بوفرة نسبية، نقول:" لم يعد في استطاعتنا ألا نأبه للمعاناة  خارج حدودنا؛ ولا أن نستهلك موارد العالم دون اعتبار للنتائج. ذلك أن العالم قد تغير، ويجب أن نتغير معه"، بهذه الكلمات لخص الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما رؤيته لمستقبل علاقات الولايات المتحدة بدول العالم الإسلامي والدول النامية في خطاب تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة في 20 من يناير 2009، بما عكس إدراكه لتراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة على إثر اتَّباع الإدارة الأمريكية السابقة لسياسات أدت لتدني تأييد الولايات المتحدة على المستوى العالمي لاسيما بعد الاتجاه نحو عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وفي هذا الإطار تأتي أهمية هذه الدراسة التي أعدتها كريستين لورد Kristin M. Lord في نوفمبر 2008 بعنوان " أصوات أمريكا :

دبلوماسية عامة أمريكية من أجل القرن الحادي والعشرين " Voices of America : U.S. Public Diplomacy for the 21st Century وقام بإصدارها برنامج السياسة الخارجية بمؤسسة بروكينجز The Foreign Policy Program at Brookings بالتعاون مع مشروع بروكينجز للعلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي The Brookings Project on U.S. Relations with the Islamic World والتي تضمنت توصيات ورؤى عدد كبير من الخبراء والباحثين المتخصصين في السياسة الخارجية الأمريكية لتفعيل دور الدبلوماسية العامة الأمريكية في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما.

مؤشرات إخفاق الدبلوماسية العامة الأمريكية

أضحت البيئة العالمية غير مواتية لتحقيق الولايات المتحدة لمصالحها الحيوية نتيجة استياء الرأي العام العالمي من السياسات الأمريكية المتعارضة مع القيم الراسخة التي طالما روجت لها الولايات المتحدة كثوابت لسياستها على الصعيد الخارجي مثل الديمقراطية والحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان والتعددية واحترام الآخر ويستدل على ما سلف ذكره بنتائج استطلاعات الرأي التي أجريت في عام 2008 والتي كشفت عن اعتقاد غالبية من تم استطلاع آرائهم في 23 دولة من جانب مركز خدمات استطلاع الرأي العالمي التابع لهيئة الإذاعة البريطانية BBC World Service Poll، أن الولايات المتحدة تؤثر بصورة سلبية في العالم أكثر من كوريا الشمالية، ومن بينهم حوالي 62% ممن تم استطلاع آرائهم في كندا و72% في ألمانيا و58% في أستراليا و53% في بريطانيا، في حين أشار حوالي 64% ممن شملهم ذلك الاستطلاع في تركيا إلي أن الولايات المتحدة تمثل التهديد الأكبر لدولتهم في المستقبل ولا يعتقد بأن الحرب الأمريكية على الإرهاب كانت لحماية أمن الولايات المتحدة سوى حوالي 9% ممن شملهم الاستطلاع في مصر و12% في باكستان و19% في المغرب، بينما اتجهت غالبية الآراء نحو تأكيد أن هذه الحرب تهدف للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط عسكريًا وتجزئة العالم الإسلامي ويمكن تفسير تلك التوجهات المناوئة للولايات المتحدة في ضوء وجود إشكالية تتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية تتمثل في تعارضها مع القيم المجتمعية الأمريكية خاصة سياسات من قبيل إسقاط نظام صدام حسين والحرب على العراق واحتجاز المتهمين دون محاكمة في معتقل جوانتانامو والموقف الأمريكي من التغير المناخي والمحكمة الجنائية الدولية.

الدبلوماسية العامة والتغيرات الديناميكية للنظام الدولي

وعلى الرغم من أن إعلاء المصالح الوطنية الأمريكية يستوجب عدم تغيير السياسات الأمريكية لمجرد أن الرأي العام العالمي لا يؤيدها ـ وفق رؤية الكاتبة ـ إلا أن ذلك لا يعني تهميش تلك المواقف أو إغفال تأثيرها على المصالح القومية الأمريكية ومن هذا المنطلق أضحت الدبلوماسية العامة آلية هامة لاستعادة المكانة الدولية للولايات المتحدة في ضوء عدة متغيرات محورية أهمها ما يلي:

أولاً: انتشار الديمقراطية على المستوى العالمي بما يعني أن توجهات الرأي العام في كل دولة تؤثر بصورة مبـاشرة على سياسات الساسـة المنتخبين تجــاه الولايــات المتحدة.

ثانيًا: تصاعد التحديات العالمية النطاق التي تتجاوز آثارها السلبية الحدود السياسية للدول فرادى مثل تغير المناخ والتلوث والإرهاب ونشاط شبكات الجريمة المنظمة وتدفق اللاجئين بما جعل مقولات وحدة المصير البشري حقيقة واقعة في ضوء ما تفرضه مواجهة هذه المشكلات من ضرورة تضافر الجهود الدولية الجماعية.

ثالثًا: سعي التنظيمات الإرهابية لنشر الأفكار والأيدلوجيات المتطرفة بحيث لم يعد التصدي لتلك التهديدات بالوسائل العسكرية وحدها مُجديًا بما يجعل التصدي لتلك الأفكار بمنظومة فكرية مضادة حيويًّا لتقويض الدعائم الفكرية التي تستند إليها التنظيمات الإرهابية في حشد التأييد واستقطاب عناصر جديدة لصفوفها.

رابعًا: ثورة الاتصالات والمعلومات التي أضحت تحتم تنويع وسائل التواصل مع الرأي العام العالمي لتوصيل الرؤى والمواقف الأمريكية عبر وسائط متنوعة.

خامسًا: صعود فاعلين دوليين جدد ذوي تأثير متنامٍ في النظام الدولي سواءً أكانوا دولاً مثل الصين أو تكتلات دولية مثل الاتحاد الأوروبي أو وسائل إعلام عالمية الانتشار مثل قناة الجزيرة والسي إن إن CNN التي يشاهدها حوالي 2 مليار شخص يوميًّا في مختلف أنحاء العالم أو الشركات دولية النشاط بما يعني أن الولايات المتحدة يجب أن تتعامل مع تلك المتغيرات للحفاظ على مكانتها في النظام الدولي.

لماذا أخفقت الدبلوماسية العامة الأمريكية في تحقيق أهدافها

وفي خضم تلك المتغيرات يمكن اعتبار الدبلوماسية العامة الأمريكية التي تقوم على التواصل مع شعوب دول العالم بصورة أكثر كفاءة لعرض رؤية الولايات المتحدة حول سياستها الخارجية لخلق مناخ من التفاهم المتبادل بين الولايات المتحدة والرأي العام العالمي والارتقاء بتأييد منظومة القيم الأمريكية على المستوى العالمي وهي أهداف لا يمكن لمؤسسات النظام السياسي الأمريكي بمفردها محاولة الاضطلاع بتحقيقها.

حيث إن تعدد الجهات المسؤولة عن الدبلوماسية العامة الأمريكية قد أفقدها قدرًا كبيرًا من مرونتها فضلاً عن تضارب جهود تلك المؤسسات التي تشمل على سبيل المثال لا الحصر مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووزارة الأمن الداخلي ومجلس الأمن القومي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية United States Agency For International Development والكونجرس بمجلسيه، وهو ما تواكب مع تضاؤل تمويل أنشطة الدبلوماسية العامة الأمريكية ليصل إلي حوالي 1.5 مليار دولار عام 2007 بالمقارنة بموازنة الدفاع الأمريكية التي وصل إجمالي الإنفاق بها في العام ذاته حوالي 717.6 مليار دولار، فضلاً عن التناقض بين القيم التي سعت الدبلوماسية العامة الأمريكية لترويجها والسياسات التي اتبعتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش على المستوى الدولي ذات الطابع الأحادي المنفعة بما أدى لتبلور اعتقاد دولي مفاده تجاهل الولايات للقواعد القانونية الدولية ولمصالح حلفائها في إطار حلف شمال الأطلسي (حلف الناتو).

رؤية جديدة لتفعيل الدبلوماسية العامة الأمريكية

ومن هذا المنطلق طرحت الدراسة عدة توصيات لتفعيل الدبلوماسية العامة الأمريكية لأداء الدور المنوط بها من خلال عدة آليات رئيسة، جاءت على النحو التالي:على المستوى الرمزي: يجب أن يتخذ أوباما عدة قرارات تمثل إعادة للسياسة الخارجية الأمريكية لنهجها المعهود وخاصةً إعلان يوم محدد لإغلاق معتقل جوانتنامو نهائيًّا، وإلقاء خطاب بإحدى دول منطقة الشرق الأوسط الإسلامية يتوجه به إلي شعوب العالم الإسلامي حول تطلعاتهم للمستقبل وآفاق التعاون المشترك مع الولايات المتحدة، فضلاً عن التركيز على التعليم وبث القيم الأمريكية بمضاعفة عدد منح الدراسة بالولايات المتحدة عبر برنامج فولبرايت للمنح الدراسية Fulbright Scholar Program إلي حوالي 10 آلاف منحة سنويًّا وإنشاء مكتبة عالمية إلكترونية للتطبيقات العلمية ودعم مبادرة مكتبة الكونجرس الرقمية World Digital Library initiative لحفظ التراث العالمي والكتب التاريخية والمخطوطات والخرائط وإتاحتها عبر شبكة المعلومات الدولية وعلى المستوى الاستراتيجي: فإن إعداد استراتيجية وطنية للدبلوماسية العامة تنطوي على الأهداف المحورية ووسائل تحقيقها على المدى البعيد قد أصبح حيويًّا للتعامل مع التحديات سالفة الذكر من خلال تقييم نتائج استطلاعات الرأي العالمية حول الولايات المتحدة بصورة دورية وإعداد خطط سنوية للتعامل مع سلبيات السياسة الخارجية الأمريكية والارتقاء بقدرات المؤسسات الأمريكية المختلفة المسئولة عن تنفيذ أنشطة الدبلوماسية العامة في ضوء التقييم المستمر لمدى نجاح تلك الأنشطة في تحقيق أهدافها .

بينما تؤكد الدراسة فيما يتعلق بالمستوى التنظيمي، على أهمية أن يقوم مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون الدبلوماسية العامة والاتصال الاستراتيجي، بتوجيه جهود مختلف المؤسسات المسهمة في الدبلوماسية العامة بحيث يكون مسئولاً عن التنسيق فيما بينها وتوزيع الأدوار مع التركيز على مفهوم الترابط العالمي الاستراتيجي Global Strategic Engagement، كأحد أهم آليات مواجهة التهديدات الدولية، كما يجب أن تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بتعيين مسئول عن الدبلوماسية العامة في كل مكتب إقليمي للوزارة وزيادة عدد موظفي السفارات الأمريكية المتخصصين في الدبلوماسية العامة وفي السياق ذاته فإن تفعيل الدبلوماسية العامة يتطلب إنشاء برنامج بيني للإفادة من آراء الخبراء لتطوير البنية التنظيمية القائمة على تنفيذ الأنشطة والتغلب على الإجراءات البيروقراطية المعقدة، ناهيك عن ضرورة تدريب الدبلوماسيين الأمريكيين للتواصل مع المفكرين وقادة الرأي العام في الدول المختلفة لتعظيم المصالح الأمريكية، مع الإفادة بصورة أكبر من النشاط المتنامي للمنظمات غير الحكومية الأمريكية لأداء تلك المهمة وخاصة الشركات دولية النشاط والمنظمات غير الحكومية مثل منظمة مراقبة حقوق الإنسان وعلى صعيد تمويل أنشطة الدبلوماسية العامة، تقترح الدراسة أن يقوم الكونجرس الأمريكي بزيادة المخصصات المالية لوزارة الخارجية الأمريكية؛ للقيام بتمويل إجراء استطلاعات رأي مستقلة، وبحث وتحليل نتائجها ومدى فاعلية الدبلوماسية العامة، فضلاً عن الاعتماد على المنح والتمويل الخيري لبعض أنشطة الدبلوماسية العامة، وخاصة زيادة عدد الدارسين الأجانب في الولايات المتحدة وأشارت الدراسة فيما يتعلق بآليات تنفيذ الدبلوماسية العامة، إلي ضرورة مراعاة الاختلافات الهيكلية بين فئات الرأي العام العالمي بما يعني التنويع في أنشطة الدبلوماسية العامة لاستيعاب تلك الخلافات لتشمل برامج المساعدات الإنسانية للدول الأشد فقرًا وبرامج التبادل الطلابي والبعثات التعليمية وبرامج الشراكة الاستراتيجية في إعداد البرامج التدريبية الخاصة بالمشروعات الصغيرة فضلاً عن أنشطة البث التليفزيوني والإذاعي والتواصل الثقافي، وإعادة النظر في إجراءات منح التأشيرات الخاصة بالسفر للولايات المتحدة لتحقيق التوازن بين الاعتبارات الأمنية والتأكيد على انفتاح المجتمع الأمريكي وترحيبه بالسائحين والطلاب ورجال الأعمال الأجانب الوافدين إليه.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: taqrir.org