دبلوماسية الصين الجديدة

 

 

إسم الكتاب : دبلوماسية الصين الجديدة (China's New Diplomacy)

إسم المؤلف : Evan S. Medeiros and M. Taylor Fravel

إعداد: شيماء عاطف الحلوانى

 

 

مع ازدياد حدة الأزمة النووية لكوريا الشمالية خلال الصيف الحالى اتجهت الأنظار نحو أعدائها فى أمريكا وبيونج يانج كما كان دور بكين كطرف ثالث يحظى باهتمام غير كبير رغم أنه على مستوى عالٍ من الأهمية. وبعد مرور فترة طويلة من الصمت الذى التزمته الصين فقد تدخلت بجرأة شديدة فى النزاع عن طريق تعطيلها لشحنات البترول إلى كوريا الشمالية وإرسالها مبعوثين رفيعى المستوى إلى بيونج يانج بالإضافة إلى تحويل قواتها إلى الحدود الصينية الكورية وتنظيمها لسلسلة من المباحثات الثلاثية فى بكين فى أبريل الماضى. ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف الصين عن ممارستها للضغط حيث قامت أيضاً خلال الصيف الحالى باحتجاز سفينة ملاحية لكوريا الشمالية نتيجة لبعض الخلافات التجارية بينهما تلاه العديد من الزيارات التى قام بها نائب وزير الخارجية الصينية ديابينجو بين واشنطن وبيونج يانج فى محاولة منه التأكيد على سلسلة جديدة من المباحثات.

وبصفة عامة فإن تلك المبادرات تسير فى اتجاه مناف تماماً لتيار السلبية وعدم التحمل لأعباء المسئولية الذى كانت تتبعه الصين تجاه القضية النووية الكورية منذ عقد مضى. بالإضافة إلى أن تلك المبادرات أيضاً تعد طفرة تحول هائلة فى حد ذاتها على الرغم من أن الصين لازالت فى طريقها لتحقيقها وذلك باعتبار الصين لاعباً له دور فعال فى ميدان الصراع الدولى فى الوقت الراهن.

ففى خلال السنوات الأخيرة بدأت الصين تتخذ خطوات توصف بأنها أقل مواجهة وأكثر تحضراً وثقة بالنفس ولكنها فى بعض الأحيان تبدو أكثر بنائيةً إزاء الشئون الإقليمية والعالمية. وعلى العكس مما كان معروفاً خلال العقد الماضى فإن الصين باعتبارها أكبر دول العالم سكاناً تقوم الآن بتطبيق نظام دولى جديد حيث تبنت كوكبة كبيرة من المؤسسات والمبادئ والمعايير الدولية الراهنة من أجل تعزيز مصالحها الدولية حتى إنها سعت من أجل إضافة بعض الملامح التطويرية لهذا النظام ولكن بصورة محدودة.

ومن أكثر شواهد التغير وضوحاً منذ منتصف التسعينيات هو ما قامت به الصين من زيادة حجم وعمق علاقاتها الثنائية إلى جانب انضمامها إلى العديد من الاتفاقيات التجارية والأمنية وتعميق إسهاماتها فى المنظمات القيادية متعددة الجوانب، بالإضافة إلى تقديمها يد العون فى توجيه القضايا الأمنية الدولية حتى أصبحت سياساتها الخارجية فى صنع القرار أقل من الناحية الفردية وأكثر من الناحية المؤسسية عن ذى قبل، كما أصبح الدبلوماسيون الصينيون أكثر تحضراً فى التعبير عن أهدافهم. وبصورة أشمل فقد اختلفت التصورات الخاصة بقوانين السياسة الخارجية. فبدلاً من اعتبار الصين ضمن الدول النامية المقهورة فى ظل ولاية كل من ماوزيدونج و دينج كزيا اوبينج فقد أصبحت الصين إحدى القوى العظمى الصاعدة ذات المصالح المتعددة.

وبالطبع فلم يحظ ذلك التقييم بموافقة عامة حيث يشير بعض الاستراتيجيين والصينولوجيين إلى الدور المحدود الذى لعبته بكين خلال الأزمة العراقية الحالية كأحد دلائل الموقف السلبى الذى يتخذه رؤساء الصين فى الشئون الخارجية. وبناءً على ذلك فإن الصين لازالت تحاول أن تعظم من مصالحها من خلال تدخلها المحدود على المستوى الخارجى من خلال مجاراتها لما تقوم به غيرها من القوى العظمى، وفى الوقت نفسه تدعم المطالبة بتطبيق المثل الأخلاقية العليا. وعلى الرغم من ذلك فإن هؤلاء النقاد يجهلون حقيقة لا يمكن إغفالها: وهى أن السياسة الخارجية الصينية أصبحت أكثر إدراكاً وإيجابية خلال العشر سنوات الأخيرة بصورة لم يشهدها تاريخ الجمهورية الشعبية من قبل.

وربما يتصف معدل التغير بأنه بطئ وطفيف، ولكنه بلا شك ذو دلالة كبيرة حيث أنه يحمل تضمينات سوف تكون حاسمة بشكل واسع المدى بالنسبة لعلاقات الصين بكلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولى. ووفقاً لما تقدم يمكن لنا أن نقول بأن الصين لم تتقبل فقط القواعد والمؤسسات الدولية السائدة بل إنها أصبحت أيضاً لاعباً ذا قدرة وخبرة عالية فى المجال الدبلوماسى. هذا وسوف تتمكن بكين من تضمين المزيد فى جدول أعمالها عما سبق حيث تتواجد فرص حقيقية للتعاون وربما تسبب أبعاد تلك التطورات نتائج أخرى وهى التى لابد ألا يغفلها صناع السياسة الأمريكية فبينما تعمل الصين على توسيع دائرة نفوذها وإدخال بعض التحسينات على دبلوماسيتها فإنها أيضاً سوف تحقق مركزاً أفضل فى حماية مصالحها الخاصة حتى فى حالة تعارضها مع أهداف السياسة الأمريكية نفسها.

الصين تتدخل

وبطريقة أو بأخرى فقد بدأ ذلك التطوير فى السياسة الخارجية للصين منذ أكثر من عقد مضى: ففى ظل حكم الرئيس دينج اتخذت الصين أولى خطواتها الدبلوماسية الكبرى فى طريق الطفرة التحولية عن طريق بدأها لحركة الإصلاح والانفتاح فى أواخر السبعينيات كما رفض ماو قبل ولاية دينج قواعد النظام الدولى وسعى إلى الإطاحة به حيث وجد التغير الفعلى فى الثورة وقد تميزت سياسة ماو الخارجية بلغتها الرنانة ومعارضتها الشديدة للدول العظمى (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى) إلى جانب ارتباطها الوثيق بالدول النامية وما يتعلق بذلك من مبادئ الانعزال عن المنظمات الدولية وتحقيق الاكتفاء الاقتصادى.

وقد تبنى دينج اتجاهاً معارضاً تماماً وذلك بتقوية العلاقات الصينية بالمجلس الدولى من أجل تسهيل عملية التحديث الاقتصادى داخل الدولة كما عملت على تحقيق الانفتاح الدولى وذلك عن طريق رفع مستوى المشاركة بشكلٍ ملحوظ فى المنظمات الحكومية الداخلية وغير الحكومية والمنظمات المالية بصفة خاصة حتى بدأت الدولة تدريجياً الخروج من العزلة التى فرضها حكم الرئيس ماو.

وعلى الرغم من ذلك، فإن التحول الذى أدخله الرئيس دينج كان جزئياً فحسب ففى فترة ولايته ظلت مشاركة الصين فى المجلس الدولى محدودة. فى الواقع فقد طالبت بكين ببعض الحقوق والامتيازات الخاصة بالقوى العظمى فى الوقت الذى رفضت فيه تطبيق ما تستلزمه تلك الحقوق والامتيازات من واجبات ومسئوليات وتعيين ملامح تلك الديناميكية بوضوح خاصة فى المنظمات الحكومية الداخلية ومنها الأمم المتحدة وقد ظلت عملية تلفيق السياسة الخارجية راسخة بشكل كبير فى عهد دينج حيث كانت أسس الدبلوماسية الصينية يعوزها التدريب والخبرة. والأسوأ من ذلك هو أن تضمينات السياسة الفعلية للصين فى حد ذاتها كانت على جانب كبير من التعثر والغموض.

وعلى النقيض، فقد بدأ الموقف يتحسن بصورة مثيرة فيعكس الأسلوب المتبع فى الصين والمتعلق بالعلاقات الثنائية والمنظمات متعددة الجنسيات والقضايا الأمنية حالة جديدة من المرونة والإدراك كما تعكس أيضاً تلك التغييرات المحاولة التى قام بها زعماء الصين الحاليين للخروج من شرنقة العزلة التى تلت حكم تيانا نمين وإعادة بناء صورتهم إلى جانب حماية وتدعيم المصالح الاقتصادية الصينية، وكذا المحافظة على الأمن داخل البلاد. كما نظمت أيضاً بعض المحاولات التى تهدف إلى تحجيم النفوذ الأمريكى فى العالم، كما يختلف مدى ثبات ذلك الهدف فى التصريحات الموجهة للشعب الصينى من وقت لآخر ولكنه يظل ذا تأثير راسخ فى خطط العمل الصينية.

هذا وقد بدأت سلسلة جديدة من التحولات منذ أوائل فترة التسعينيات من خلال الحملة التى قامت بها بكين من أجل توثيق الروابط الثنائية. كما قامت الصين أيضاً فيما بين عام 1988 وعام 1994 بتطبيع أو تأسيس العلاقات الدبلوماسية التى تربطها بثمانى عشرة دولة، بالإضافة إلى علاقاتها بالاتحاد السوفيتى السابق. وطبقاً لما تقدم فقد تلا ذلك خلال فترة التسعينيات تأسيس مستويات عديدة من المشاركة من أجل تسهيل سبل التعاون الاقتصادى والأمنى وتحقيق التوازن مع النظام المتبع فى الولايات المتحدة والخاص بالتحالفات الإقليمية. وقد بلغت منجزات تلك العملية أوجها حين وقعت كلٍ من الصين وروسيا على معاهدة حسن الجوار والتعاون الودى فى عام 2001.

وأثناء تلك الفترة بدأت بكين أيضاً فى التخلى عن موقفها المتشدد فى رفض المؤسسات متعددة الأطراف والتى أثارت مخاوف دينج حيث أنها يمكن أن تمثل إحدى الوسائل التى تفيد أو تعاقب الصين. بالإضافة إلى ذلك فقد أدرك زعماء الصين أن تلك المنظمات يمكنها إتاحة الفرصة للدولة لتعزيز مصالحها التجارية والأمنية إلى جانب تقييد الوجود الأمريكى. وبناءً على ذلك فقد شرعت الصين منذ النصف الثانى من التسعينيات فى الانضمام إلى رابطة الأمم الآسيوية الجنوبية (الآسيان). تلاه فى عام 1995 ما قامت به بكين من عقد اجتماعات سنوية مع كبار العاملين بالرابطة، بعدها أسهمت الصين فى عمل الآليات الخاصة بسلسلة من الاجتماعات السنوية التى تضم الدول العشرة الأعضاء بالرابطة إلى جانب الصين واليابان وكوريا الجنوبية (آلية الآسيان + 3) ثم لحقها بعد ذلك آليات العمل الخاصة بالاجتماعات السنوية التى تعقدها الرابطة مع الصين وعادة ما يرأسها رئيس وزراء الصين كما زادت الصين أيضاً من عمق مشاركتها فى اجتماع التعاون الاقتصادى الباسيفى الأسيوى، وذلك باستضافتها لاجتماع القادة التاسع فى شنغهاى عام 2001.

وفى الوقت نفسه وفى آسيا الوسطى لعبت الصين دوراً قيادياً فى تأسيس المجموعة الأولى متعددة الأطراف فى المنطقة والمعروفة باسم منظمة شنغهاى للتعاون. وتعمل هذه المنظمة الان على تأكيد تيار التعاون المناهض للإرهاب وآخر يشجع التجارة الإقليمية المتعثرة وسحب الجيوش من منطقة الحدود.

كما اتجهت اهتمامات الصين أيضاً إلى تحسين صلاتها بأوروبا، ففى عام 1996 كانت الصين تعتبر عضواً غير أساسى للاجتماعات الأوروبية الآسيوية والتى كانت تعقد قمتها نصف السنوية بحضور رؤساء الدول واجتماعات أخرى سنوية بحضور الوزراء. وبعد مرور عامين بدأت الصين والاتحاد الأوروبى جولة محادثات سياسية سنوية. ومن المثير للدهشة أن امتدت الروابط الصينية ولأول مرة إلى حلف الناتو وذلك خلال العام الماضى. وربما يبدو الطلب المقدم من قبل الصين من أجل بدء سلسلة جديدة من المحادثات ولكنه أيضاً يشير إلى انحراف ملحوظ عن الاتجاه التقليدى فى بكين والذى يوجه انتقاداته إلى التحالفات التى ترأسها الولايات المتحدة. ولا يجب تفسير ذلك التلميح بشكل خاطئ حيث يراه اعتناقاً للصين لأحد مبادئ الأمن الجماعى حيث يمكن أن يستخدم ذلك التلميح فى التحذير من الخلافات التى تنشب داخل الحلف والاستفادة منها خاصة بالنظر إلى تدخل حلف الناتو فى آسيا الوسطى.

وفى خلال فترة التسعينيات تقدمت الصين لحل مجموعة من الخلافات الإقليمية والتى أسفرت عن حدوث بعض الاضطرابات فى العلاقات بينها وبين دول الجوار. فمنذ عام 1991 قامت الصين بتسوية النزاعات المتعلقة بمسألة الحدود مع كل من كازاخستان وكيرجستان ولاوس وروسيا إلى جانب طاجيكستان وفيتنام إلا أنها كثيراً ما كانت تفض تلك النزاعات دون أن يعود عليها أى نفع. فى الواقع فإننا نجد الصين فى معظم تلك الاتفاقيات وقد حصلت على 50% فقط من الإقليم المتنازع عليه أو أقل. فعلى سبيل المثال عند فض النزاع القائم بخصوص جبال البامير والتى توارثتها طاجاكستان من الاتحاد السوفيتى فقد قبلت الصين بالحصول على 1.000م2 فقط من مساحة تبلغ 28.000 متراً مربعاً.

كما شمل التحسين أيضاً علاقاتها مع الهند والتى تعتبر أحد أعدائها منذ زمن بعيد (ويرجع السبب فى ذلك إلى اندلاع الحرب بين البلدين عام 1926 بخصوص مسألة الحدود). وعلى الرغم من أن الطرفين ظلا عاجزين عن تسوية الخلافات بينهما بصورة رسمية إلا أن الخلافات الخاصة بمشكلة الحدود شهدت هدوءاً ملحوظاً وذلك بفضل اتفاقيات بناء الثقة وتخفيض عدد الجيوش، الموقعة فى فترة التسعينيات. كما تم التوصل إلى اتفاقيات مماثلة مع كل من روسيا ودول آسيا الوسطى، وبناء على ذلك فإن مناطق الحدود الصينية وهى مصدر اندلاع الحروب الكبرى داخل الصين تتمتع الآن بحالة أمنية لم تشهدها من قبل.

علاوة على ذلك، فقد تبنت بكين أسلوباً يتميز بأنه أكثر براجماتية فى تدبرها لأمور الخلافات الإقليمية الملاحية مثل النزاعات التى نشبت بسبب جزر براسيل وسبراتلى وسنكالو. وعلى الرغم من تمسكها بمطالبها فى تلك الجذر، إلا أن الصين فضلت تسوية النزاع بسبل سلمية استناداً إلى قواعد القانون الدولى. وبعد مرور أربع سنوات من المفاوضات وقعت كل من الصين ورابطة الأمم الآسيوية الجنوبية على بيان على ميثاق أخلاقى فى عام 2002 يمكن الطرفين من تدبر الأمور. ومن المذهل أن الوثيقة الأخيرة قد تضمنت معظم المشروعات التمهيدية التى سعت الرابطة لتحقيقها إلى جانب القليل من التخطيطات التى طرحتها الصين.

وربما يكون من الأكثر عجباً أن بدأت الصين بالفعل فى تعزيز مبادراتها فى القضايا الأمنية فى الاجتماعات التى تلعب فيها الولايات المتحدة دوراً قيادياً. وقد طالبت الصين أيضاً خلال القمة التى عقدتها الرابطة عام 2003 بتأسيس آليات أمنية جديدة. وتحت شعار المنتدى الإقليمى لرابطة دول جنوب آسيا وآليات المنظمة للمباحثات الأمنية، قام وزير خارجية الصين لى زيا وزنج بالمطالبة بعقد مؤتمر من أجل زيادة الاتصال بين القوات العسكرية الأسيوية.

وتمثل تلك الشواهد انحرافاً لا يمكن إغفاله عن الوضع الذى كان سائداً فى الصين خلال العقد الماضى عندما قررت الإحجام عن أية مباحثات أمنية مع الرابطة الآسيوية وبالذات مع القوات العسكرية.

وفى تلك الأثناء زادت الصين من حجم علاقاتها بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الرغم من أنها كانت تحجم حتى منتصف التسعينيات تقريباً عن تطبيق قرارات المجلس والتى نص عليها فى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتى تجيز استعمال القوة ويعزى سبب امتناعها عن التطبيق إلى معارضتها لتآكل السيادة التى تحملها ثنايا هذه القرارات. ومع هذا فقد أخذت بكين تستند مؤخراً إلى تلك المعايير، ففى نوفمبر عام 2002 على سبيل المثال قامت بالتصويت لقرار رقم 1441 الخاص بالتفتيش الرسمى على الأسلحة المحظورة بالعراق: ويعتبر ذلك السلوك تعبيراً عن تطبيق الصين لمبادئ البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذى قلما دعمته الصين منذ التحاقها بالمنظمة فى عام 1971. كما قامت أيضاً بزيادة حجم مشاركتها فى عمليات حفظ السلام وذلك بتعزيز فرق الجيش فى تيمور الشرقية والكونغو وغيرها.

يسير اهتمام الصين وتدخلها فى شئون ضبط التسلح الكونى عدم انتشار السلاح النووى فى تيار التحول بنفس درجة الأهمية. ففى معظم الثمانينيات تناولت بكين موضوعات ضبط التسلح ومنع الانتشار النووى على أنها ضمن مسئوليات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى كما اعتبرتها أيضاً محاولات لتقييد نفوذها. ومن هذا المنطلق نجد أنها على النقيض صدقت على العديد من الاتفاقيات الكبرى المتعلقة بضبط التسلح والحد من الانتشار النووى ومن ضمنها معاهدة حظر الأسلحة النووية واتفاقية حظر الأسلحة الكيمائية. كما وافقت أيضاً على الالتزام بالمبادئ الأساسية لنظام الحكم الخاص بالتحكم التكنولوجى الصاروخى هذا إلى جانب توقيعها على معاهدة تحريم إجراء الاختبارات النووية الشاملة فى عام 1996 فى الوقت التى لازالت فيه الصــين فى حاجـــــة إلى إجراء اختبارات أساسية وتطويرية والتى تتعلـــق بشكل كبير ومباشـــر بمجهوداتها المبذولة من أجل تطوير رؤوسها النووية.

أخيراً، فعلى الرغم من أن هناك بعض الشركات الصينية التى ما زالت تمد يد العون مزدوج الغرض إلى القليل من الدول مثل (باكستان وإيران) إلا أن مدى وحجم تكرار تصديرها لمقومات الأسلحة الحساسة نجده الآن يتخذ المنحنى الهابط إلى ينتهى تماماً. وفى النصف الثانى من فترة التسعينيات بدأت الحكومة الصينية إلى إضفاء الصبغة المؤسسية على عهودها بحظر السلاح النووى وذلك بإصدار أمراً بالتحكم فى الصادرات وقد استمر ذلك الاتجاه حتى السنوات الأخيرة. وبالإضافة إلى ذلك فقد عمل توحد فئات المجتمع الصينى من المسئولين والعلماء وقادة الجيش إلى جانب الكوادر الذين يعملون فى مجالات ضبط التسلح والبحث فى حظر الانتشار النووى وصناع السياسة عمل على إشعار كبار الزعماء بأهمية هذه القضايا بالنسبة للسياسة الخارجية العامة للبلاد والأمن القومى.

اعتدال مؤقت

بشأن الطريقة التى تتبعها بكين فى تناول قضية تايوان فإن التحدى الأمنى الكبير إلى جانب معظم القضايا المصيرية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين يكشف عن مستوى عالٍ من الإدراك والثقة بالنفس. فمنذ فترة التسعينيات حتى بداية عام 2001 باتت السياسات التى تحكم العلاقات المتبادلة ليشوبها القلق والتوتر. وترجع تلك المخاوف إلى إمكانية تسلل الفكر الاستقلالى الذى تدعو إليه تايوان والتى قامت بطرح بعض القضايا الدبلوماسية غير ذات الصلة إلى الصين (مثلاً بعض العلاقات التى تربطها بدول العالم الثالث) فى قالب أحادى القطب. وفى ردها على تايوان قامت الصين باستخدام الأسلوب الجبرى المكثف فى منع تلك الفكر الاستقلالى بشكل يفوق ما تقوم به من تشجيع إعادة توحيد البلاد والتخفيف من حدة الاضطرابات. كما وجه ساسة الصين معارضتهم الشديدة تجاه أى محاولة لتوطيد الروابط العسكرية بين أمريكا وتايوان وظلت الجزيرة مصدر اضطراب العلاقات بين أمريكا والصين.

ومع ذلك فقد ثبت أن الطريقة التى تتبعها الصين كانت إحدى معوقات نجاحها. فمثلاً بعض الاختبارات الصاروخية العدوانية التى أجرتها فى عام 1995، ومرة أخرى فى عام 1996 بهدف تهديد قادة تايوان وأمريكا، فقد حققت بذلك نتيجة عسكية: حيث أرسلت الولايات المتحدة اثنين من حاملات الطائرات إلى الخط الدفاعى لتايوان كما سعت إلى فوز الرئيس لى تنج هو فى الاستطلاعات لذلك يحق لنا القول بأن الممارسات العسكرية والروح القتالية الصينية قد تتسبب فى تشويه صورتها فى المنطقة وخصوصاً بين دول جنوب آسيا.

وقعت بكين فى خطأ مماثل منذ أربع سنوات. ففى عام 2000 فتحت الصين صفحة بيضاء لتجديد العلاقات مع تايوان مع الأخذ فى الاعتبار أن تأجيل المفاوضات المتبادلة الخاصة بقضية الجزيرة إلى أجل غير مسمى قد يسبب لجوء الصين إلى استخدام وسائل العنف والتى تضطرها إلى استخدام القوة العسكرية كما أنه من المنظور أيضاً أن ترنو الصين إلى وضع إطار زمنى (وإن لم يكن محدوداً) لإعادة الوحدة من جديد. وجاءت النتيجة منذ بضعة أشهر ماضية فقد رشحت تايوان فى انتخاباتها الرئاسية ولأول مرة رئيساً من حزب المعارضة مؤيداً لمبادئ الاستقلال.

وأخيراً يبدو وأن الصين قد استوعبت الدرس خلال العامين الماضيين وأحلت أسس الصبر والاعتدال محل المشاحنات والتخطيطات العدائية حيث امتنعت عن إكمال مخططاتها المتعلقة بمسألة إعادة الوحدة كما هدأت من حدة تهديداتها بالقوة العسكرية. وبدلاً من ذلك فإنها توجه اهتمامها حالياً إلى استخدام مغريات الفرص الاقتصادية مع تايوان. (إلى جانب استخدامها إلى وسائل العنف بصورة شديدة الحدة) وعلاوة على ذلك فلم يعد قادة الصين حجر عثرة فى طريق تحسين العلاقات العسكرية بين أمريكا وتايوان. فى الحقيقة فلم يعد كبار ساسة الصين يذكرون الموضوع فى كل مرة يجتمعون فيها ونظراؤهم الأمريكيون.

ومن جانب آخر فإن هذا لا يعنى بدوره أن بكين قررت التنازل عن نواياها فى ضم الجزيرة حيث أدى أسلوب البطش الذى اتبعته الصين مؤخراً فى تعاملها مع أزمة سارس فى تايوان إلى جانب ما بذلته دائبة من أجل استبعاد تايوان من عضوية منظمة الصحة العالمية أدى إلى خلق موجة من الشك حول عمق التحول. ولكن بالنظر إلى الصورة العامة أو الغالبة فإن المخططات الصينية قد شهدت تغيراً على الأقل فى الوقت الحالى. فقد صحب تدمير روابط التبادل الاقتصادى والمشكلات المالية الحالية لتايوان زيادة ثقة الزعماء الصينيين بأنفسهم حيث يرون الوقت فى صالحهم وأن نفوذهم فى تايوان فى نمو مستمر، ولكن لا تزال تلك الثقة هشة متزعزعة حتى الآن ومما ساعد على ذلك هو ما قامت به أمريكا من تبنى سياسات من شأنها تهدئة وردع كل من بكين وتايبييه.

صنع السياسة بالخصائص الصينية

فى عهد ماو كانت معظم قرارات السياسة الخارجية يتم اتخاذها بطريقة عائلة كورليون فى قصة (God Father): فكان ماو بمثابة الأب الإله ثم جاء بعد ذلك حكم دينج ليفتح آفاقاً جديدة حيث توطدت روابط الصين بالمجتمع الدولى ولكن ظلت القرارات النهائية تتصف بالمركزية الشديدة. وعلى الرغم من ذلك فقد أصبحت عملية اتخاذ قرارات السياسة الخارجية الآن تتميز بالمؤسسية واللامركزية ولم تعد أيضاً تعتمد بشكل كبير على الصفة الفردية لأحد القادة.

ومن أحد محاور التغير فى الصين إتاحة فرصة أكبر للدور الذى تلعبه هيئات الإدارة الحكومية المتناظرة والمختصة بقضايا السياسة الرئيسية والمعروفة باسم المجموعات القيادية الصغيرة. كما قامت بكين فى أواخر عام 2000 بتأسيس مجموعة قيادية جديدة للأمن القومى. كما تشكل هذه الهيئات الصورة العامة للنظام السياسى وأيضاً فإنها من شأنها تقييد السلطة التى يستقل بها فرد أو حزب.

عملت الصين أيضاً على تنويع مصادر التحليلات السياسية التى تصل إليها من داخل الحكومة أو من خارجها. فعلى سبيل المثال فإن القسم الجديد للتخطيط المتطور لسياسة وزارة الخارجية يلعب الآن دوراً بارزاً كأحد مصادر الفكر السياسى الداخلية ومن ناحية أخرى فقد بدأت الحكومة فى تعيين متخصصين من خارج الحكومة للاستعانة بهم كمستشارين للقضايا الفنية مثل تلك التى تتعلق بعدم انتشار الأسلحة المحظورة والدفاع الصاروخى. هذا ويشارك عدد كبير من الدارسين والمحللين السياسيين الصينيين بصورة منتظمة فى مجموعات الدراسة الداخلية وكتابة التقريرات إلى جانب تصميم بعض المختصرات السياسية حيث يقوم هؤلاء الدارسون والمحللون السياسيون بكثير من الدراسات والزيارات للخارج للقاء بنظائرهم من الخبراء الدوليين بالإضافة إلى أنهم يلفتون أنظار الزعماء الصينيين إلى الاتجاهات الدولية السائدة ويطرحونها عليهم فى قالب من الخيارات السياسية.

وهناك أيضاً عامل آخر كانت له بصمة واضحة فى تطوير عملية صنع القرار فى السياسة الخارجية للصين وهو توسيع رقعة المناقشة العامة لتشمل الشئون العالمية. فلم يكن هناك أية مناقشات مفتوحة تتناول المشكلات الحساسة مثل حظر الأسلحة أو الدفاع الصاروخى فى خلال العشر سنوات الماضية، ولكن فى الوقت الراهن يستطيع النقاد أن يتناولوا كل تلك القضايا بالدراسة فى آرائهم ولقاءاتهم التليفزيونية إلى جانب مؤلفاتهم بفرض تفعيل وهيكلة الدبلوماسية الصينية. وفى الوقت نفسه فقد بدأت فئة من الصينيين تضم مسئولى الإعلام والمتحدثين الرسميين للحزب الشيوعى والصحف اليومية الشعبية تجرى مباحثات باستخدام أسلوب المائدة المستديرة بالاستعانة بالإدارة الصريحة للمحللين الجدد حتى إن بعض الصحف وخاصة الهوانكى شيباو (أوقات عالمية) والنانفانج زومو (نهاية الأسبوع الجنوبى) قد نشرت بعض الآراء المطالبة بإيجاد بدائل لسياسة الحزب الرسمى مثل تلك التى تتعلق بكوريا الشمالية.

أما عن الأسلوب الذى يتبعه الساسة فى تنفيذ الدبلوماسية الصينية المتطورة بشكل كبير، فقد تميز بالبراعة والفطنة وهو ما أثمرته نتائج التدريب المناضل الذى بدأته وزارة الخارجية منذ أكثر من عشرين عاماً مع بدء فترة الإصلاح حيث قضى الدبلوماسيون الصينيون وقتاً طويلاً فى دراسة العالم الخارجى من المتحدثين لغة أو أكثر من اللغات الأجنبية والحاصلين على درجات وشهادات علمية من جامعات أوروبا وأمريكا. كما عملت أيضاً على تعزيز فكرة تجنيد المؤهلات المتوسطة المحولة من الولايات الأخرى من أجل زيادة خبراتها فى شتى المجالات.

صحب تلك التغييرات فى الواقع حملة صينية جديدة لتعميم وتعزيز السياسة الخارجية للدولة. ففى خلال العقود الماضية كانت المناظرات والتلخيصات يتم إحالتها إلى الصحف اليومية والتقارير الإخبارية والمطبوعات التى تصدرها وزارة الخارجية ثم تغير الوضع مؤخراً حيث أدركت الصين أهمية طرح وجهة نظرها للعالم الخارجى من أجل تحسين صورتها بين الدول. وطبقاً لذلك فقد بدأت الصين فى منتصف التسعينيات فى إصدار الأوراق البيضاء الحكومية المتعلقة بالموضوعات الجدلية للسياسة الخارجية من أجل التعزيز والدفاع عن آرائها. ومن هذا المنطلق فقد أصدرت الصين أكثر من ثلاثين وثيقة تتناول مجموعة متنوعة من القضايا الحساسة كتلك التى تتعلق بتنظيم عدد السكان وحقوق الإنسان إلى جانب قضية تايوان والتيبت وكذا قضية الدفاع الوطنى.

ومن أجل توضيح صورة سياساتها الخارجية قامت بكين الآن باستخدام الإنترنت كإحدى وسائل الاتصال بالعالم الخارجى على صفحات موقع مركز المعلومات الخاص بمجلس الدولة (www.china-org.cn) كما تقدم وزارة الشئون الخارجية نخبة من أقيم المعلومات على موقعهــــا (www.fmprc.gov.cn) بما تضمنه من وصف تفصيلى لموقفها حيال القضايا الإقليمية وعرض تفصيلى للمؤتمرات الصحفية والمحادثات الهامة. وتعتبر تلك الوثائق مدخلاً للوصول إلى الفكر السياسى الصينى وهو الأمر الذى كان مستحيلاً أثناء فترة حكم ماو أو دينج.

وإلى جانب تلك التغييرات الداخلية فقد تبنت الصين طريقة أكثر ارتقاءً فى التعامل مع مجموعات الصحافة الدولية. وفى عام 1999 افتتحت وزارة الخارجية مركزاً إعلامياً دولياً جديداً لعقد المؤتمرات الصحفية نصف الإسبوعية والتى يتم ترجمتها فورياً بالإضافة إلى أنها تغطى مساحة مناسبة لطرح الأسئلة الجريئة والإجابات الحقيقية حتى وإن كانت تتعلق بالتغييرات الطفيفة التى طرأت على سياساتها المعلنة. كما دعا كبار مسئولى وزارة الخارجية الآن الصحفيين لعرض موجز للخلفية السياسية غير المعلنة من قبل نشر وثائق السياسة العظمى أو عقب اجتماع القمم الثنائية مثل زيارة يانج زيمن لكراوفورد، تكساس فى أكتوبر عام 2002. حيث تمثل تلك الخطوات انحرافاً مذهلاً لسلوك دولة اعتادت أن تضع شئونها الخارجية تحت السرية التامة. وأخيراً فقد بدأ زعماء الصين أيضاً فى تعزيز سياساتهم من خلال زياراتهم المتكررة للخارج. ففى خلال فترة التسعينيات سافر كل من جيانج زيمين ولى بينج وزو رونجى بشكل متكرر إلى معظم قارات العالم خاصة دول آسيا كما وجه حلفاؤهم ممن تم تعيينهم فى نوفمبر عام 2002 جل اهتمامهم إلى العلاقات الدولية حيث قضوا وقتاً طويلاً خارج البلاد. وطبقاً لما صرح به أحدهم فإن الأعضاء الجدد للجنة الدائمة للمكتب السياسى قد قاموا بما يزيد عن أربعين زيارة للخارج فى مدة تصل إلى أربع سنوات فقط متبعين بذلك من عينوهم. وعلى النقيض فلم يترك ماو الصين سوى مرتين فقط طيلة حياته (وهما المرتان اللتان زار فيهما الاتحاد السوفيتى) ومثله فى ذلك دينج الذى لم يسافر للخارج كرئيس للصين سوى مرات قليلة.

تفكير حكيم

ويمثل حاصل تلك التغييرات فى مضمون وسمات وتنفيذ سياسة الصين الخارجية خلال العشر سنوات الماضية طفرة تطويرية هامة التى طرأت على الطريقة الانطوائية والرجعية التى اعتادت الصين العمل بها فيما بين فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات. أثناء السنوات الثلاث الماضية وخاصة منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 بدأت المؤلفات الاستراتيجية الصينية تعكس تحولاً حاسماً فى وجهات النظر المتعلقة بالنظام الدولى والدور الذى تلعبه الصين نحوه، فعلى سبيل المثال فقد نشرت بعض المقالات الاستفزازية مؤخراً فى الصحف والجرائد الصينية الكبرى تؤيد موقف الصين فى التخلى عن عقليتها الرجعية حيث يرفض هؤلاء المؤلفون التأكيد المستمر على المائة وخمسين عاماً من العار والإذلال التى مرت بهم الصين حتى لا يكون ذلك هو التصور الرئيسى الذى يحدد الصينيون على أساسه موقعهم من الشئون الدولية المعاصرة حتى إن جيانج قد بلور ذلك الرأى فى حديث له عن التطويرات المستقبلية والذى ألقاه عام 2001 بمناسبة العيد السنوى الثمانين للحزب الشيوعى. وبدلاً من ذلك فقد بدأ المحللون الصينيون ذوو النفوذ فى تدعيم اتجاه الصين لتبنى عقلية ذات طاقة هائلة وسوف تحل تلك الأمة الصاعدة محل الأمة الصينية المقهورة بما تحظى به من ثقة بالنفس والتى أثمرها النمو الاقتصادى المثير خلال العقدين الماضيين إلى جانب الإدراك الكامل للتفصيلات التى تتعلق بعزوف الصين عن تولى المسئوليات الدولية فى فترات العصور القديمة والقيود المفروضة على سلطتها الدولية الحالية.

يعد تأكيد الصين على إقامة علاقات دولية قوية ووضعها على قمة هرم أولوياتها السياسية الخارجية امتداداً طبيعياً لذلك التيار الفكرى الحديث. كما يرى الاستراتيجيون الصينيون أن تحقيق مصالحهم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوى العظمى بينما تكاد لا تتعلق بشئون الدول النامية لذلك فقد جاء ترتيب الأمم النامية فى قاع الهرم ويعبر ذلك التغيير وحده عن الطفرة الانتقالية المذهلة التى شهدتها الصين خلال فترة الستعينيات عندما كان بعض الصينيين ينكرون حقها فى الدخول فى نطاقات العولمة والدول العظمى والمؤتمرات التعددية. ولكن اليوم أصبح المسئولون الصينيون يعبرون بصورة واضحة عن حاجة بلادهم إلى المشاركة فى المسئوليات العالمية شأنها فى ذلك شأن غيرها من الدول العظمى. وانعكاساً لتلك التغيرات فقد أصبح الرئيس هيو جينتاو أول رئيس صينى يحضر اجتماعات مجموعة أكبر ثمانى دول صناعية فى العالم (G - 8).

ومن أحد أكبر المقومات النهائية للفكر الجديد بالصين هو قبول الصين مؤخراً إلى اعتبار العالم فى الوقت الحالى أحادى القطبية واعتبار أمريكا الكفة الراجحة التى سيستمر وجودها إلى عقود قادمة. على الرغم من أن الزعماء الصينيين ساندوا مبدأ تعدد الأقطاب كتيار مناسب لكل العصور (وأدانوا فى المقابل مبدأ أحادية القطب)، يعترف المحللون الصينيون فى الوقت الراهن بأن دولتهم لا ولن تستطيع فى أى وقت مجابهة أمريكا كقوة مسيطرة على العالم برمته فى الوقت الراهن، مع أن تلك الديناميكية لم تصبح مؤكدة بعد داخل آسيا. كما قام أحد خبراء السياسة الخارجية الصينية بنشر مقال مؤخراً يميز فيه بين القوة المهيمنة والسلوك المهيمن كما اقترح أن الصين فى إمكانها لأن تفضل القوة المهيمنة كحل مناسب عن السلوك المهيمن وأضاف قائلاً أن تحقيق الصين للسلام والتنمية جنباً إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية المرجوة يمكن أن يظل منتعشاً فى العالم أحادى القطب وهذا هو الوضع الآن. والأمر الذى لم يدركه الصينيون حتى الآن هو أن الاقتصاد الصينى قد أفاد بصورة هائلة من التفوق العسكرى الأمريكى والمجهودات التى بذلتها أمريكا من أجل الحفاظ على الاستقرار فى المنطقة الآسيوية خلال العشرين سنة الماضية.

داخل الوطن فى الخارج

هناك اتجاه على نفس الدرجة من الأهمية أيضاً وهو مواجهة الصين لبعض العقبات العصيبة التى تحول دون أن تصبح ممثلاً له ثقله ونفوذه فى المجتمع الدولى، فلا زالت السياسة الخارجية للصين تختص بالأهداف المحلية لرؤسائها: والمعروفة بتقوية وإصلاح والتأكيد على الإبقاء على نظام حكم لينين فى فترة التحول. حتى مع زيادة تفعيل دبلوماسية الدولة فإن الوضع الداخلى لم يتخذ شكلاً ثابتاً بعد، حيث يتصارع زعماؤها مع التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تصاحب التحول.

وكما أوضحــــت أزمة سارس (SARS) يظل النظام السياسى الصينى غير واضح الملامح، وذلك من شأنه أن يهدد الاقتصاديات وسبل العيش الخاصة بدول الجوار ومن ناحية أخرى فقد أدى أسلوب بكين حيال تلك الأزمة إلى تشويه النوايا الحسنة تجاه الصين فى منطقة البحر الباسفيكى الآسيوية. وبالتركيز على الاستقرار الداخلى نجد رؤساء الدولة وقد تجاهلوا أولى مراحل المرض مما جعله يتفشى بسهولة من خلال ما تلتزمه الدولة من سرية تامة. ولكن لحسن الحظ فقد جعلت تلك الأزمة الرؤساء يستشعرون أهمية تحقيق التكامل بين دولتهم والمجتمع الدولى.

وعلى الرغم من تلك النكسات، فسوف تظل الدبلوماسية الجديدة مستمرة بلا شك كما أنها سوف تعرض على صناع السياسة الأمريكية والآسيوية بكثير من الفرص والتحديات كما سوف تقوم المشاركة الفعالة للصين فى المؤسسات الدولية بتقديم فرص للتعاون الملحوظ والفعلى بالنسبة للقضايا الرئيسية. وعلاوة على ذلك، فإن الصين تطرح الآن سيلاً من الموارد والفاعلية أمام مائدة المباحثات، وبينما تلقى تدعيماً من قبل المجتمع الدولى وترتبط مصالحها بالقوى العظمى حيث أصبحت الصين الآن من أكبر المناهضين لتهديدات الأمن العالمى التقليدية وغير التقليدية. ومن أشهر الأمثلة على ذلك موقفها إزاء الأزمة النووية لكوريا الشمالية لذلك فيجب على الزعماء الأمريكيين أن يعملوا على امتداد ذلك التعاون إلى المشكلات الأمنية الأخرى من أجل تدبر أمور التهديدات الأمنية المتبادلة. وبناء الثقة بين الطرفين وسوف تكون تلك الجهود حاسمة لتحقيق الاستقرار فى العلاقات الثنائية التى طالما مرت بالعديد من الاضطرابات.

وعلى الرغم من ذلك فلابد للأمريكيين أن يتذكروا دائما أنه حتى وإن كانت الصين قد أصبحت أكثر انضماماً إلى قضايا المجتمع الدولى، إلا أنها أصبحت أكثر خبرة فى ممارسة السياسة الخارجية والعلاقات الخارجية لخدمة المصالح الصينية. فقد أصبحت الصين حالياً أكثر ذكاء وإدراكاً من ذى قبل ولكنها ليس بالضرورة أن تصبح أكثر وداً ووداعةً فربما تحبط مهارات بكين الجديدة من أهداف واشنطن حيث باتت الصين الآن فى موقت تستطيع من خلاله تشويه صورة أمريكا وتحدى سياساتها وسياسات حلفائها. وتعتبر تلك القدرة التى ربما تشوه صورة أمريكا أمام بعثة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فى السنوات الأخيرة بمثابة صيحة التنبيه. حيث يجب أن يعد صانعوا السياسة والدبلوماسيون عدتهم للتعامل مع الصين الجديدة فى العديد من المؤسسات الدولية. وبعد كل ذلك فإن الدبلوماسيين الأمريكيين يكرثون جل جهودهم واهتمامهم نحو تلك المؤسسات.

بينما تبدو بكين فى الوقت الراهن مهيأة للعمل فى إطار المبادئ والقوانين الدولية لخدمة مصالحها فإنها لا ترض ببعض مبادئ ذلك النظام مثل تفوق الولايات المتحدة ووضع، إلى تايوان على وجه الخصوص. ولابد أن تأخذ واشنطن حذرها من محاولات الصين لتثبط عزائهما، كما أن عليها أن توطد روابطها ببكين ودول الجوار حولها بطريقة تعرف بحقيقة تزايد الدور الإقليمى للصين فى المنطقة.

ومن ناحية أخرى فإن الصين تظهر الآن وبشكل كبير كمحرك للنمو فى آسيا وذلك بالنظر إلى النفوذ والسلطة الكبيرة التى تتمتع بها. فعلى الرغم من اعتلاء الولايات المتحدة العرش الاستراتيجى فى المنطقة إلا أنها تحتاج إلى أن تولى اهتماماً إلى العلاقات التى تربطها بالدول الصديقة وحلفائها فى المنطقة إذا أرادت أن تحتفظ بمكانتها.

ومن المهام المرجوة أيضاً فى الولايات المتحدة والمجتمع الدولى برمته، منذ وقت بعيد هو العمل على تأكيد تعلق الدبلوماسية الصينية الجديدة بما تحمله من منظورات بالسياسة العالمية فإنها سوف تلتزم بمبادئ الأمن والاستقرارحيث أن التنافس السافر مع الصين قد يؤدى إلى استهلاك موارد كل من أمريكا والصين والإخلال بالتوازن الجوهرى للقوى الآسيوية. ومن ناحية أخرى فإن المشاركة المتزايدة للصين فى المؤسسات الدولية تقدم سبلاً جيدة لتفعيل رؤى الدولة وتحقيق مصالحها إلى جانب تقوية نفوذ الدول الأخرى المشاركة فى تلك المنظمات.

وفى خلال العقدين القادمين سوف تعطى الصين الأولوية لمعالجة المشكلات الداخلية التى تهدد الدولة داخليا وبصفة عامة فإن تحديد أكبر دول العالم من حيث عدد السكان تحديثها المستمر من الناحية الاقتصادية والسياسية ليس بالأمر اليسير.

فقد اعتبر رؤساء الصين فترة العشرين عاماً القادمة مجرد فرصة استراتيجية لتطوير دولتهم ولكنها تعتبر أيضاً انفتاحاً على المجتمع الدولى والذى من الحكمة أن يستغله صانعو السياسة فى أمريكا لمواجهة التحديات والفرص التى تختلقها الانتفاضة الصينية.

و كل لك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الأهرام