هذه هي أمريكا

 

م. مشــبب محمد الشهري

 

أمريكا التي عشت فيها

هل أصبحت شمس أرض الأحلام على وشك الغروب؟، الأرض التي كانت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قبلة لكل ناشداً للثراء والحرية، والتي كان ثغرها البحري حيث يقع تمثال الحرية عاجزاً عن استقبال المهاجرين لكثرتهم.

في ثمانينيات القرن العشرين عندما كنا نطلب العلم في تلك الديار، كنا نحن - الطلاب السعوديين - كغيرنا من طلاب دول العالم الثالث مبهورين بالحضارة الأمريكية، مبهورين بالثقافة الأمريكية، مبهورين بالإعلام الأمريكي وكذلك بالثورة التقنية. كان الأساتذة في المؤسسات التعليمية وفي معاهد اللغة دائما ما يتفاخرون بالنظام الأمريكي الذي لا يوجد له مثيل في العالم. وفي أحد الأيام ونحن ما زلنا ندرس اللغة أتتنا المدرسة بكاريكاتير قصته من إحدى المجلات، ذلك الكاريكاتير يمثل آله عجيبة تتفرع وتتوسع في كل الاتجاهات دون أي نظام ودون أي معايير تلجمها، وفي الأخير انفجرت. ثم قالت لنا المدرسة إن هذا الكاريكاتير يمثل أمريكا ونحن الآن في مرحلة التوسع وسوف يقع الانفجار يوما ما لا محالة. كانت تلك المدرسة حالة شاذة من زملائها وزميلاتها فقد كانت تنظر إلى النظام الأمريكي نظرة تشاؤمية. كان ذلك إبان حكم الرئيس ريجن وبداية الحقبة الريجانية المتهمة الآن بانفلات اقتصاد السوق. لقد كنا في ذلك الوقت مبهورين بالديمقراطية الليبرالية وبالرأسمالية، كما كنا في غاية الانبهار بالإعلام الأمريكي. لم يكن الانبهار بالنظام الأمريكي (ديمقراطيته ورأسماليته) محصوراً فقط بنا الطلاب الدارسين في تلك البلاد، بل كان شاملاً السواد الأعظم من مثقفي العالم ونخص هنا مثقفي عالمنا العربي وحتى أنصاف المثقفين بل مع وجود الإعلام المفتوح والعولمة أصبح عامة الناس مبهورين بالحضارة الأمريكية والآن وبعد مضي أكثر من عشرين عاماً على الفترة التي أتحدث عنها، هل ما زالت قناعات المعجبين بالنظام الأمريكي كما كانت في الثمانينيات؟ أم يا ترى اعتراها بعض الشك وربما الكفران؟ إن أي منصف يحاول الإجابة عن التساؤلات السابقة وفي أحسن الأحوال ستكون إجابته بأن معظم من كان يؤمن بالنظام الأمريكي اعترى إيمانهم كثيراً من الشك.

لقد سقطت ورقة التوت التي كنا بها مخدوعين وكانت تواري سوءة الديمقراطية بمؤسساتها وعلى رأسها الإعلام والرأسمالية. لقد أسقطت الحروب التي شنتها أمريكا في كثير من دول العالم وخاصة دول العالم الإسلامي دون أي وجه حق ورقة التوت . لقد سقطت الديمقراطية عندما أصبحت السلطة تكذب على الشعب لتبرير الحروب. لقد سقطت الديمقراطية الأمريكية في أعين المعجبين بها في جميع أصقاع الأرض عند مشاهدة أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ تحت أنقاض البيوت التي هدمتها الحضارة الأمريكية في أفغانستان والعراق وفي أماكن أخرى دون أن يرف للديمقراطية جفن. لقد سقطت تلك الورقة عند مشاهدة مناظر سجناء سجن أبو غريب اللا أخلاقية التي عُرضت على جميع قنوات العالم الفضائية وكذلك مناظر سجناء خليج جوانتانامو المسجونين لأكثر من سبع سنوات دون توجيه أي اتهام ضدهم. لقد سقطت ورقة التوت التي تواري سوأة النظام التدخل الأمريكي في إجهاض أي نظام ديمقراطي في أي بلد على وجه الكرة الأرضية ما لم يكن ذلك النظام يسبح بحمد النظام الأمريكي ويخدم مصالحه أما عن الإعلام الذي أبهرنا في ثمانينيات القرن العشرين فماذا عسى أن أقول عنه بعدما عَّرته حربا أفغانستان والعراق وذلك عندما دخل صحفيي الإعلام الأمريكي هذين البلدين على متن دبابات قوات البحرية الأمريكية، وطبخت تقارير هذين الحربين في مطبخ البنتاجون.

أما عن الاقتصاد وما أدراك ما الاقتصاد - خاصة هذه الأيام - بعد تدخل الحكومة الأمريكية وشراء ما قيمته 250 مليار دولار من موجودات بعض المؤسسات المالية، وكذلك مساعدتها شركة التأمين AIG وإقراضها مبلغ 85 مليار دولار، وتدخل الحكومة بعملية الإنقاذ التي يقدر تكلفتها بما يقارب التريليون دولار. وبحسب تقديرات بعض المحللين الاقتصاديين فإنه لم يظهر إلا قمة الجبل الثلجي والباقي تحت الماء أو بالمثل المحلي لم يظهر من الجمل إلا رأسه هذا فقط في الولايات المتحدة الأمريكية أما في مكان آخر من معاقل الرأسمالية بريطانيا فحسب جريدة "الشرق الأوسط" بتاريخ 14/10/2008م فإن الحكومة البريطانية أممت 60 في المائة من البنوك البريطانية. والآن السؤال الذي يفرض نفسه هل بقي للمدافعين عن النظام الرأسمالي الذين كانوا يتندرون ويتشمتون بالنظام الاشتراكي عند سقوطه، هل بقي لهم وجه يظهروا به أمام العالم؟ لقد تنبأ كثير من المفكرين والفلاسفة بسقوط الرأسمالية حتى قبل دخول القرن العشرين، وقد تعرضت الرأسمالية لأزمات كثيرة ومن أكبرها الكساد العظيم الذي كان عام 1929م، وخرجت الرأسمالية من ذلك الكساد، وبعد ذلك تعرض الاقتصاد الأمريكي لهزات أخرى كان منها الركود عام 1973م، وأزمة فقاعة شركات الإنترنت، وأزمة 11/9 ثم الآن أزمة الرهن العقاري وهذا مما يجعل كثيرا من المدافعين عن الرأسمالية القول إن نظام السوق يصحح نفسه. ويحق لنا أن نسأل بأي ثمن كان ذلك التصحيح، فكثير من المحللين يجزمون بأنه لم يُخرج العالم من الكساد العظام إلا قيام الحرب العالمية الثانية كذلك كان مُتنبأ بدخول الاقتصاد الأمريكي في ركود عميق في بداية التسعينيات من القرن الماضي ولكن دخول أمريكا في حرب تحرير الكويت قد أجل ذلك، كما أجل الانهيار بعد ذلك دخولها في بداية هذا القرن في حربيها على أفغانستان والعراق. والآن هل على أمريكا الدخول في حرب جديدة لتتجنب الدخول في ركود طويل؟

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: aleqt.com