أين الكاتب العربي ؟

 

راغب الركابي  

 

 

هذا السؤال على بساطته يتضمن مفهوم النقلة الإيبستيمولوجية في وجاهته وإهميته ، فهو يُشير إلى طبيعة الثقافة السائدة في الوطن العربي وطبيعة الإنتاج الفكري والمعرفي لدى كُتابه ، وفي الوقت نفسه هو تنبيه من جانب للتحري عن العقل العربي عن دوره وعن ماهيته ، ولماذا هذا الإنكماش الظاهر عليه وسط عقول الجماعة البشرية الأخرى ؟ .

إذن فهو سؤال معرفي يحاول تدارك مافات والعمل من أجل تصحيح حركة الإنتاج المعرفي والعلمي والثقافي ، وطرد كل ماهو عامل في تقهقر الثقافة العربية ، وهذا يلزم :

أولاً : نقد الذات من خلال نقد العقل العربي ومتبنياته القديمة التاريخية والخبرية والتشريعية والعقدية .

وثانياً : نقد الموضوعات التي شكلت وعينا التاريخي والقيمي ، من خلال تفكيك بنيتها التراثية التي قامت عليها .

وثالثاً : الفصل بين الدين وبين قضايا العلم ومسائلة ، وإعتبار الدين منظومة خلقية ليس إلاّ .

ورابعاً : الخروج من هيمنة تاريخ الملل والنحل الذي أثر فينا وفي طريقة فهمنا للواقع الذي نعيشه ..

* وهذه العملية إجرائية وحاسمة في تحديد أولويات مايُمكن وما يجب عمله ، نعم إن عملية النقد بنيوية وواجبة لمجمل النظام المعرفي لدينا نحن العرب ، من خلال فك الإرتباط بين السياسي والديني تلك الثنائية الضاغطة على وعينا وفكرنا مما خلق التوتر والتعصب والتكلس الفكري والإنزواء القيمي الذي يعيشه العقل العربي في وجدانه وضميره ولكي نحقق هذه المعادلة يلزمنا الإعتراف بأهمية منظومة القيم في العدل والحرية والسلام ، التي هي قواعد مؤسسية في التنمية الفكرية والإنتاجية في الحاضر وفي المستقبل .

* كما يجب خلق عقل عربي حيوي وفاعل في قدرته على ردم تناقضات تاريخنا المشوه الذي جعل منا أنصاف بشر ، تاريخنا الفرقي المليء بكل ماهو قبيح سواء في تركيبه أو في إختلاط قضاياه ومسائله ، و حتماً نحن نُشير لما هو سائد وحاكم على ثقافتنا وخطابنا المقرؤ والمسموع ، والذي قلص وبشكل واضح دور الإجتهاد العقلي العلمي ، مما جعلنا نجتر موضوعات أنتهى أوآنها سواء في قضايانا المعيشية أو العملية ، وهذا الإجترار نلتقيه في كل مسائل - الفكر الإسلامي - فالكشف عن الصواب وعن الخطأ في قضايانا الفكرية هو تحييد لسلطة - حكم من سبق - الرائجة في كتب أهل التراث وأدبياتهم .

* صحيح إن بنية العقل العربي بسيطة وغير مركبة حسب التعاريف المتداولة ، لكن هذه البنية في اللاوعي تُشير لطبيعة الإنتاج والتحليل العلمي المترشح عنه.

* لهذا أتكئ العقل العربي على غيره في تحليل قضاياه ومسائله الخاصة ، أتكائة أثرت عليه مما جعلته عاجزاً في صُنع حاضره وإستشراف مستقبله ، ولم نجد في هذا المجال إلاّ النادر الشاذ الذي يُمكننا الإشارة إليه ككونه قد قدم لنا نتاجاً خاصاً به ، أي إنها محاولات ذهبت في وسط الكثير من منتجات الغير والتي كان لها كبير أثر في تحديد هويتنا المعرفية والإيديولوجية .

ونحن نُشير هنا للمدرسة الدينية بشكل خاص ، وهذه الإشارة فيها خيبة أمل ويأس من قدراتنا الذاتية على الخلاص من هيمنت الآخر وتجاوزه بحكم كوننا الأرض التي أستقبلت رُسُل السماء ذات يوم . وهذا منا توكيد وتعريف بحقيقة يجب إمعان النظر بها ، فعقل الآخر شارك في صناعة وصياغة كل شيء من بضاعتنا التاريخية والخبرية و في إنتاجنا الفقهي والفلسفي والمنطقي والكلامي والصوفي بل وحتى في لساننا العربي ، ونادراً جداً بل غريب ان يقال : إن هذا الفيلسوف أو ذاك الفقية هو عربي اللسان والبيئة مئة في المئة ..

* لهذا ترآني ميال للتقسيم الذي تبناه أحدهم حول ماهية العقل العربي وطبيعته البسيطة المفارقة لعقل الآخر مفارقة بنيوية وليست مفارقة بايولوجية كما يظن البعض ، فهي مفارقة في أدوات وآليات البحث المتبعة وفي التصميم وفي الجد والثقة ، ولهذا تأتي نتاجاتهم مغايرة وذات شأن وكيان معنوي مستقل يمكن الإشارة إليه في تقييم كل ظاهرة والحكم عليها .

إن العقل التحليلي المركب قادر بفعل حركيته الذاتية وإستقلاليته في إستشراف قيم المعرفية من حيث تشكلها الأبتدائي ومن ثم الإيمان بها ، وهذا يعني في اللاوعي سذاجة العقل العربي البسيط فيما يجب فعله وتطبيقه ، وهنا تبدو المسالة إشكالية في بنائنا الذاتي ، لهذا عندنا أنصاف متعلمين وأنصاف مثقفين وأنصاف أدباء ، وفي نصفنا هذا نحاكي ماعليه الآخر في مسلماته الأبتدائية في الحكم على الأشياء وتعليلها ، ولهذا ينقصنا الكثير في صناعة أشيائنا التي نود تسويقها لبعضنا البعض ، ناهيك عن غلبة للدين السياسي عندنا حيث صيرنا روبوتات تتحرك وفق منهجه التراثي عن الدين الأبائي ، مع نقص وتقليص متعمد للحرية المنتجة وتحديد لأطر التفكير فكل أشيائنا المباحة ممنوعة من جهتي الدين السياسي والحاكم المستبد إن إمتلاك الحرية على نحو واقعي كفيل بإعادة إنتاج عقلنا العربي على نحو يكون فيه قادراً على تحديد موضوعاته والحكم عليها ، والحرية يلزمها السلام فهو الأداة السحرية لبناء قواعد للتحرك الحضاري الرصين .

إن إيماننا بمنظومة القيم هو الكفيل بتحرير عقل الكاتب العربي والمفكر العربي من سلطة - الحاكم المستبد والإسلاموية المحدثة - والأمن من سلطة الإرهاب الفكري والإرهاب الذي صنعه الدين الفرقي .. 

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: iraqstudent