الكتابة في حقل الألغام

 

راسم عبيدات

 

ان تكون كاتباً سياسياً في الوطن العربي، وخارج كتاب دائرة النظام وبطانته، فهذا يعني أنك حكمت على نفسك في أحسن الأحوال ان لا ترى كتاباتك النور، وإن قدر لها أن تراه، تخرج مشوهة ومفرغة من محتواها ومضمونها، أو ان تنقش اسمك على جدران زنازين النظام، أو ينقش اسمك على شواهد القبور، او أن يتم اتهامك بالتآمر على المصالح العليا للوطن، او ان تتم ملاحقتك أنت وعائلتك وأقاربك ودائرة علاقاتك داخل الوطن وخارجه ويعدون عليك انفاسك ويحاربونك في لقمة عيشك وفي كل أمورك الحياتية، وربما تقضي ما تبقى لك من سنوات العمر في بلاد الغربة حنيناً وشوقاً للوطن.

أما إن وفقك الله في الكتابة لأحدى الصحف ومن باب الإيمان النظري والشكلي في إطار حرية الصحافة وحرية الرأي والرأي الأخر، فعليك أن تستحضر الإنس والجن حتى ترى مقالاتك وكتاباتك النور، وبعدما تكون قد اعدت صياغتها وكتابتها أكثر من مرة، مرة حتى لا تطالها يد الرقابة، ومرة حتى لا تطالها يد رئيس التحرير، ويتلو عليك صاحب الجريدة أو رئيس تحريره ترانيم وطقوس من نوع أنت تعرف ان لنا مصالح، وهذه المصالح فوق كل الإعتبارات، والمقالة يجب أن تكون واقعية، وأنت يجب أن تكون عقلاني، ولا تتسلح بأراء وأفكار من العهد القديم والبائد.

فعلى سبيل المثال لا الحصر لا تقل العدوان الهمجي الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، بل الهجمات الإسرائيلية.. ولا تقل الحكومات الإرهابية في واشنطن وتل أبيب، بل قل حكومتي واشنطن وتل أبيب.. ولا تقل الحكومات المعينة والمنصبة من قبل واشنطن، بل قل الحكومات الشرعية والدستورية.. ولا تقل دول الممانعة والمعارضة العربية، بل قل الدول "الإرهابية" والداعمة والمساندة "للإرهاب".. وإياك أن تنتقد أية مراسيم أو قرارات يصدرها أصحاب الفخامة والجلالة والسمو، او تقل أنها خاطئة ولا تصب في المصلحة الوطنية العليا، فأنت ليس فقط ستعرض الجريدة للإغلاق، بل ربما نذهب جميعاً وراء الشمس.. وما ينطبق على أصحاب الفخامة والجلالة والسمو، ينطبق على الوزراء والنواب وزوجاتهم وعشيقاتهم. أما الجيش وأجهزة الأمن، فيحظر عليك بالقطع التطرق لها بالنقد أو اتهامها بالتخاذل والتواطؤ، فهذا إضرار بالمصالح العليا للوطن، وتحقير للمؤسسة العسكرية، التي تسهر ليل نهار على أمن الوطن والمواطن، وتدافع عنه وتحمي حدوده، وتحقق الكثير الكثير من الإنتصارات، والتي تكثر مشاهدتها مع بدء شهر رمضان الفضيل على الكثير من القنوات الفضائية دون أن يكون لها أي أثر في الواقع.. كما انه غير محبذ بالمطلق ان تتحدث عن الأمن القومي العربي، وتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، بل الأولوية للأمن القطري، والتحالفات والمعاهدات مع الأصدقاء. كما لا يجوز لك الكتابة والخوض في الشؤون الداخلية العربية، مثل المطالبة بطرد السفراء الأسرائيليين من الدول العربية، احتجاجاً على الهجمات والعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، لأن في وجودهم مصلحة وطنية تجهلها أنت وغيرك من المواطنين..!! ولا تطالب أيضاً بإعادة النظر أو الغاء الاتفاقيات العربية مع إسرائيل، فهذا بحد ذاته تطاول على السيادة لهذه الدول، وخدمة مجانية لقوى"الإرهاب والتطرف".. ولا تقل القرارات الأمريكية والغربية المناهضة للعرب والمسلمين، بل قل قرارات الشرعية الدولية.. وكذلك لا تتحدث عن المقاومة والكفاح المسلح لإسترداد الحقوق والأراضي العربية المحتلة، لأن ذلك لا يخدم السلام والعملية السلمية، ويقدم خدمة مجانية للقوى والعناصر المتطرفة.  كما انه يحظر الحديث عن الأحد عشر ألف أسير فلسطيني، كمناضلين من أجل الحرية، بل هؤلاء "قتلة وإرهابيين" وكل الحديث يجب أن ينصب على إطلاق سراح الجنود الإٌسرائيليين"الأبرياء" الذين اختطفهم "الإرهابيون" من حماس وحزب الله، فهؤلاء الذين يجب أن يعودوا إلى أحضان عائلاتهم، وليس "القتلة والإرهابين" من أمثال سعدات والبرغوثي وحسن يوسف وغيرهم من "قتلة القسام وشهداء الأقصى وأبوعلي مصطفى".

والشيء المحزن والمبكي والمثير للتقزز والغثيان هنا، ان العديد من أصحاب الصحف العربية، يحاول أن يكون كاثولكياًً اكثر من البابا، بمعنى ما يمتنع عن أو يرفض نشره في صحيفته تنشره وتكتبه الصحف الغربية والأمريكية..!! والأغرب هنا انه عندما تكون هناك خلافات عربية – عربية، فإننا نقول في حق بعضنا البعض أكثر مما قاله جرير والفرزدق في هجاء بعضهما، فلا عبارة من عبارات التخوين والتكفير والتخاذل والتآمر إلا ونستخدمها ونتهم بها بعضنا البعض، ولعل ما يجري على الساحة الفلسطينية، خير دليل وبرهان على ذلك، حيث أن كل طاقاتنا وجهودنا ووسائل إعلامنا ومقابلاتنا وتصريحاتنا مجندة ومسخرة من أجل الطعن والتشكيك في بعضنا البعض، بحيث غدا صراعنا مع المحتل، والذي يمارس قتله وإعتداءاته اليومية بحقنا صراعا ًثانوياً، وأصبحنا نحقد على بعضنا البعض أكثر ما نحقد على عدونا، وبحيث غدت أصوات العقلاء والتي تدعو الطرفين (فتح وحماس)، بالعودة إلى صوت العقل والحوار، هي الأخرى أصبحت محط اتهام، وكأنه أصبح في ظل حالة التحشييد والتجييش والإستقطاب بين طرفي الصراع "فتح" و"حماس"، مطلوب منا كأحزاب وفصائل وأفراد أن نكون مع أحد طرفي الصراع، وعلى غرار الرؤية الأمريكية، "من ليس معنا فهو ضدنا"، رغم أن المنطق والعقل يقول، أننا ما زلنا جميعاً تحت الإحتلال وحرابه، ولا يوجد ما نقتتل عليه، سوى سلطة وهمية بدون أية سيادة، وبدل من أن ننشغل في الكتابة والتجريح والطعن في بعضنا البعض، فلنلتفت لمصالحنا الوطنية العليا التي هي أكبر من كل الأحزاب والفصائل.

وختاما أقول أن من يريد في عالمنا العربي أن يمتهن الكتابة وتحديداً المقالة السياسية، ويغرد خارج السرب أو ضد النظام، فهو كمن يريد أن يجتاز حقول الألغام، وعليه أن يتوقع كل شيء من السلطان وعساكر السلطان، وقد ينجح وقد لا ينجح في إيصال صوته ووجهة نظره، ولكن ماذا ستكتب؟ وعن ماذا تكتب؟ لأمة لا تقرأ ولا تكتب إلا ما يريده السلطان، وما دون ذلك فهو كفر وإلحاد وتآمر وقدح وذم وتطاول على أصحاب الفخامة والجلالة والسمو..!!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:amin