كتاب : إلى الكتاب الإسلاميين

 

 

 

إسم الكتاب: إلى الكتاب الإسلاميين

إسم المؤلف:  المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي(دام ظله).

قراءة: حيدر البصري

 

حسب القلم شرفاً أن الله تعالى قد جعل منه السبيل والوسيلة التي يتحصّل عن طريقها أشرف وأفضل شيء جعله الله للإنسان ألا وهو العلم، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم:

(اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم).

وحسب حامل هذه الوسيلة فخراً ـ فيما لو كان متصلاً بالله تعالى ـ أن الله جعل مداده خيراً من دماء الشهداء فقد ورد في الأثر:

(مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء).

إذن فالكتابة من الخطورة بمكان بحيث يمكن لكلمة من كاتب أن تريق الدماء البريئة، كما يمكنها أن تحقن دماءً توشك على الإراقة. فالكاتب يعدّ بحق أداة التوعية الدينية والثقافية والسياسية لدى الناس وتصحيح الطريق في مسيرة الحياة.

ولكن هل كل كاتب يمكن أن يتصف بصفة الهداية؟

الجواب كلا، فليس كل كاتب يمكن أن يُهتدى بقلمه، فهناك من الأقلام ما هو للإجارة.

من هذا المنطلق، ولضرورة وضع الضوابط التي من شأنها الارتقاء بالكاتب إلى المستوى الذي سبق ذكره انبرى سماحة الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) في وضع هذه الضوابط للكتّاب فتكلّل جهده عن مؤلَّف بعنوان: ( إلى الكتّاب الإسلاميين) وهو موضع التعريف.

إذن فالكاتب الإسلامي هو كما يقول الإمام الشيرازي (دام ظله): (يقوم بأداء دور كبير في المجتمع الإسلامي، فهو أداة الوعي الديني والسياسي والثقافي في الأمة، وبه تناط مسؤولية تعبيد الطريق وإزالة العقبات والتراكمات التي قد تحول دون تقدم الأمة، ولأهمية هذه الشريحة الاجتماعية فقد قمت بوضع هذا الكتاب الذي سجّلت فيه بعض الملاحظات التي توصلت إليها عبر مطالعات مكثفة في الكتاب والسنة وفي التاريخ وعبر تجربتي الذاتية، ومن علاقتي الطويلة مع الكتّاب ومن تجارب الآخرين من الكتّاب الإسلاميين الذين أعرفهم عن قرب).

قد يتصور القارئ لعنوان الكتاب بأن الكاتب قد ركّز فيه على الكتابة من جميع جوانبها، أسلوباً، ومنهجاً، وموضوعاً، ولكن الإمام الشيرازي (دام ظله) لم يتناول الموضوع بالطريقة التي ذكرت، فهو يفترض أنه يوجه خطابه إلى كتّاب لم يعوزهم المنهج والأسلوب، وإنما ينقصهم الالتفات إلى الموضوعات التي يجب عليهم أن يتناولوها في كتاباتهم، خاصة ونحن نمرّ بوقت عصيب كما ذكر المؤلف في مقدمة كتابه، الصفحة العاشرة. فالمؤلف يرى أن المشكلة تكمن في عدم وضع الكتّاب الإسلاميين أصابعهم على الجرح ـ كما يقال ـ، (فكان يفترض أن يهتم كتّابنا بالمشاكل الراهنة، ويجدوا لها علاجاً. إذن فما هي تلك المشاكل التي يجب أن يضعها الكتّاب في برنامجهم؟).

أشار المؤلف (حفظه الله) في كتابه إلى خمسة عشر عنواناً على غاية من الأهمية تتركز في غالبيتها حول الجانب السياسي.

فأول العناوين التي تناولها الإمام الشيرازي (دام ظله) هو الأحزاب الحرة.

وغير خفي ما لهذا الأمر من الأهمية، إذ لولا غياب الأحزاب الحرة لما تمكن الحكام المستبدون من التسلط على رقاب الناس لذا يقول الكاتب: (فإن من مسؤولية الكتّاب أن يتصدوا للكتابة عن هذا المحور المهم لأنه سيفتح الطريق أمام الأمة، وينقذها من الاستبداد والديكتاتورية المقيتة بمختلف أشكالها وألوانها...).

إن العنوان المتقدم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما بعده وهو شورى المرجعية، إذ أن كليهما يساهم في الحد من وقوع الديكتاتورية، لذلك أدرجه المؤلف (حفظه الله) بعد الأحزاب الحرة في الترتيب، وشورى المرجعية هي ما يتبناه المؤلف ـ كمرجع ـ فقهياً، كوسيلة للحد من التسلط والتفرد الديني، وهذا الأمر من الأمور التي تميّز بها الإمام الشيرازي (دام ظله) عن غيره من المراجع الذين لا يتبنون مثل هذا الطرح.

لقد قرن المؤلف تقدم الأمة بشورى المرجعية، ما يلقي على الكتاب الإسلاميين مسؤولية تناول هذا الموضوع والدفاع عنه، ودعمه تاريخياً وفقهياً وواقعياً، ثم عليهم أن يذكّروا الناس بسبب تقدم الغرب الذي يعتمد على القاعدة الجماعية، ويعتبر الحس الفردي حساً غير حضاري).

بعد أن يدرك الإنسان المبدأين السابقين وأهميتهما البالغة في حياة الأمة، لابدّ له من أن يتحرك باتجاه وظيفته المترتبة على إدراك المبدأين السابقين ووعيهما، ألا وهي رفض الاستبداد وهذا هو العنوان الثالث ـ رفض الاستبداد ـ الذي تناوله الإمام المؤلف كموضوع يجب على الكتّاب الإسلاميين توجيه أنظار الناس إليه من خلال كتاباتهم.

إن من الوسائل التي يعتمد عليها المستبدون من الحكام في تثبيت أركان سلطتهم اللجوء إلى الإرهاب والتخويف، اللذين يعد التعذيب الجسدي أبشع صورهما، عليه لابدّ ـ للحد من جموح الحكام ـ من تعريف الرأي العام العالمي، بالطرق التي يستخدمها هؤلاء المستبدون في تعذيب الناس، فمن الذي يمكنه نقل هذه الصورة المريعة إلى العالم؟ إنهم الكتّاب، لذلك أكّد المؤلف على موضوع (فضح أساليب التعذيب) فتناول بالعرض الموجز سياسة التعذيب الوحشي لأعتى نظام عرفته الأمة ألا وهو النظام العراقي.

لقد اعتبر الإمام الشيرازي (دام ظله) موضوع فضح أساليب التعذيب فريضة على الكاتب الذي يعيش حياة الحرية قائلاً: (إن ضريبة الحياة الحرة التي يعيشها الكاتب هي أن يتذكر أولئك المقهورين الذين يتعرضون إلى شتى أنواع التعذيب والسجن والقهر)، واستند على حجم مسؤولية الكاتب في هذا المضمار بقول المسيح عيسى (عليه السلام):

(التارك مداواة الجريح كالجارح له).

ومن ضمن ما يتعلق بفضح أساليب التعذيب حالة السجون التي أعقبها الإمام بالذكر بعد فضح أساليب التعذيب، ففرض على الكتّاب مسؤولية الدفاع عن المسجونين من خلال دراسة حالة السجون التي يجب أن تكون مطابقة لموازين الشرع.

ومن الأمور التي تميّز بها الإمام الشيرازي (دام ظله)، وجوب الرقابة الصارمة على جهاز المخابرات الذي لا يميل المؤلف ـ كمرجع ـ إلى تأسيسه خشية تحوله من وسيلة تجسس خارجية إلى مثلها داخلية يكون الهدف منها التجسس على حياة أبناء الشعب الخاصة، بناءً عليه ذكّر المؤلف الكتّاب بموضوع تلصّص أجهزة المخابرات: (فيجب على الكتّاب الإسلاميين فتح ملف هذا الموضوع بصورة مسهبة وفضح أساليب الغرب في مراقبة الإنسان من لحظة خروجه من بيته حتى عودته إليه، بل حتى مراقبته في بيته أيضاً).

بعد أن خاض الإمام الشيرازي (دام ظله) غمار الموضوعات المتقدمة عرج بعدها على الأسلوب الذي يمكّن الكاتب الإسلامي من أن يجعل قلمه مؤثراً في الناس، فلم يجد أجدى من الأسلوب القرآني الذي يعتمد على التخويف أحياناً، والترغيب أحياناً أخرى، فلا يجب أن يكون الترغيب فقط هو الأسلوب الغالب، وإنما يجب أن يعتمد الترهيب، (وتحريك مشاعر الفزع مما ستؤول إليه المعاصي من الأمراض والدمار... فعلى هؤلاء الكتّاب أن يذكّروا البشرية في كتاباتهم، ما سوف يلحق بهم من المآسي والويلات إن هم تركوا الفضائل وساروا باتجاه الرذيلة).

الأمة الواحدة، والأخوة الإسلامية هما العنوانان اللذان قرنهما المؤلف إلى بعضهما في كتابه، فقد حذّر من الفرقة، وبيّن محاسن الأخوة، فيجب على الكاتب الإسلامي كما يرى الإمام أن يوجّه نظره نحو هذين الأمرين الهامين، ولأهمية الوحدة وعدم الفرقة عاد الإمام (دام ظله) في أواخر الكتاب إلى التأكيد على أهمية جمع الناس، وتوحيد كلمتهم حول العقيدة الإسلامية الصحيحة لما لهذا الأمر من أهمية في تقدم الأمة، حيث حسّن من غلبة العقل الجمعي لدى المسلم على العقل الفردي، ويقصد بالعقل الجمعي هنا (أن يفكر من منظار المجموع، وضمن مصالح الجماعة وليس من منظار الذات).

إن العالم أجمع ينادي بالحرية، ولكن الحرية ما لم تكن وفق الأطر والضوابط الصحيحة تكون فوضى وهذا ما نبّه إليه المؤلف في موضوع (الحرية المسؤولة) التي يجب أن تكون وفق الأطر الشرعية، حرية بناء ـ كما عبر ـ لا حرية هدم.

ومن الموضوعات المهمة التي تناولها الكتاب، موضوع (اللاعنف) الذي استدل عليه الكاتب لفظاً بروايتين إحداهما عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي:

(من علامات المؤمن اللاعنف).

والأخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهي:

(من علامات المؤمن اللاعنف) أيضاً.

لقد اعتبر الإمام اللاعنف ضمانة لانتصار الأمة الإسلامية التي تفوق امكانياتها إمكانيات الغرب، فكان (من مسؤولية الكتّاب الإسلاميين تبيان ذلك للأمة ومطالبة أبناء الأمة الاهتمام بهذا الأمر للوصول إلى شاطئ السلام بإذنه تعالى). بعدها أكد على أهمية الوعي، إذ بدونه تكون الأمة عرضة للنهب والسلب، ومصادرة الحقوق وانتهاكها. فجعل منه مسؤولية على الكاتب وغيره إلا أنه ضاعف من مسؤولية الكاتب هنا باعتباره يعبأ بمهمة (نشر الوعي والثقافة بين الناس) إلى جانب الوعي، ثم على الكتّاب أن يرفعوا عن الناس (الخوف من المستقبل) من خلال بيان (المشاكل والحلول، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً).

ثم انتقل الإمام الشيرازي (دام ظله) إلى بيان (الدولة في المفهوم الإسلامي) وكيف أنها توجد لخدمة الإنسان وإقرار حريته فعلى الكتّاب تقع مسؤولية (الدعوة إلى حكومة إسلامية مستمدة من تعاليم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأخص تعاليمه إلى مالك الأشتر) ليختم الإمام كتابه بالسؤال: (لماذا). التي تبقى تنطلق من ألسنة الناس دون انقطاع فمن يتكفل بالإجابة عن هذا السؤال؟

إن مسؤولية ذلك تقع ـ كما يرى الإمام الشيرازي (دام ظله) ـ على عاتق (كتابنا الذين يتحملون مسؤولية كبيرة في الإجابة عليها، ومعالجتها العلاج الشافي).

المصدر:alshirazi.com