ثقافتنا بين اشكالية الدخيل والبديل

  

  محمد منذر جلال*

 

 

ان الثقافة كمعطى اجتماعي يحمل معه دلالات مرحلية تؤثر وتتأثر بعوامل الجذب التي تذهب بدورها نحو التماسك او التهالك. وبسبب العولمة اصبحت الثقافة اليوم تؤسس حالة بديلة لسيطرة الدولة المركزية وضعف الاداء الحكومي ما يضع قرارات الاستقلالية وصنع ستراتيجية المواجهة مقاربة ومعقدة للغاية ان الكتابة في مواضيع الثقافة تحمل تحديا فكريا ليس لكاتبها فقط بل لقرائها ايضا.فبدون التعرف او الولوج الى ثكنة الثقافة كمكون يصعب معه طرق المضامين وفهم الحلول. فهذا (أنتوني كوينتي) الذي تحدى الجميع بمقالته المنشورة قبل ايام في صحيفة الواشنطن بوست الاميركية بعنوان "السقوط الابدي" بأن الجميع سيتهالك ومرشح للسقوط الا الثقافات الاصيلة فقد أثبتت ديمومتها وهنا نتساءل ما الذي يسود اليوم فكريا في العراق ثقافة ام نموذج ثقافي ام تيارات ثقافية. هالة من التساؤلات.ارتضيت الاجابة عنها بالاستعانة بالنموذج التطبيقي القائم على رؤية الشاغل وهو يشتغل. فوضعت يدي اولا حول ما قرأت فوجدت بأن الكثير مما قيل عن ان العولمة ستحمل معها تيارات جارفة ينتهي معها كل ثابت وتصبح الحياة فيضانا من المتغيرات.تقلع معها الخصوصية وتنتهي الاستقلالية. وتغدو مهنية صناعة الفكر للأفضل وللأقوى. ما يضع ثقافاتنا المحلية امام ارهاصات الدخيل الفكري والبديل الثقافي المفترض.

مثل هذه الفرضية التي تحوي معها دلالات فكرية وجهت لتكون محل تساؤلات حول مدى استقلالية الثقافة الحالية بأوجهها المختلفة. وعن مدى ملائمة خصوصياتها لثبات وتغير الواقعية البيئية الحالية.ونحو الاهم الا وهو كيفية البدء بصناعة ستراتيجية ثقافية في عالم تجاوزت متغيراته حالة الخصوصيات فمثلما تلعب الثقافة دورا عالميا كمؤسسة للعلاقات الاجتماعية تجتمع حولها الهويات والفرديات ،وتناولها (لوسيان باي) بكونها مجموع القيم والمعتقدات السياسية الاساسية السائدة في المجتمع التي تميزه عن غيره من المجتمعات وتقود الى نوع من التلاؤم الاجتماعي لسلوك الافراد. فان مثل هذا التنوع يواجه تحديا في عالم اليوم فأذا كنا نتفق على ان للثقافة اكثر من رافد او كما يسميها الفرنسيون أكثر من مجرى ولرؤية الصورة بنقاوة اكبر.فالتلفزيون والاذاعة والكتب والمجلات ومراكز البحوث والدراسات وبقية المؤسسات بتعدد وظائفها وتخصصاتها تمثل روافد ثقافية، فهي عناصر احتكاك القيم بمتغيرات الحياة الفكرية. وهذا المدخل ينتمي لتصنيفات التنوع الثقافي الداخلي موضع الدراسة ومشكلة الثقافة العراقية الحالية.فهو المعبر عن خيارات (البديل) من المطروح على الساحة الثقافية وبين التنوع الخارجي الذي يعبر عن خيارات (الدخيل) ولا يقصد به تنوعا خارجيا وحالة الصدام الثقافي الخارجي التي روج لها العديد من الكتاب الاميركان تحديدا.بل هي فرضيات الدخيل بعد امتزاجه بالداخل وتفاعله مع واقعية التنوع الداخلي ومن ثم ما سيشكله فيما بعد ، والذي قد يكون مصدر قوة وجذب ودعم للسياسات الداخلية اذا ما تم توجيهها وفق المفروض. ف(بطرس غالي) تحدث وبكل صراحة عن ان التعددية الثقافية الداخلية هي ركيزة النظام الديمقراطي الوطني، وهي التي تلعب دورا رئيسا في حالة عدم ايصال المجتمع الى حالة الشمولية والاستهزاء الفردوي او النخبوي وبين مقاربة الدخيل ومايحمله من حالات التشظي الداخلي التي تضع بدورها البديل وفقا لخيارات متعرجة وغير بناءة. فأن البقاء في هذه الفرضية ،يفرض بدوره الولوج الى مشكلة الديمقراطية والمشاركة المحلية ، فالعراق اليوم وجد نفسه في معضلة المحاصصة والفئوية وبنيت على اساس ذلك ثقافة جديدة تكاد تكون مرعبة ، يمكن تسميتها (بالثقافة المشوهة) واقعيتها بأن الكل يطالب بالمزيد دون تحديد والمعنى تحديدا بما بعد عملية فرز الاصوات ، بأن نرتضي حلولا توافقية ، ان لم تكن توفيقية حتى تستمر عجلة العملية السياسية بالدوران وكغيري أصبحنا نستقرئ حالة جديدة ووجها جديدا من اوجه الثقافة السياسية الداخلية. متناسين في دواخلنا بأن الديمقراطية هي مسألة فلسفية تصورية اكثر منها تشريعية ، وان تحقيقها يستدعي تكوينا واستعدادا ذهنيا سابقين. وهي وسيلة المجتمع الاولى لضمان وحدته الوطنية وبناء الثقافة المحلية الجديدة. واذا ما تمسكنا بوحدتنا الوطنية سنجد انها مركز الخلل. وبنيت على اساس ان للمغلوب دائما (فيتو توافقي) يعتمد عليه ويسحب معه العلل الاخرى بأرهاصاتها المتهالكة لتكون لديه فيما بعد ومن جديد حجج براقة ونتساءل ايضا.هل الفرد العراقي اليوم يساهم في بناء خصوصيته الثقافية ام ان للتلفزيون والاذاعة والكتب المنتشرة التي هي ليست بعيدة عن منظار الاتهام ، صلاتها ونمطيتها الثقافية التي حرمته من التمسك ببذور الخصوصية كونها اندمجت وكما نرى بواقعية المجتمع الداخلية التي تعدت ماهو داخلي وانصفت ماهو خارجي فبالتالي اين تكمن صلة الثقافة بالمشاركة ؟ يمكن القول ان الثقافة العراقية اليوم وبعد حالة الانفتاح الفكري الذي شهده العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003. عانت من انعدام ركائزها الاساسية الا وهي التضامن الاجتماعي الشعبي واجماع المجتمع. وحالة الانعدام تولدت ليس لضعف مشاركة الفرد العراقي ومساهمته في القرار المتخذ بل بالارضية التي نما عليها النظام الديمقراطي الداخلي. ولا يخفى على أحد ان حداثوية العديد من من الظواهر الثقافية الداخلية والدخيلة لاتمت بصلة لواقعية المجتمع العراقي.وحالة الاغتراب السياسي والثقافي التي ولدتها ارهاصاته الجديدة.

اضافة الى ضعف الاداء في كيفية تحويل هذا التوجه الديمقراطي الظرفي نحو بلورة خيارات مشتركة تحقق ولو قدرا بسيطا من المنجزات الداخلية.

ونعود الى فرضيتنا الاساسية ونقول ان للعامل الخارجي دوره الاكبر احيانا في فرض مصدات وبناء دعامات تترسخ لتبلور وتكون فرضيات جديدة ، تغيب معها الرؤى وتصبح التوجهات بدائل لخيارات غير مطروحة.ويكون الحديث عن الاستقلالية اشبه بالحديث عن المستحيل. واذا ما علمنا ان الاستقلالية الثقافية لايمكن خلقها بقرار سياسي او بترهيب وضغط حكومي.والتجربة اثبتت صحة ذلك ،فالعديد من المؤتمرات والندوات الاعلامية التوافقية التي عقدت وحالة انبثاق ميثاق اعلامي مشترك لم تؤت ثمارها. بل الاوجه ان نركز على الجوانب التعبوية الداخلية. ومن ثم تحقيق اجماع المجتمع كخطوة لاحقة ولو اقتربنا من مثال بسيط واخذنا دولة تشابه العراق في جملة معطيات.كماليزيا فهي تتكون من ثقافات متنوعة (ملاوية وصينية وهندية) ولكل منهم قنواته التلفزيونية وروافده الاعلامية المختلفة ومراكز للدراسات والبحوث تلتقي جميعها في الهدف التعبوي الخارجي. اي انها تتجاوز المصلحة الفئوية او الذاتية المحلية لاجل تحقيق هدف ومصلحة اكبر الا وهي المصلحة العامة وعلى هذا الاساس وجدنا صنع ستراتيجية ثقافية ينبع من تكتيكات مستقلة بذاتيتها تلتقي بالهدف العام لتكون انموذجا ثقافيا قل نظيره في دول اسيا. من حيث التنوع الثقافي ورقي الستراتيجية الثقافية المتبعة.ويتم التعامل مع التعقيدات والاختلافات وهي حالة صحية ان وجدت دلالة على ديمومة الاحتكاك القيمي والمعرفي.بكل هدوء وشفافية وكل ما يحدث ليس بسسبب ضغط حكومي بل تحقيقا لغاية مجتمعية وهو بدوره المعبر الحقيقي الى ما نحتاجه اليوم في العراق.فالبداية لابد ان تكون عبر التعريف بالمشكلات الثقافية الداخلية والتمييز بين ماهو داخلي وبين ماهو دخيل.لنتمكن بعدها من مسك الحلول والبدء ببناء ستراتيجية ثقافية جديدة. نعم العراقيون يمتلكون عناصر البقاء والارتقاء الثقافي. والكل مدعو للبدء بتثبيت هذه الفرضيات ،ولنجعل من روافد ثقافتنا الداخلية اداة تعبوية وليست كعربة فارغة تحمل معها عويل كل شيء.

* باحث اكاديمي - ماليزيا

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: الصباح - 14-6-2009