كبرى المؤسسات الصحافية لم تتقيد أبدا بخطة تجارية واحدة ومن غير المرجح أن تتبع نموذجا بعينه في المستقبل

 

جيكـوب ويسـبرغ

 

أزمـة في تجــارة الأخــبـــار

المعضلة الحزينة لصناعة الصحف حاليا أثارت جدلا نزقا حول مستقبل الصحافة. ففي أحد أركان هذا الجدل يقف المحررون الذين يعتقدون أن المؤسسات الإخبارية ارتكبت خطأ قاتلا عن طريق طرحها مادتها الإخبارية مجانا على الإنترنت. ويعتقد هؤلاء أن نموذج العمل الرقمي الناجح يتطلب عائدا من المستخدمين كما من المعلنين. المعسكر الآخر يفضل دعم المؤسسات الخيرية لصناعة الأخبار. ويعتقد هذا النوع من الناس المنتمين إلى معسكر المؤسسة أن على الصحف أن تكون مثل الجامعات، أي أن يتم تمويل استقلالها

من قبل وقفيات. المعسكر الثالث، الذي يتضمن غالبية صحافيي الإنترنت، يشكك في هذين النموذجين، ويتطلع إلى الإعلان على الإنترنت للحصول على الدعم اللازم للمؤسسات الإخبارية: ورغم كل هذا الوضع الاقتصادي الكئيب الحالي، فإن صحيفة نيويورك تايمز تحصل الآن على نحو 200 مليون دولار سنويا من الإعلانات على موقعها على الإنترنت، وهو رقم لا يقل كثيرا عن نفقات عملياتها التحريرية العالمية. ومن دون طبعة ورقية، ستكون التايمز مؤسسة أعمال أصغر، ولكنها يمكن جدا أن تكون مؤسسة أفضل ولكن ما يفتقد إليه هذا الجدل هو أنه، وعلى عكس غالبية أنواع مؤسسات الأعمال الأخرى، فإن الصحافة الجدية لم تكن إلا نادرا عملا يبتغي تحقيق الربح المباشر. فجميع المؤسسات الصحافية المهمة تقريبا في العالم الحر هي مؤسسات هجينة تجمع بين هذا النوع أو غيره من هذه النماذج، أي مؤسسات تبتغي الربح ولكنها يتم تمويلها من قبل مالكين أسخياء أو مؤسسات أعمال مربحة أخرى، مؤسسات صحافية تعاونية، أو مؤسسات تحصل على دعم حكومي. وفي حين أن صحف المدن الكبرى ظلت صحفا مربحة جدا لعدد من العقود، فإن عمليات جمع الأخبار لديها كانت عادة ما تتطلب نوعا ما من أنواع الدعم الخارجي. ولكن حتى في المؤسسات الصحافية الأكثر نجاحا، فإن هذه المؤسسات الإعلامية الأرقى مرتبة لم تلتزم أبدا بنموذج عمل بسيط واحد. بل إنه من غير المرجح أن تلتزم بواحد في المستقبل.

في الأيام الخوالي، كانت أفضل الصحف الأمريكية تعمل على المنوال التالي: العائلات المعروفة، النشيطة اجتماعيا، ذات الأسماء المعروفة مثل غراهام (الأسرة التي تملك مجلتي نيوزويك وسليت وصحيفة واشنطن بوست)، سولزبيرغر، بانكروفت وتشاندلر، بنت أعمالا تجارية مربحة أصبحت مصادر معلومات مهيمنة في أسواق محلية رئيسية. وفي حقبة ما قبل الإنترنت، فإن الأرباح شبه الاحتكارية التي كانت هذه المؤسسات تحققها عن طريق بيعها الإعلانات العامة والمبوبة سمحت لها بأن تنفق على النوعية التحريرية لوسائلها الإعلامية أكثر مما كان ضروريا لها فعلا. هذه العائلات كانت تنزع إلى النظر إلى العمل التجاري للصحف على أنه ائتمان عام، وهو ائتمان كانت تخدمه هذه العائلات عن طريق بنائها هيئات مراسلين كبيرة، بما في ذلك عمليات تحقيق صحافية تدوم ما بين ستة إلى ثمانية أشهر، وعن طريق الإبقاء على فصل قوي جدا بين جانبيها الإعلاني والتحرير وعن طريق الدفاع عن مبادىء التعديل الأول للدستور. الصحف الأمريكية المربحة دعمت الصحافة القوية، النابضة بالحياة أكثر من العكس.

شركات الصحف الكبيرة تمكنت من التملص من مواجهة مشكلة زيادة أرباحها إلى الحد الأعلى إما عن طريق كونها مملوكة للقطاع الخاص أو عن طريق طرحها فئتين من الأسهم لملكيتها، وهو ما حمى هذه المؤسسات من ضغوط المساهمين. ولكن حين قامت هذه العائلات ببيع مؤسساتها الصحافية، فإن ذلك كان يتم عادة لمؤسسات أقل ارتباطا عاطفيا بالعمل الصحافي مثل شركات "غانيت" و"نايت ريدر" و"تريبيون" التي سعت إلى تحقيق هوامش أرباح أعلى. ولكن سلاسل مؤسسات الأعمال هذه كانت أكثر فعالية وهي في بعض الأحيان تمكنت من تحسين نوعية الصحف التي اشترتها بصورة كبيرة. بل إن بارونات الإعلام الجشعين والشركات العامة تستطيع حماية القيم الصحافية حين تتوفر لديها الحوافز لذلك. فروبرت مردوخ، على سبيل المثال، تحمل الخسائر المالية بصورة ثابتة من أجل الإبقاء على نوعية صحيفة التايمز اللندنية. ونتيجة لمزيج ما من الغرور والغضب التنافسي والحب الطاهر لعمل الصحف، يبدو مردوخ الآن مستعدا لفعل الأمر نفسه في صحيفة وول ستريت جورنال. وكذلك فإن الكثير من المجلات الجدية، مثل ذي أتلانتيك، وذي نيويورك ريبابليك، وذي نيشن، وذي ويكلي ستاندرد، تمكنت هي الأخرى من البقاء اعتمادا على الحوافز القوية لأشخاص أثرياء كما أن من الممكن أيضا دعم تمويل عمليات جمع الأخبار عبر بنى غير ربحية. صحيفة الغارديان، التي ظهرت كواحدة من أقوى مؤسسات الأخبار العالمية، مملوكة لمؤسسة ائتمان سكوت ترست، المكلفة باستعمال وقفيتها وأرباحها من ممتلكاتها الإعلامية الأخرى من أجل الإبقاء على عافية واستقلال الصحيفة. الحرية في تحمل الخسائر المالية لم تمنع الغارديان من أن تبقي على ابتكاريتها وطبيعتها كمشروع تجاري خاص على الإنترنت. برو بابليكا، وهي مؤسسة إعلامية غير ربحية ويتم تمويلها من مؤسسة غير ربحية ويديرها رئيس تحرير وول ستريت جورنال السابق بول ستيغر، تحاول أن تملأ ثغرة في مجال التحقيقات الصحافية عن طريق تقديم هذه التحقيقات مجانا إلى وسائل الإعلام الربحية وقد ازدهرت أنواع أخرى من المؤسسات الصحافية الهجينة. فوكالة أسوشييتدبرس هي مؤسسة تعاونية ليست ربحية يملكها أعضاء الجمعية وتدار كمؤسسة أعمال تجارية.

وكالة الأنباء الفرنسية والـ بي بي سي تتلقيان دعما ماليا حكوميا غير مباشر ولكنهما تسعيان إلى تحقيق الربح أيضا. وهذه المؤسسات لديها حماية قانونية تسمح لها بالعمل بصورة مستقلة. محطة سي سبان يتم تمويلها من رسوم الترخيص التي تدفعها لها شركات الكيبل. وقد تكون محطة الإذاعة القومية الهجين الأكثر تعقيدا الوحيد من كل هذه الأنواع، إذ إنها تجمع بين عناصر المؤسسة التعاونية مع الحصول على دعم من مؤسسات خيرية ومن الحكومة والقطاع الخاص أيضا.

مؤسسات الأخبار التي لا تزيد من أرباحها هي أمثلة على ما وصفه بيل غيتس بـ "الرأسمالية الخلاقة". وهو ما يعني أن هذه المؤسسات في حين تسعى للدفع قدما بالأهداف الاجتماعية فإنها تسعى أيضا إلى تحقيق الأرباح. وفي ضوء انخفاض مصادر دخلهم التقليدية، فإن على الرأسماليين في تجارة الأخبار أن يصبحوا خلاقين أكثر الآن. ولكنهم لن يجدوا ضالتهم لناحية النموذج الاقتصادي الجديد للصحافة لأنه لم يكن هناك نموذج قديم كهذا أصلا.

* ويسبرغ هو رئيس تحرير سليت غروب، وهو أيضا مؤلف كتاب The Bush Tragedy (مأساة بوش). نسخة من هذا العمود الصحافي تظهر أيضا على موقع State.com

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: Newsweek