فيما لو غاب صوت الصحافة فأي الأصوات تسمع

 

محمد حميد الصواف

 

 

مع حلول الذكرى السنوية لتأسيس الصحافة العراقية تطرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل هذه الصحافة في ظل الأخطار والتحديات التي تتعرض لها فقد كانت الحركة الصحفية في مختلف دول العالم ولاتزال تأتي في ريادة النشاط الثقافي كونها تعتبر واجهة او مرآة تعكس جميع تفاصيل مجتمعها من خلال نقل حقيقة ما يدور في فلكه، حيث يعد تأثيرها في القرار الرسمي وانتشارها في الوسط الشعبي مقياس لرقي تلك المجتمعات وتطورها، وفي اغلب الاحيان يكون نجاح الصحافة موصولا طرديا بمدى نضج التجربة السياسية والاجتماعية في تلك البلدان فصوت الصحافة اكثر الاصوات المسموعة في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة، حيث تقوم النخبة الصحفية بخلق وعي وحراك اجتماعي يسهم في تكامل سلسلة التواصل بين عامة الناس ومسئوليهم، ويحقق التوازن المطلوب في بناء الدولة وتطورها ونموها.

لذا دأبت المجتمعات على إنهاض تجاربها في هذا المضمار وإعلاء شأنها، عبر إتاحتها هامشا كبيرا من حرية الحركة والتعبير في رصد وانتقاد سلبيات القرار الرسمي وايجابياته على حد سواء، فضلا عن اخذ ما تطرحه على محمل الجد وتأمين القدر الكافي من الاحترام والتقدير ولأهميتها البنيوية صنفت الصحافة كإحدى السلطات الثلاث، لتكون السلطة الرابعة بعد السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وان كان البعض يعتبرها السلطة الاولى وهناك العديد من التجارب مرت بها دول كان للصحافة إسهاماتها في تجنيب شعوبها وقوع ما لا يحمد عقباه، بعد استبيان وإيضاح حقائق الامور وتقويم قرارات في مسائل مصيرية مهمة، مما جعل الصحافة ضمانا لحقوق الشعوب والأفراد أيضا لقد بلغ الامر ببعض الدول ان تضم الوفود الرئاسية الرفيعة عدد من الإعلاميين ورؤساء تحرير الصحف، ويعكس ذلك مدى قناعة حكام تلك الدول بدور الصحافة وما يكنونه من احترام وتقدير للقائمين عليها.

استثنائية الوضع الحرج في العراق بصورة عامة، وتسابق الأحداث المطرد، انعكس سلبا على الصحافة وروادها، رغم النداءات المتكررة للعديد من الجهات والأفراد الناشطة في الدفاع عن حقوق الصحافة، ولا تزال تتصاعد الانتهاكات إلى مستويات حرجة.خصوصا ان العراق يأتي في المرتبة الاولى في اهتمام متابعي الاخبار في العالم حسب التقرير السنوي الخامس لـ"حالة الإعلام الإخباري" State of the News Media وهو عبارة عن تحليل متعمق وشامل للتغطية الإخبارية لنحو 70 ألف قصة إخبارية News Story في 48 مصدر إعلامي يتبعون خمس قطاعات إعلامية فالحكومة العراقية تعلن التزامها المستمر بتشجيع المصالحة الوطنية وإعادة الاعمار، والمضي في طريق الانتخابات، وإقامة سيادة القانون، لكن يشكل استهداف الصحفيين المتزايد تهديداً خطيراً بتقويض حرية الإعلام والتقدم الديمقراطي، فحقوق الصحفيين تتعرض لانتهاكات تشنها جماعات مسلحة تنتمي إلى جهتين مختلفتين: أولئك الذين أعلنوا عداءهم للحكومة- أي إرهابيو القاعدة وفلول نظام البعث الرافضة للمصالحة والمتمردون الذين يشنون حرب عصابات، وعناصر المليشيات فضلا عن قوات الأمن التابعة لوزارات مختلفة.

الرأي السائد ان اغلب المسئولين العراقيين لا يعيرون أي أهمية تذكر لمهنة المتاعب النبيلة، فالصحافة حتى هذا الوقت تخطو بساق عرجاء، لكثر ما تتعرض له من محاولات احباط الجهود من قبل العديد من الاطراف الرسمية والشعبية، فالتبدل الحاصل في واقع العراق السياسي والاجتماعي لم يتمكن حتى الان من استبدال ثقافة المسئولين الجدد عمن سبقهم، فسياسة تكميم الافواه عبر الترهيب والتحذير لا تزال سارية المفعول وان كانت بطرق غير مباشرة، فضلا عن استصغار دور الصحافة وتهميشها، ومحاولات الاحتكار وتجيير الاعلام لأهواء البعض، مع غض النظر عن استباحة حياة العديد من الصحفيين على يد الجماعات المسلحة حيث تأتي الانتهاكات بحق الصحفيين من اعلى هرم السلطة الى أدناه، والوقائع على الارض توثق العديد من تلك الحالات، مما حدا بمرصد الحريات الصحفية التهديد بنشر قائمة باسماء هؤلاء الشخصيات والمسئولين الذي قاموا بانتهاكات ضد عدد من الصحفيين العراقيين والدليل على ذلك اعلان نقابة الصحفيين العراقيين أن عدد ضحايا العنف من الصحفيين منذ سقوط  النظام السابق قد بلغ اكثر من 271 صحفيا وإعلاميا، اضافة الى 15صحفيا وإعلاميا مازال مصيرهم مجهولا، وذكرت هذه التقارير ان اكثر من 65  صحفيا تلقوا تهديدات بالقتل فيما غادر المئات منهم العراق خوفا على حياتهم وفي تقرير لجنة حماية الصحفيين العالمية الذي صدر مؤخرا، اكد ان اكثر المناطق خطورة على الصحفيين هو العراق، بالاضافة الى ان نصف عدد الصحفيين الذين قتلوا في جميع أنحاء العالم في العام السابق قتلوا في العراق.مؤخرا اعلنت احدى منظمات المجتمع المدني حملة لدعم ومؤازرة الصحفيين، في محاولة منها ايصال صوتها الى المعنيين عبر لصق عشرة الف بوستر في مختلف انحاء مدن العراق، نتيجة لتفاقم ظاهرة الانتهاكات المتواصلة التي تكاد تكون ممنهجة بحقهم من قبل بعض المسئولين، فضلا عن لامبالاة مهينة لحقوقهم المشروعة لدى الاوساط الرسمية، والتجاهل المتعمد تجاه نداءات الاستغاثة والاستجارة التي يطلقها صحفيو العراق وهنا تأتي المفارقة... إن اصبحت صحافتنا عاجزة عن ايصال صوتها الى مسامع المسئولين!!!

فكيف يستطيع المواطن البسيط نقل همومه اليهم؟ والأسئلة التي تطرح نفسها أيضا دونما... مجيب اذا كان المسئول لا يدرك قيمة هذه المهنة النبيلة ولا يعيرها أهمية فمن يدرك قيمتها؟

وتنتهك حقوق الصحفيين في بلد يدعي انتهاج الديمقراطية، وتعاني هذه الفئة من التهميش وتحتاج الى من يوصل صوتها الى المجتمع كون صوتها غير مسموع... فمن يوصل اصوات الاخرين؟ لذا ندعو الجميع.. مسئولين كانوا او شخصيات عامة او رؤساء أحزاب، لوقفة تأمل بهذه الجملة القصيرة...فيما لو غاب صوت الصحافة فأي أصوات تسمع؟

المقال لايعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر:annabaa