السلطة الرابعة... ومحاولات تركيعها

 

عدنان الصالحي

 

سجلت السنوات الخمس الماضية علامات فارقة في أسلوب وتاريخ عمل الصحافة العراقية الحديثة رغم الإمكانيات البسيطة التي يمتلكها الإعلامي العراقي مقارنة ببقية دول العالم وكبر مساحة الإخطار المحدقة به وعدم فهم أكثر مفاصل الدولة لواقعية سلطة الإعلام بلباسه الجديد.

 ورغم ذلك لمسنا وبوضوح نتائج طيبة ومهمة في جوانب الكلمة الصادقة والاستقلالية الكاملة في جهات كثيرة وكان لها دور مهم في بيان الغث من السمين في كثير من المواقف المهمة في الانعطافات التاريخية بعيد تغيير النظام السابق، وهو ما يبشر بخير وفير لمستقبل هذه السلطة فيما لو استمرت بعملها بحيادية وشفافية بعيدا عن التأثيرات الجانبية، وبضمانة تامة لحقوقها وسلامة أشخاصها.

تعتبر مهنة الصحافة والإعلام في العراق مهنة المخاطر بدون منازع وليس المتاعب كما يعبرون في بعض البلدان، هذا النهر الكبير الذي سرى في مجراه الكثير من المحللين والكتاب والمراسلين في وقت كانت حالة الإرباك والانفلات الأمني مسيطرة على الساحة، لكنه اليوم يواجه تحدي من نوع آخر،  فبعد الاستقرار النسبي وسيطرة القوات الأمنية بشكل واضح ظهرت على السطح مرة أخرى حالة الاغتيالات المنظمة لعناصر ورموز الصحافة والإعلام.

ولعل استهداف نقيب الصحفيين (شهاب التميمي) كان رسالة واضحة لجميع مفاصل (السلطة الرابعة)، ويرى اغلب المتابعين لهذا الشأن بان جهات مختلفة تقف وراء استهداف الصحفي العراقي، منها الجماعات الخارجة عن القانون والميليشيات المسلحة إضافة الى من يرتدي ملابس حكومية لإغراض شخصية.

ولعل أهم معوق يعانيه الإعلامي في العراق بأنه مشكك به لحد الآن حتى من قبل الناس، والسبب يكمن في الذهنية المتصورة لدى الأغلب بان الأعلام جهاز تابع للحكومة على مرور العصور وهذا ما يثقل كاهل الإعلاميين بأكثر من موقع، وما خلقته الدكتاتوريات المتعاقبة من إعطاء صورة مشوهة عن الإعلام بأنه مفصل مَتحكم به من قبل الدولة  لا سلطة رابعة أو رادعة في كثير من الأحيان، تراقب وتحاسب بحيادية تامة ولا تملك سوى سلاح القلم لتفصل به المسارات الصحيحة عن الخاطئة.

وكما هو حال باقي المفاصل الأخرى فان قطاع الإعلام يمر بمرحلة صعبة وكبيرة تتطلب تضافر الجهود لإحداث نقلة نوعية  في ذهنية المتلقي، من حالة التبعية التي يتصورها عن الإعلام  للأنظمة الحاكمة في السابق إلى مرحلة سلطة حقيقية ومحايدة يحسب لها حساب في كل ميدان، وفي هذا الجانب وللإنصاف فان أكثر الجهات الإعلامية تحركت لتعطي صورة جديدة وناصعة البياض للمشاركة ببناء بلد حر وديمقراطي عن طريق الصوت الحر والمحايد ونقل الصورة بواقعية دون رتوش ولا تزلف لأحد إلا للحقيقة، لكن يبدو إن الوقت مازال مبكرا لدخول مثل تلك الأصوات إلى ساحة العمل الميداني، فالقتل بأبشع الطرق والاعتداء بالضرب والتهجم بالسب والشتم في ابسط مراحله حدث لأغلب من حاول اقتحام طريق الموضوعية ونقل الحقيقة بصورتها من ارض الواقع.

ما يحدث لرجال الإعلام يعتبر جريمة بحق الإنسانية (من جهتين) كونهم أبناء ومواطنين في بلدهم ولهم من الحقوق ما للآخرين من التزامات عائلية واجتماعية وغيرها، إلا إن القضية الأهم لا تقف عند هذا الحد، بل إن خطورتها تتسع بصورة اكبر من ذلك فالعملية تبدو وكأنها محاولة تركيع لهذه السلطة الحديثة العهد بالعمل الحيادي والاستقلالية، وأسلوب جديد من طريقة تكميم الأفواه وتغييب الحقيقة عن الملأ، وهي علامات جديرة بإنشاء دكتاتوريات قد لا تكون بالضرورة تمثل سلطة حكومية بل قد تتخذ منحى سياسي أو مليشياتي  بعنوان طائفي.

فالمتابع للحالة في الأشهر الأخيرة  يلحظ وبوضوح ما تعرض له الإعلاميين في أكثر من حادثة من قتل واختطاف أو من تجاوز بالضرب والشتم أو المنع من دخول المحافل والمؤتمرات وهي إشارات خطر كبيرة على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية.

ولعل الأغلب يذهب ليلقي بالمسؤولية الكبرى على كاهل الحكومة كونها الراعي الأول لقضية حماية الأرواح والحريات والتي اشترك بعض من أجزاء أجهزتها ولاسيما الأمنية بتضييق العمل في بعض المواقع على الصحافة والإعلام، ولم يكن هنالك متابعة حقيقة للحادث ولا محاسبة للمتجاوزين.

لكن الآمر يدور في عدة مدارات فالدولة قد تكون طرف مهم في قضية حماية السلطة الرابعة وتوفير الجو المناسب لأخذ دورها، إلا إننا نرى بان الجميع مشتركون في هذه المهمة  حتى الإنسان البسيط يجب أن يكون له دور في قضية تفعيل وحماية الإعلام والإعلاميين في مساحة عملهم الميداني.

فعلى سبيل المثال هل سيدرك المجتمع بان الاعتداء على أعلامي في موقع حدث ما هو محاولة تغييب الواقع عن بقية فئات المجتمع، ليخرج بتظاهرات مطالبة بإنصاف هذه الشريحة المهمة ومحاسبة المتجاوزين على حقوقهم في نقل الحقيقة، وتكون الصورة لدى الجميع بان الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة هي سلطة مفوضة من قبل الشعب أيضا بقوانين محددة حالها حال السلطات الأخرى، وتساهم مساهمة فعالة في صنع مستقبل هذا البلد، ولها من الاستقلالية والاحترام ما للآخرين.

وفي هذا الجانب نسجل ما يلي:

1. سجلت العناصر الخارجة عن القانون والمجاميع الإرهابية أول التجاوزات على مساحة العمل الإعلامي الحر والكوادر الإعلامية، في وقت خلت الساحة من سلطة القانون، إلا إن الشيء المهم عدم متابعة المتورطين بدماء الإعلاميين بعد فرض سلطة الدولة  على الأرض، وسُجلت أكثر تلك الحوادث ضد (مجهول) دون الالتفات إلى حقوق الضحية أو عائلته.

2. نتيجة لكثرة الحملات الأمنية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية لإعادة هيبة الدولة و فرض القانون، كان من الواجب مرافقة تلك الحملات بتغطية إعلامية مباشرة تكون جزء أساسيا من إكمال عمل تلك الأجهزة ومتمم لها، إلا إن ذلك لم يخلو من تجاوز عناصر نفس الأجهزة على رجال الإعلام، وعدم وجود أي محاسبة تذكر لهم وهذا ما حدث مرارا، وذهبت القضية أدراج الرياح.

3. القوات الأمريكية هي الأخرى لم تكن بمنأى عن مثل تلك التجاوزات وفقد الكثير من الإعلاميين  بطريقة القتل الخطأ وحتى العمد في بعض الأحيان، ولم يتخذ أي إجراء بهذا الصدد أيضا.

4. إبقاء حالة النقابات الإعلامية بدون إصدار تشريعات خاصة لضمان حقوقهم وتسهيل عملهم وعدم وجود صلاحيات مصاغة بقانون واضح، ولد حالة من الفوضوية في العمل وسهل حالة التجاوزات المتكررة على أعضاءها.

5. وجود التمييز الواضح في إصدار الموافقات للبعض على حساب البعض الأخر في المؤتمرات أو التجمعات المهمة نتيجة لحسابات سياسية مما ولد حالة من التفاضل في داخل نفس المكون الإعلامي.

لعل طريقة إسكات الأصوات وسياسة تكميم الأفواه علامة مهمة في محاولة التغيير في أي بلد،  للوصول الى نهاية سريعة لتركيع السلطة الرابعة وإبعادها عن دورها التاريخي والوطني، لتسهيل حجب الكثير من الحقائق.

   وهنا لابد من الإشارة بان المسؤولية تقع على جميع الجهات الحكومية الرسمية والهيئات والمنظمات الدولية، والتجمعات الشعبية وحتى المكاتب والأحزاب الدينية في حماية هذه السلطة المهمة في جميع أجزاءها، وحماية أفرادها وإعطاءهم الحصانة الكاملة مادامت المهنية ملازمة لهم وتحصينهم من الواجهات الدعائية لأي جهة، على أن الحل الأمثل للخلاص مما يُعانونه يكمن في توعيةِ الأطراف العراقية كافة بأن دورهم كصحفيين هو مراقبة ما يدور من أحداث ونقلها بصورةٍ مجردة وخاليةٍ من الرتوش وهذا بدوره يخلق منها سلطة حقيقة  مساهمة في بناء البلد وحماية حقوقه في جميع الميادين.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: shrsc