لماذا أطلقت بريطانيا قناة تلفزيونية عربية؟

 

محمد عارف

 

"من، ماذا، متى، كيف، ولماذا؟"... خمسة أسئلة صحفية تقليدية قد تساعدنا في التعرف على قناة التلفزيون "بي بي سي" العربية، التي بدأت بثها الأسبوع الماضي. ويبدو "كيف؟" أهم سؤال في الإعلام الحديث، الذي يعتبر "الوسيط هو الرسالة"، كما يقول فيلسوف الإعلام "مارشال ماكلوهن". الجواب عن "كيف؟" هو باختصار: "حمدان الساحر".

و"حمدان الساحر" إذاعي عراقي ريفي عمل في إذاعة الكويت عند تأسيسها عام 1951. وكان "الساحر" يفتتح البث الإذاعي يومياً بالصفير بفمه لعدم وجود بلبل آلي، كبلبل إذاعة بغداد، الذي كان يستهل بصفيره البرامج اليومية. وبعد صفير البلبل يتلو "الساحر" آيات من الذكر الحكيم، ثم يقرأ نشرة الأخبار اليومية، يتناول بعدها العود وينشد أغنيته المشهورة: "جينا لبابكم يا أحباب جينا...".

وإذا كان العراقيون يتندّرون بحكاية "حمدان الساحر"، فإن "بي بي سي" جادة في المراهنة على شبيهه "ثلاثي الوسائط". وينتج "ثلاثي الوسائط" trimedial في آن واحد نصوصاً كتابية وإذاعية وتلفزيونية، ويجمع بين مهارات البحث والكتابة والتحرير والتصوير والإنتاج الإذاعي والتلفزيوني. أتاحت ذلك ثورة "التكنولوجيا الرقمية" في البث الإذاعي والتلفزيوني، وهي كما يدل اسمها تحول جميع أنواع المعطيات المكتوبة والسمعية والبصرية إلى أرقام يمكن إرسالها كذبذبات وموجات إلكترونية، وتداولها سلكياً أو لاسلكياً.

"بي بي سي" استغنت العام الماضي عن ألفي موظف، وألغت 10% من برامجها، وعانت من فضائح ومن عجز بـ4 مليارات دولار..!

و"بي بي سي" العربية رائدة في هذا المجال، حيث أنتجت عام 1998 صحيفة "أونلاين" عربية متعددة الوسائط. تعني "أونلاين" online الاتصال المباشر بشبكة "الإنترنت"، واستخدامها كوسيط لبث الصحيفة إلى أجهزة الكومبيوتر في أي مكان من العالم. وحقق "أونلاين بي بي سي" نجاحات مرموقة، حيث يستخدمه الآن شهرياً أكثر من مليون شخص، ومن أهم إنجازاته تحرير إذاعة "بي بي سي" العربية من قيود أمواج البث التقليدية، ومضاعفة جمهورها إلى 13 مليون مستمع حول العالم. ويرأس حسام السكري، مدير "أونلاين" السابق، شبكة "بي بي سي" العربية التي تضم الإذاعة و"أونلاين" والتلفزيون وخدمات الإنترنت والهاتف النقال.

والفضائية العربية الجديدة هي أول قناة تلفزيونية بلغة أجنبية تطلقها "بي بي سي"، التي تُعتبر واحدة من أكبر الإمبراطوريات الإعلامية في العالم، ويعادل دخلها السنوي نحو سبعة مليارات دولار. المصدر الرئيسي للدخل اشتراكات الجمهور البريطاني في خدمات التلفزيون. ويعمل في "بي بي سي" 23 ألف موظف، يحققون أرقاماً قياسية عالمية في إنتاج وبث الأخبار والتقارير والبرامج الوثائقية والمسلسلات الفنية والترفيهية. وإلى جانب عملها الأصلي كهيئة إذاعة وتلفزيون، قامت "بي بي سي" خلال 75 عاماً من عمرها بوظائف متعددة كصحيفة يومية، وناشر للكتب والمجلات، ومجلس فنون، وجامعة، وناد رياضي، ودار سينما، و"حانة السهارى".

أنشئت "بي بي سي" الإنجليزية عام 1932، وأنشأت بدورها بعد خمس سنوات "بي بي سي" العربية، التي تموّلها وزارة الخارجية البريطانية، وتنفق حالياً نحو 50 مليون دولار لتغطية الموازنة السنوية للفضائية الجديدة. وهذه نقطة ضعف تلفزيون "بي بي سي" العربي. إنه ممول من قبل حكومة متورطة في جريمة احتلال العراق.

تراهن الأوساط الإعلامية البريطانية في تغيير قواعد اللعبة على "ثلاثي الوسائط" الذي يبدو كتعويذة من "العام المرعب". ففي عام 2007 سرّحت إمبراطورية "بي بي سي" ألفي موظف، وألغت نحو 10 في المائة من البرامج، ووقعت فضائح تحريف تسجيلات تلفزيونية للمملكة، وتلفيق استقصاءات تلفزيونية، واكتشاف "الثقب الأسود"، وهو الاسم الذي يطلق على عجز مالي يعادل نحو 4 مليارات دولار.

وإذا كانت فضائية "بي بي سي" العربية بعيدة عن هذه الفضائح، وتقف مالياً خارج "الثقب الأسود"، فهل هي خارج الأزمة "الوجودية" لإمبراطورية "بي بي سي" التي فقدت الإيمان برسالتها الأصلية؟ اعترف بذلك "جيرمي باكسمان" الذي يعدّ أبرز مقدمي الأخبار في "بي بي سي". وقال "باكسمان" خلال محاضرة في مهرجان الفنون في ادنبره: "لا أحد من أفراد الطبقة الإعلامية الحاكمة، يملك أي فكرة عما يحمله المستقبل... ويرى كثير منهم أن وظيفة التلفزيون هي صنع المال". ولا يجد "باكسمان" وسيلة لملء "الثقب" واستعادة الجمهور غير الجنس، وعرض مباذل نجوم المجتمع. باستثناء ذلك لاشيء "سوى القيام بكثير من الضجيج. وهذا كل ما تفعله قنوات التلفزيون"!

تعكس تقديرات "باكسمان" الكئيبة مزاج أقسام الأخبار التي تلعب دور "المايسترو" في إمبراطوريات الإعلام الدولية. وقد فقد "المايسترو" في العراق عصاه السحرية.

المهم في الإعلام ليس ما يقال بل ما لا يقال. وأسباب فساد المهنة ليست سياسية بالدرجة الأولى، بل فنية حسب الباحث البريطاني. فأيدي الإعلاميين مقيّدة بمواعيد ضيقة محددة للبث والنشر، بينما يحتاج البحث عن الحقيقة إلى فسحة من الوقت لاستجلاء المعلومات وتمحيص الوقائع. هل يملك تلفزيون "بي بي سي" العربي الوقت الكافي لفتح الملفات العربية، ليس في العواصم العربية فقط، بل في لندن أيضاً؟ هذا هو الرهان الحقيقي والباقي مجرد "ضجيج".

وفي الإعلام، كما في الحياة، هناك قانون لا يخطئ تذكره حكمة يرددها العراقيون منذ عصر السومريين قبل خمسة آلاف عام: "ما يصدر عن القلب يعرفه القلب".

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad-20-3-2008