مؤتمر الإصلاح العربي...هل سيصلح ما أفسده وزراء الإعلام العرب في وثيقة تنظيم بث الفضائيات ؟!

 

الإصلاح العربي للمرة الخامسة في ضيافة مكتبة الاسكندرية

وثيقة وزراء الإعلام العرب تثير جدلاً و600 مثقف يطلقون العنان لأحلامهم

 

عندما اختار منظمو مؤتمرات الاصلاح العربي في اطار «منتدى الإصلاح» عقد مؤتمرهم الدوري في الأول من آذار (مارس) من كل عام، في ضيافة مكتبة الاسكندرية، أخذوا في الاعتبار ان لقاءاتهم وأبحاثهم ومقرراتهم تسبق انعقاد القمة العربية على مستوى الملوك والرؤساء في نهاية الشهر نفسه، وبالتالي فإن ما سيبحثونه سيكون في المبدأ على طاولة القمة أخذت به أم لم تأخذ.

لكن طبيعة تكوين مؤتمرات الإصلاح هي غير طبيعة مؤتمرات القمة، فالهاجس السياسي الآني الذي يطغى على أعمال هذه الأخيرة يتخذ أبعاداً أخرى في حوارات مكتبة الاسكندرية ومناقشاتها. يحضر السياسي في كل المداخلات لكن قرارات لا تتخذ في خصوصه، فالهاجس كما يقول المنظمون وعلى رأسهم اسماعيل سراج الدين مدير المكتبة، هو «البحث في الإصلاح العربي وليس الانخراط في اتخاذ المواقف واصدار البيانات»، وهو ما أكده لدى طرح بعض المشاركين في «المؤتمر الخامس... الإعلام والديموقراطية والمسؤولية المجتمعية» (2-4 آذار 2008) فكرة اصدار بيان تضامني مع أهالي غزة في وجه العدوان الإسرائيلي القائم في حينه، اذ صرف النظر عن الفكرة لئلا يتحول المؤتمر الى نسخة عن لقاءات عربية أخرى مهمتها اصدار المواقف والبيانات ولا تغيّر شيئاً في طبيعة الأوضاع. ومع ان هذا التوجه لم يكن مقنعاً لكثيرين، فإن أنظار الغالبية التي كانت تتوجه الى مؤتمر القمة العربي المقبل اقتنعت في طريقة ما ان النقاش السياسي ينبغي أن يحسم في القمة وعلى مستوى القادة السياسيين، ولذلك فليكن مؤتمر الاسكندرية فرصة لسبر فضاءات أخرى، تأسيسية، لما يراه مفكرون وباحثون عرب في خصوص واقع العالم العربي ومستقبله.

ولأن الإعلام كان محور المؤتمر في عصر فجرت ثورة علوم الاتصال الجدران والسدود فقد انهمك مئات المشاركين في تناول هذا الموضوع من جوانبه كافة وفي لجان مفتوحة للنقاش تحت العناوين الآتية:

- الإعلام بين الحرية والمسؤولية.

- الإعلام العربي بين الاحتراف والتوجهات السياسية.

- دور الإعلام والمجتمع المدني في تحقيق الممارسات الديموقراطية.

- الإعلام من أجل المواطنة وحقوق المجتمع.

- الإعلام الالكتروني والفضائيات والسموات المفتوحة.

وبسرعة تحول المحور الأخير الى ما يشبه العمود الفقري للجدال وتبادل الآراء، فالإعلام الفضائي هو ما يُشغل العالم وليس العالم العربي فقط، وزاد في حضور هذه النقطة أن مؤتمر الاسكندرية انعقد بعد نحو أسبوعين فقط من اصدار وزراء الإعلام العرب «وثيقة مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية» (12 شباط/ فبراير 2008) التي تحفظ عنها وزير الإعلام القطري الى حين عرضها على سلطات بلاده كما أبدى في شأنها وزير الإعلام اللبناني ملاحظات تتصل بكون لبنان وضع أول قانون للمرئي والمسموع منذ عام 1994.

وقد دافع وزراء عن هذه الوثيقة وقال وزير الإعلام السعودي أياد مدني انها «جاءت لتلبي احتياجاً طال انتظاره»، وتأتي «لتعبر عن مرحلة نضج في العمل الإعلامي العربي المشترك».

ومن أبرز المبادئ التي تضمنتها الوثيقة («الحياة» 13 شباط 2008) «تنظيم البث واعادته واستقباله في المنطقة العربية، وكفالة احترام الحق في التعبير عن الرأي، وانتشار الثقافة» وتفعيل الحوار الثقافي من خلال البث الفضائي، والتزام هيئات البث ومقدمي خدمات البث وإعادة البث الفضائي بتطبيق المعايير والضوابط المتعلقة بالحفاظ على الهوية العربية، في شأن كل المصنفات التي يتم بثها، بما في ذلك رسائل «اس ام اس». وتحظر الوثيقة على أي شخص أن يمارس أي عمل من أعمال البث أو اعادة البث أو تقديم أي خدمة من خدماته، ما لم يكن حاصلاً على رخصة صادرة من السلطة المختصة بإصدارها في أي دولة من الدول الأعضاء واستيفاء الضوابط والمعايير التي تحتويها الوثيقة والشروط التي تضعها الدول على اراضيها والمناطق المفتوحة، اضافة الى التزام صون الهوية العربية من التأثير السلبي للعولمة، والامتناع عن بث كل ما يتعارض مع توجهات التضامن العربي».

وشرح وزير الإعلام المصري أنس الفقي عشية اجتماعات الاسكندرية خلفيات «الوثيقة» في حوار مطول مع أسرة «الأهرام»، قائلاً ان «ما حدث هو أن القنوات الفضائية تزايدت في السنوات الخمس الماضية بصورة ملحوظة»، وانها في الأعوام الثلاثة الماضية بدأت تتضاعف حتى زاد عددها على 400 قناة في نهاية العام الماضي (2007)، وهذه القنوات أصبحت تمثل 80 في المئة من مساحة الرسالة الإعلامية المتاحة للمواطن العربي، بمعنى ان دور الحكومات تراجع ليمثل 20 في المئة من المُتاح من القنوات المملوكة للدول أو التي تحت اشرافها».

وأضاف الفقي ان «في السابق كان لبنان الدولة العربية الوحيدة التي عرفت الإعلام المفتوح منذ عام 1994، أما بقية الدول العربية فالنظم الإعلامية كانت فيها مغلقة ومقصورة على الدولة، وطبيعي في سياق هذا التحول الذي سيطرت فيه الفضائيات على الرسالة الإعلامية أن تبدأ الحكومات في اتخاذ اجراءات لتنظيم هذا القطاع».

وحجم ظاهرة الفضائيات في مصر لا يتعدى 5 في المئة من عدد القنوات الفضائية الموجودة في العالم العربي، وهناك 22 قناة فضائية «مصرية خاصة» فقط تم انشاؤها وفقاً لقانون المنطقة الحرة الإعلامية والبقية قنوات أجنبية مسجلة في مصر منها 48 قناة على الأقمار في الفضاء 26 تملكها الحكومة و22 يملكها القطاع الخاص.

ويقدم المسؤولون المصريون هذه الوقائع لنفي اتهامات تزعم ان مصر تقود حركة «الوثيقة» لتحقيق «مصالح مصرية»، ورداً على قول البعض أن الوثيقة، تمثل تهديداً لمصلحة الدول التي تمتلك مناطق حرة يقولون ان حجم صناعة الإعلام في مصر وصل العام الماضي الى 1.6 بليون جنيه بين بث واشتراكات وانتاج درامي وبرامج... وهناك مبلغ يقل عنه بقليل في السوق غير المنظمة للوصلات غير الشرعية المنتشرة في المحافظات والقرى، والحديث يجرى عن صناعة يقدر حجمها الإجمالي حالياً بين 3 بلايين جنيه ويمكن أن يصل الى ستة بلايين في غضون خمسة أعوام.

على أن الشروحات لم تكن كافية بالنسبة الى مشاركين في مؤتمر الاسكندرية لإقناعهم بمبدأ وضع ضوابط للإعلام، منهم من انطلق من دوافع عامة تتعلق بحرية التعبير وضرورة فتح الفضاء أمام حرية التعبير، ومنهم من رأى أن أي ضوابط لن يمكنها أن تقف في وجه ثورة الاتصالات، وان الفضائيات التي نشاهدها اليوم ستخلي الساحة سريعاً أمام الإعلام الالكتروني.

وذهبت بعض المداخلات الى حد القول ان وثيقة وزراء الإعلام العرب هي «ترجمة لتوجهات الإدارة الأميركية ولرغبات البنك الدولي في خفض التسييس في العالم العربي لتخفيف الضغوط على أصحاب القرار».

ورأي هؤلاء انه اذا كانت الشكوى من البرامج الحوارية فإن اللجوء الى مثل هذه البرامج ناجم عن انها «الأقل كلفة».

وقال خبراء ان هناك نحو 33 مليون مستخدم للانترنت في العالم العربي وهو عدد ضئيل نسبة الى بقية أنحاء العالم و30 في المئة من هؤلاء لا يمكنها الاستفادة من 12 بليون صفحة على الانترنت بسبب عدم تمكنهم من اللغة الانكليزية.

وكشفت مداخلات أخرى أن «زواجاً غريباً» في الإعلام يجرى بين التلفزيون والانترنت والخليوي، «سيجعل من وسائل الإعلام في وقت قريب موضوعاً غير قابل للتقييد و «هذا ما لم يفهمه وزراء الإعلام».

ولاحظت أن ملكية الفضائيات ليست بعيدة من السلطات، وتموّل مصارف محددة قنوات دينية وتنتشر قنوات الترفيه المربحة ويكتفي بعض الحكام بكسب «شرعية تلفزيونية» بدلاً من شرعية سياسية يقررها الناس.

وعلى رغم ان مشاركين رأوا ان «صراع الديكة» في بعض البرامج الحوارية على قنوات معينة (الجزيرة) هو اضاعة للوقت وأن بعض هذه القنوات لا يتسم بـ «النزاهة»، فإن رأياً ساد مفاده ان الفضائيات علّمت جماهير واسعة كيفية المتابعة والنقاش. وأعطى الكاتب المصري يعقوب الشاروني مثلاً عن ذلك، قرى بكاملها في مصر لم تكن تصلها الصحف وتتفشى فيها الأمية وعندما وصلها التلفزيون بدأ أهلها يفكرون بقضايا جديدة ويناقشون «حضارياً» مقلدين ما يفعله باراك أوباما وهيلاري كلينتون، بدلاً من تبادل اللكمات وضرب العصي لدى أي اختلاف!

ولم تكن مفاجأة النقاش في خصوص وثيقة وزراء الإعلام العرب في مواقف المشاركين من الإعلاميين والباحثين الذين لا يمثلون جهاتٍ رسمية وهم غالبية بين 600 حضروا الى الاسكندرية، بل من بعض المندوبين الذين يحملون صفة رسمية ولهم تاريخ وتجربة في مجال الإعلام. وفي جلسة الافتتاح تميز وزير الإعلام السوري السابق عدنان عمران الذي حضر ضمن وفدٍ ضم النائب في مجلس الشعب السوري محمد حبش باتخاذه موقفاً قاطعاً في رفضه للوثيقة عندما قال ان «القرار الذي أُخذ في الجامعة العربية بالنسبة الى الفضائيات يمكن أن يقود الى طريق الانزلاق... فالوثيقة هي وثيقة اذعان لأنها صنعت من طرف واحد وبسرعة كبيرة وتحتوي عبارات مبهمة... بدلاً من أن تعمل على حماية المجتمع والشعوب العربية».

وكان واضحاً أن هذا الرأي يعكس مقداراً من الخلافات السياسية القائمة بين دمشق وعواصم عربية أخرى، أكثر مما ينطلق من موقف نقدي مبني على حقائق تطور العمل الإعلامي وحاجته الى مناخات الحرية والى تشريعات تضعها هيئات تمثيلية منتخبة في البلدان المعنية، وهو ما ركز عليه مشاركون يحملون التجربتين التقنية والإعلامية.

على أن البحث لم يقتصر على الإعلام الفضائي وان كانت الفضائيات شريكاً في كل المناقشات والندوات الفرعية، وقدم بهاء الدين الطود بحثاً حول «العلاقة بين الديموقراطية وحرية الصحافة – المغرب نموذجاً» أشار فيه الى أن «مشاريع الإصلاح تسير ببطء شديد (في المغرب) كما ان قانون الصحافة وان أدخلت عليه تعديلات كعدم تعرض الصحافي للسجن بسبب أفكاره، فإن الخطوط الحمر ما زالت ماثلة وقد سجّل المغرب تراجعاً بموافقته على وثيقة وزراء الإعلام العرب في شباط الماضي».

ورأى حسن عبد ربه المصري في حديثه عن «العلاقة بين الديموقراطية وحرية الصحافة ان «المفروض في الدولة انها لا تملك الصحافة أو وسائل الإعلام أو مراكز الإبداع ولا تديرها، واذا فعلت ذلك أصبحت دولة شمولية أو تسلطية... ومسؤوليتها تنحصر في التمكين لكل الآراء أن تُعبر عن نفسها بصورة متعادلة... ولذلك يجب أن تتوثق العلاقة بين الأخذ بنظام الحكم الديموقراطي وحرية الصحافة ووسائل الإعلام بالارتكاز على حق جميع أبناء الوطن في التصويت لاختيار ممثليهم في ضوء الاختيارات والبدائل والقناعات الفكرية والبرامج السياسية التي تطرحها مختلفة التيارات وليس بدافع الولادات العرقية أو الطائفية أو الدينية أو العشائرية. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال قيام الصحافة ووسائل الإعلام بدورها الريادي في ما يتعلق بتوفير المعلومات الأساسية والمعارف الضرورية التي تسمح بحق الاختيار القائم على المعرفة التي يمكن التحقق من صدقيتها».

وفي كل الحالات استمر خيط الحرية والقانون يحكم تناول المحاور. فالصحافة (الطباعة) التي يمكن نسبتها الى غوتنبرغ ثم ظهور الإذاعة فظهور التلفزيون 3 محطات في تاريخ البشرية كانت بمثابة ثورات حقيقية في انتشار المعرفة، ولا يقاس دورها بالاشتراطات التي تحاول السلطات رفعها من حين الى آخر.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: daralhayat