التربية الإعلامية

 

بدر بن أحمد كريِّم

 

مفهوم التربية

ما اعنيه بالتربية هنا: انها نظام اجتماعي، يحدد الأثر الفعال للاسرة والمدرسة، في تنمية النشء، من النواحي: الجسمية، والعقلية، والاخلاقية، حتى يمكنه أن يحيا حياة سوية، في البيئة التي يعيش فيها.

وعلى هذا النحو، فالتربية اوسع مدى من التعليم، الذي يمثل المراحل المختلفة، التي يمر بها المتعلم، ليرقى بمستواه في المعرفة في دور العلم. فالتربية اذن هي: عملية عامة، لتكييف الفرد، ليتمشى ويتلاءم مع تيار الحضارة الذي يعيش فيه. وبهذا تصبح التربية عملية خارجية، يقوم بها المجتمع لتنشئة الافراد، كي يسايروا المستوى الحضاري العام(1).

مفهوم الإعلام وعناصره

اعترف في البداية، بأن مفهوم الاعلام تعدّدَ بتعدد العلوم الانسانية. وهذا التعدد لا يشير الى خلاف في مفهوم الاعلام، بقدر ما يشير الى ثراء المعنى، وتأكيد اهميته. وبعيدا عن الخوض في التفاصيل، فإن ما اقصده بالاعلام هو: "العملية الاجتماعية، التي يتم بمقتضاها تبادل المعلومات، والآراء، والافكار بين الافراد او الجماعات داخل المجتمع، وبين الثقافات المختلفة، لتحقيق اهداف معينة"(2).

اما العناصر الاساسية لعملية الاعلام، فقد استقر في ادبياته انها خمسة: الاول: المرسِل "الشخص الذي يقوم بارسال الرسالة" الثاني: الرسالة "التي تحتوي على عدد من المعاني والافكار" الثالث: المستقبل "الشخص الذي يقوم باستقبال الرسالة" الرابع: الوسيلة "الاداة التي يتم من خلالها نقل الرسالة من المرسل الى المستقبل" الخامس والاخير: الهدف "المقصود بالرسالة".

مفهوم التربية الاعلامية

من واقع مفهومي التربية والاعلام اللذين اشرت اليهما، يمكن القول: ان التربية الاعلامية تعني: اعداد الاعلاميين لاداء العملية التربوية، اذ لا يكفي ان يتقن الاعلاميون مهارات العمل الاعلامي، دون ان تتسق مع قيم واهداف المجتمع، المعلنة في سياسته المكتوبة، وتحقق المشاركة بينهم وبين التربويين، لاسيما في هذا الزمن، الذي بدأت فيه الانحرافات الفكرية داخليا وخارجيا، وما نجم عنها من اضطرابات، تحاول أن تخل بوظائف المؤسسات الاعلامية والتربوية، في تأمين حاجات الافراد مثل: الحاجة الى الامن الاجتماعي، والحاجة الى سلوك تربوي رشيد، والحاجة الى إعلام متوازن. ويبنى الإعلام التربوي على المتخرجين من اقسام الاعلام، بعد ان يعدوا من خلال برامج متخصصة في التربية، عبر الجامعات التي تخرج اعلاميين متخصصين.

كيف يمكن تربية الإعلاميين؟

اعتقد أن هذا هو صلب مداخلتي. ولذلك اقول: تتحقق تربية الإعلاميين من خلال:

اولا: المحافظة على خلق وقيم المجتمع، حتى يتسنى لهم الاسهام في تربيته، وهذه التربية يمكن أن تقدم لهم في مؤسسسات التأهيل الاكاديمي، وفي المؤسسات الاعلامية، حتى يمكن أن يكونوا مؤثرين. وهذا التأثير يتطلب من الإعلاميين، توظيف العملية الإعلامية لصالح العملية التربوية، بحيث تتفق مع مفهوم الهدف من الاعلام من جهة، ومع الهدف من التربية من جهة اخرى، فالمربي يريد من الطالب والطالبة ان يكتسبا المعلومة، والاعلامي يرصد اثر هذه المعلومة، في البناء المعرفي للمتلقي، ليبني عليها قراراته، ويقوم بأنماط سلوكية، تشير الى حدوث تأثير في العملية التربوية. وما اود ان اشير اليه، ان هذا التأثير قد لا يحدث بشكل فوري، بل ربما بصورة بَعْديّة، اي بعد تلقي المعلومة. فمعظم ادبيات الاعلام، تشير الى ان هذا التأثير "يكون محصلة عمليات معرفية، ونفسية، واجتماعية عديدة، تختلف في تأثيرها من فرد الى اخر، او من جماعة الى اخرى، مما يؤدي الى حدوث التأثير بنسب متفاوتة، بين الافراد الذين يتلقون التربية الاعلامية"(3).

ثانيا تعليمهم كيف يكوّنون مهاراتهم الاعلامية: ويقصد بها مهارات: الاتصال، والكتابة، والتحدث، والقراءة، والاستماع واستخدام التقنية الحديثة، وكيفية انتاج الرسائل الاعلامية وتشكيلها، ومعرفة التنظيم داخل المؤسسات الاعلامية.

ثالثا تعليمهم كيف يعبرّون عن اتجاهاتهم:

فقد بات واضحاً ان اتجاهات الاعلاميين تؤثر في التربويين، فإذا كان اتجاه الاعلامي ازاء التربوي سلبيا، عكس ذلك قدرا من عدم التفاهم بين الطرفين، والعكس صحيح ايضا. فالطالب والطالبة لا يتحمسان للحديث او الاستماع الى معلميهم، مادام اتجاههم نحوهم سلبيا، والعكس صحيح، فالاعلامي والتربوي لا يتحمسان للحديث او الاستماع الى بعضهما، مادام اتجاه كل منهما ازاء الآخر سلبيا، والعكس صحيح. ان الطرفين "الاعلامي والتربوي" لا يستمعان الى بعضهما البعض، مالم يكونا محبين لبعضهما البعض، مقتنعين بأهمية العلاقة بينهما، وانها تقوم على الاحترام والثقة المتبادلين.

رابعا تعليمهم كيف يؤثرون في مستوى معرفة المربين: يفترض في الإعلامي ان يكون قادرا على نقل الافكار والمعاني المطلوبة الى المربي، وكذلك قادرا على اختيار البدائل، التي تسهم في التبسيط والايضاح، فمستوى المعرفة يسهم في ادراك الرسالة التربوية الاعلامية، فإذا لم يتوافر عند الطرفين قدر كبير من المعرفة والمعلومات، فإنهما لا يختاران الرسالة التربوية الاعلامية من البداية، وحتى لو اختاراها فقد لا يستطيعان ادراكها في التو والحال، لأن الادراك يرتبط اساسا بالمخزون المعرفي عند الطرفين.

خامسا: تعليمهم كيف يتأثرون بالسياق الاجتماعي والثقافي:

فمادام الاعلام نظاما اجتماعيا، فإن الطرفين المشاركين في العملية التربوية الاعلامية، يتأثران بالنظم الاجتماعية والثقافية الاخرى، ويستطيعان بالتالي ان يعرفا كيف يتفاعلان مع النظم الاجتماعية الاخرى مثل: الانظمة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والتربوية، والاعلامية، والثقافية، بما تنطوي عليه من: تبادل الآراء بلا تعصب لرأي واحد، والتخلي عن الاحكام المسبقة، والحوار مع الآخرين بالتي هي احسن.

الخلاصة

اخلص مما سبق الى القول: ان التربية الإعلامية تقوم على معايير دقيقة، وتعتمد على تنظيم معقد من الادوار، والمواقع، التي تسهم في العملية التربوية الاعلامية. ووحدة التحليل الاصغر في هذه التربية، ليس الإعلامي وحده، وليس التربوي وحده، بل هما معاً كشركاء في التربية الإعلامية برمتها.

.............................................................

الهوامش:

(1) أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية بيروت: مكتبة لبنان، 1977م، ص127.

(2) محمد عبدالحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير. ط1، القاهرة: عالم الكتب، 1997م، ص21.

(3) المرجع السابق، ص30.

*ورقة عمل قُدِّمت في لقاءٍ عن "الصحافة والتربية" بمكة المكرمة، الأحد 8/4/1424هـ.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: tabnet