من يمتلك إعلام أمريكا؟

 

 

ربما يمكن للمرء أن يتخيل أن جيمس ماديسون "أحد مؤسسي الولايات المتحدة" كان يتقلب داخل قبره حينما أعلن قطب الإعلام "روبرت مردوك" صفقة قدرها خمسة بلايين دولار لشراء شركة "داو جونز" التي تنشر صحيفة "وول ستريت جورنال" في أغسطس الماضي.

ففي الوقت الذي كان فيه الأب المؤسس مناصرا قويا لنشر المعلومات ذات القيمة الإخبارية - كان مصمما أيضا أن يكون من ينشرون الأخبار هم الذين يعملون فيها وبدلا من أن تصبح وسائل الإعلام خاضعة للملكية العامة - فان أغلبية الصحف الأمريكية مملوكة لمن وصفهم "ماديسون" بالتجار أو أصحاب الأعمال.

حالة روبرت ماردوك وول ستريت جورنال

وبما يتفق مع الثقافة الرأسمالية الغربية التي ظهرت خلال القرن العشرين أصبحت المحطات الإخبارية والصحف والبرامج الإذاعية والمنشورات وما على شاكلتها مملوكة للقطاع الخاص بدلا من القطاع العام. والأكثر من ذلك أن معظم وسائل الأعلام في الولايات المتحدة لا يديرها التجار فحسب بل قلة منتقاة منهم. وقد جذبت هذه الحقيقة الانتباه مؤخرا حينما اشترى قطب الإعلام الدولي "مردوك" صاحب مؤسسة NEWS CORPORATION - شركة "داو جونز" التي تدير صحيفة "وول ستريت جورنال" نهاية الصيف الماضي.

وطبقا لموقع "MEDIAOWNERS.COM" الإخباري الذي يرصد أنشطة اكبر المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة فإن المؤسسة الإعلامية التي يمتلكها مردوك تندرج في الترتيب الرابع بين عشرين مؤسسة إعلامية رئيسية في الولايات المتحدة وان حجم أعمالها بلغ 25.3 مليار دولار عام 2006 ويضيف موقع الانترنت أن من بين ممتلكات شركة NEWS CORPORATION التي يصعب حصرها قناة "فوكس" الإخبارية ومحطة "FX" وصحيفة "نيويورك بوست" و "شركة فوكس القرن العشرين للإنتاج الفني" وشبكة الكابل DIRECT TV وموقع " MY SPACE " على شبكة الانترنت وتُعد AOL TIME WARNER INC من أكبر مؤسسات الإعلام في الولايات المتحدة التي حجم أعمال يبلغ 43.6 مليار دولار عام 2006.

وطبقا لما أعلنه موقع MEDIAOWNERS.COM فإن من بين أفرع المؤسسة الإعلامية العملاقة شركة "أمريكا اون لاين" وشركة الكابل HBO وشركة TURNER و شركة WARNER BROS للإنتاج الفني والمؤسسة التي تصدر مجلة "TIME".

ونتيجة لهيمنتها على الإعلام الإخباري والفني فإن مؤسسة AOL TIME WARNER INC توفر كل ما يحتاج المرء لقراءته ومشاهدته بالإضافة إلى كل ما يلزمه ليحقق الاتصال مع شبكة الانترنت.

ويورد مركز MEDIA REFORM للمعلومات أن واحدا من بين كل أربعة أشخاص في الولايات المتحدة يستخدم شبكة الانترنت عبر مؤسسة AOL TIME WARNER .

وسائل الإعلام جزء من شركات كبرى

وتندرج في المراتب التالية بعد تلك المؤسسة - شركات "ديزني" و VIACOM ومؤسسة مردوك الإعلامية وشركة CBS لتشكل اكبر خمس مؤسسات إعلامية في الولايات المتحدة حسب ما أعلنه موقع MEDIAOWNER.COM.

وهناك أيضا شركة "جنرال اليكتريك" التي تجيء مباشرة بعد هؤلاء الخمسة وتمتلك استوديوهات يونيفرسال التابعة لشبكة NBC وغالبا ما يُشار إلى المؤسسات الست العملاقة باعتبارها الستة الكبار في الإعلام الأمريكي حسب ما أعلنته خدمات الإذاعات العامة. وكان عدد الكبار خمسين شركة في عام 1984 بزيادة ثماني مرات وأكثر عن عددها اليوم.

ومع تحكم ست مؤسسات إعلامية فقط في المعلومات التي يتلقاها الأمريكيون يمكن للمرء أن يتصور وجود مشكلات. ويقول المنتقدون أن تقلص ملكية الإعلام الأمريكي تتسبب أيضا في تقلص الأفكار الجديدة.

BARRY DILLER صاحب إحدى المؤسسات الإعلامية ومن معارضي هيمنة القطاع الخاص على الإعلام الأمريكي صرح في مقابلة مع BILL MOYERS من خدمات الإذاعة العامة عام الفين وثلاثة أن هناك شركات إعلامية تنتج وتمول ما تبثه عبر قنواتها ومن ثم تنشر إلى العالم كل ما يمر عبر نظام التوزيع والنشر الخاضع لسيطرتهم - وفي نهاية المطاف يتدنى عل نحو مستمر عدد الأصوات المشاركة في تلك العملية.

ويتعين ان تُؤخذ وجهة نظر DILLER في الاعتبار حسب رأي كثيرين آخرين يشعرون بالاستياء وعدم الرضي عن حالة الإعلام الأمريكي الراهنة ويقولون أن تلك حقيقة واقعة إذا تعلق الأمر بالسياسات والعلاقات الدولية وفي ظل هيمنة عدد محدود للغاية من المؤسسات الإعلامية على عملية نقل المعلومات التي يستقيها غالبية الأمريكيين , يشير الكثيرون إلى أن هناك مخاطرة تكمن في إمكانية عدم كشف تلك الشركات إلا عن المعلومات التي تختارها بنفسها.

وبما أن جميع وسائل الإعلام تقريبا التي تصل إلى متناول الأمريكيين تملكها مؤسسات و منظمات تبغي الربح فان هدف تحقيق الإرباح غالبا ما يتعارض مع الممارسة الإعلامية المسئولة حسب ما أعلنته مؤسسة FAIR وهي منظمة قومية معنية بمراقبة النزاهة والدقة في توفير الخدمات الإعلامية.

وعلاوة على ذلك فان تلك المؤسسات العملاقة الستة لا تعمل فقط في مجال الإعلام لكنها تملك مشاريع في قطاعات أخرى الأمر الذي يُعتبر تناقضا في المصالح – فعلى سبيل المثال وطبقا لما أوردته مقالة نشرتها صحيفة "سياتل تايمز" التي تصدر في ولاية واشنطن على الساحل الغربي وهي بقلم الشقيقين "ديفيد" و "آمي جودمان" فان شبكة CBS كانت ولا تزال ملكا لشركة "وستنجهاوس" وشبكة NBC كانت ولا تزال أيضا ملكا لشركة "جنرال اليكتريك" إبان حرب الخليج في أوائل التسعينات.

وفي هذا الوقت كانت شركتان من كبريات منتجي الأسلحة النووية ملكا للشبكتين الرئيسيتين – وكانت شركة "وستنجهاوس" و " جنرال اليكتريك" تصنعان معظم قطع الأسلحة التي استخدمت في حرب الخليج الأولى. وقال الصحفيان الشقيقان أن هذا الوضع جعل تغطية الحرب على الشبكتين كما لو كانت تغطية معرض للأسلحة والمعدات. وأضاف "ديفيد" و "آمي": " لقد شاهدنا صحفيين داخل كابينة قيادة الطائرات الحربية أثناء مقابلاتهم مع طياريها وكانوا يسألونهم عن مشاعرهم وهم يسيطرون على الطائرة - لم نر أبدا صحفيين يسألون المستهدفين بالضربات الجوية عن مشاعرهم وسط أجواء الحرب كما أن الرقابة التي تمارسها المؤسسات التي تدير وسائل الإعلام الأمريكية كانت نقطة خلاف فيما يتصل بحرب العراق الحالية – طبقا لدراسة أعدتها كلية الاتصالات في الجامعة الأمريكية بالعاصمة واشنطن عام 2005.

وجاء في الدراسة التي استدعت مقابلة ما يزيد على 200 صحفي أن 15% ممن شملتهم الدراسة قالوا إن المؤسسات الإعلامية التي يعملون لديها تدخلت في مناسبة أو أكثر في تحرير مواد للنشر وإنهم لم يصدقوا الحالة التي أصبحت عليها تقاريرهم عند نشرها في نهاية المطاف.

وأضافت الدراسة أن حوالي 42% ممن استطلعت آراؤهم انه طُلب منهم عدم نشر صور فوتوغرافية لقتلي من الجنود الأمريكيين - فيما ابلغ 17% أنهم مُنعوا من ذلك كما أوردت الدراسة أن 36% من المشاركين تلقوا تعليمات من شبكاتهم بعدم نشر صور للرهائن ومن المرجح أن تستمر ظاهرة تحكم عدد محدود من الأشخاص في المواد التي تصل إلى موجات البث أو أماكن بيع الصحف.

وفضلا عن ذلك فانه لو بقيت الأمور في المستقبل على وضعها الحالي مثلما كانت عليه طيلة الأعوام العشرين الماضية- فان العدد المتدني من المؤسسات الإعلامية التي تهيمن على الإعلام الأمريكي سوف يواصل تدنيه - وهو احتمال يبدو واقعيا بالنسبة للكثيرين بالنظر إلى بسط قطب الإعلام مردوك هيمنته على مؤسسة "داو جونز"وإذا كان "ماديسون" ساعد في إرساء أمريكا الملتزمة بالحرية وعدم الفساد فانه يمكن للمرء أن يتصور انه لن يسعد كثيرا لو كان معنا اليوم.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:taqrir-15-12-2007