التحديث... وصناعة الثقافة

 

د. حسن حنفي

 

 

ازدادت أسعار النفط إلى حد كبير هذه الأيام. ووصل سعر البرميل الواحد حدود مئة دولار. ويتوقع البعض وصوله إلى حدود المائتين إذا ما وقعت حرب في الوطن العربي لسبب أو لآخر.

وبالرغم من أن قسطاً من العوائد يعود إلى شركات النفط، وباقي حقوق العرب في البنوك الأجنبية، والأقل منها يستثمر داخل الوطن العربي، إلا أن استثمارات هذه العوائد تقوم بها شركات البناء الأجنبية لأضخم المطارات، وأوسع الطرق وأمتنها، وشبكات الاتصالات داخل كل القطر العربي الذي به آباره. وكلها من مظاهر الدولة الحديثة. ولا يتم تخطيط ذلك على مستوى الوطن العربي كله، حماية لوحدته، وربط مدنه بشبكة طرق سريعة أو بشركات طيران عربية أو اتصالات عربية أو بإعادة البنية التحتية للأقطار الأقل تميزاً، أو إقامة مشاريع تنموية مشتركة خاصة ما يتعلق منها بالغذاء والصناعة والتعليم حتى إذا ما نضب النفط، فهو سلعة مؤقتة تنفد بمرور الزمن، وجدت صناعات تحويلية بديلة قادرة على توفير العوائد البديلة.

ومن ضمن مظاهر الدولة الحديثة المشاريع الثقافية. فلا دولة بلا ثقافة، ولا ثقافة بلا عصرية، ولا عصرية بلا تعرف على أهم الإبداعات الثقافية للعصر عن طريق الترجمة. فالحضارات الأخرى، غرباً وشرقاً، تبدع ونحن نستهلك. تؤلف ونحن نترجم. ويكون منهجنا في التحديث نقل المعلومات ممن يعرف إلى من لا يعرف، من المركز إلى المحيط. فالتحديث يأتي عن طريق الوافد مثل مواد الصناعة والبناء الحديثة.

مصدر العلم خارجي كما أن الإلهام خارجي، هذا من الأرض وذاك من السماء. ولا تحتاج الترجمة إلى جهد كبير باستثناء ممول وناشر ومترجم. والتمويل موجود. والناشرون موجودون في شتى أقطار الوطن العربي خاصة في مصر ولبنان. والمترجمون موجودون أيضاً، فرص عمل كبيرة، وأجر مجزٍ ومضمون. فنقل المعلومات أسهل من إبداعها. والترجمة أسرع من التأليف.

والحقيقة أن الترجمة بمفردها لا تصنع ثقافة، ولا تقيم نهضة، ولا تؤسس حضارة. الترجمة أحد ثلاثة عناصر في النهضة الثقافية مع النشر والتأليف كما فعلت مصر منذ قرن في "اللجنة المصرية للتأليف والترجمة والنشر". والنشر العنصر الثاني. وبتفاعل الوافد والموروث أي الترجمة والنشر ينتج التأليف. الترجمة وسيلة وليست غاية. تهدف إلى التعرف على ثقافات الغير. هي مقدمة وليست نتيجة. آلة وليست هدفاً. وتقوم على أسس اختيار واعٍ وليس مجرد ترجمة بعض الإبداعات الإنسانية قديماً وحديثاً بصرف النظر عن مدى الاحتياج إليها ووجود جمهور لها، وتأثيرها في المرحلة التاريخية الراهنة التي يمر بها المجتمع العربي. تكوّن بؤراً ثقافية عالمة ومتعالمة لنخبة من المتعلمين قادرين على قراءة أصولها الأجنبية إذا كانت باللغة الإنجليزية.

والترجمة في الغالب ذات اتجاه واحد، من المركز إلى الأطراف، ومن الغرب إلى العرب، وليست مزدوجة الاتجاه في اتجاه معاكس أيضاً، من العرب إلى الغرب، إحساساً منا بأننا لا ننتج ثقافياً بل نستهلك فحسب.

صحيح أن إبداعاتنا الأدبية في الشعر والرواية والقصة والمسرح تُرجم البعض منها إلى اللغات الأجنبية بعد حصول بعض مبدعينا على الجوائز العالمية. ولم يخفف ذلك من عقدة النقص أمام الآخر الذي لم يتخفف هو الآخر من عقدة العظمة ومع ذلك لدينا إبداعاتنا في العلوم الإنسانية وفي الفكر العربي المعاصر تجهلها الثقافات الأخرى. وإذا كانت الترجمة ليست مجرد نقل لغة إلى لغة أو ثقافة إلى ثقافة بل تفاعل الحضارات فإنها تكون ذات اتجاهين، من الغرب إلى العرب، ومن العرب إلى الغرب، حتى تتغير الصور النمطية التي كوّنها الغرب عنا على مدار السنين، ونظّرها العلماء بحيث أصبح التفكير والتنظير حكراً على الغرب وحده، دون غيره.

ويقوم بعض الشباب، خريجي الجامعات الأجنبية، بما لديهم من قدرات لغوية، بالعمل داخل هذه المؤسسات والهيئات الجديدة للترجمة. ويتولى أصحاب رؤوس الأموال رئاستها، وتوجيهها عن بعد، ووضعها في إطارها المطلوب، وتوظيفها في الأهداف المحددة. الناشرون العرب في الصف الأول. ويلحق الناشرون الأجانب حتى لا تفوتهم قسمة الغنائم. فهم من بلاد أهل التأليف والإبداع. والمترجمون أي العلماء هم الذين ينادي عليهم الناشرون لتوقيع العقود بعقلية الوسطاء التجاريين، والوكلاء لأصحاب رؤوس الأموال. فهم الناشرون والموزعون والمعدون لصناعة الكتاب، وخاصة أن النشر الثقافي المستقل يعاني من أزمة التأليف والطباعة والنشر نظراً لغلاء أسعار مواد الطباعة وتكاليفها وبطء عائدها ومطاردة العلماء لهم لدفع حقوقهم والتهرب منهم.

في هذه الأوضاع، لا تصنع ثقافة. فالثقافة ليست ترجمة وطباعة ونشر مجلدات فخمة لا يقرأها أحد، توزع هدايا لعلية القوم وأصحاب رؤوس الأموال. وتوضع زينة في المكتبات العامة والخاصة. الثقافة أحد عوامل نهضة الشعوب وتقدم الأمم إذا كانت تعبيراً عن واقعها وتلبي حاجاتها في المرحلة التاريخية التي تمر بها. ودون تحليل هذه المطالب والاحتياجات تظل الثقافة نخبوية عالمة لا تحرك ساكناً.

الثقافة جزء من وجود الدول ذاته. فإذا ما هددته المخاطر الداخلية أو الخارجية تحولت الثقافة إلى أداة دفاع ومقوِّم وجود. ومنذ أن احتمت الأمة بالقومية العربية في القرن الماضي كبديل عن الدولة العثمانية، وهي الآن تحتمي بالدولة القطرية بعد هزيمة يونيو- حزيران في 1967 وحرب الخليج الأولى في 1980 والثانية في 1991، تواجه الدولة القطرية الآن مخاطر التفتيت والتجزئة إلى دويلات طائفية عرقية مذهبية كما يحدث الآن في العراق والسودان. هنا تأتي الثقافة الوطنية التي تنصهر فيها الأعراق والطوائف والمذاهب كقارب نجاة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad-15-12-2007