لماذا نترجم؟

 

د. عبدالله المدني 

 

 

لا شك أن الترجمة، باعتبارها أحد عوامل النهوض وأدوات التقدم المعرفي، صارت في السنوات الأخيرة تلقى اهتماماً متزايداً في عالمنا العربي، وانتقلت من الجهد الفردي إلى الجهد المؤسساتي، ومن الطابع التجاري إلى الطابع العلمي المنهجي، ومن العمل الخاص إلى العمل الرسمي أو شبه الرسمي. وكان آخر التطورات في هذا المجال إطلاق مشروع طموح في أبوظبي حول ترجمة ما لا يقل عن مئة عنوان سنوياً، ناهيك عن الاهتمام الذي أولي للترجمة والتعريب في مؤتمر المعرفة الأول الذي نظمته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دبي نهاية الشهر الماضي، وكان لي شرف المشاركة فيه كمعقب.

وهذا بطبيعة الحال أمر مفرح وحدث غير مسبوق، غير أن الطريق لا يزال طويلاً أمامنا، وبالتالي فإن أردنا اختصار المسافات وردم الهوة الكبيرة التي تفصلنا عن الآخر في هذا الميدان، فمن الأهمية بمكان أن نحسم أولاً مسائل عادة ما تذكر في سياق الحديث عن الترجمة، هي: لماذا نترجم؟ وماذا نترجم؟ ومن يترجم؟

فمثلاً في مسألة "لماذا نترجم؟" من الضروري أن نحسم بصورة قاطعة أننا لا نترجم من أجل الترجمة أو التباهي، ولا نترجم فقط من أجل العلم بما لدى الآخر، ولا نترجم من أجل تعريب التعليم الجامعي، وإنما من أجل الإطلاع على ثقافة ومنجز الآخر الحضاري والإبداعي بقصد فهمه وتفكيكه والاستفادة منه والإضافة إليه إن أمكن. فإذا ما اتفقنا على هذا الهدف، فإن للعملية شروطاً وقواعد قد تختلف فيما لو كان الهدف شيئاً آخر.

وهذا يقودنا مباشرة إلى السؤال الآخر أي: ماذا نترجم؟ وإجابتي هي إعطاء الأولية القصوى لترجمة إبداعات وتجارب الآخر في المجالات الحيوية المفيدة لعصرنا، مثل إبداعاتهم في حقول العلوم المتنوعة وتجاربهم في التنمية والتعليم والتسامح والديمقراطية والحرية والحداثة والحقوق والتعددية والمواطنة، ومسيرتهم في نشر ثقافة العمل والانضباط والولاء للمؤسسة، وثقافة التأمل والمحاكاة، وثقافة احترام القانون، وثقافة العمل الجماعي المنظم، وثقافة عدم إهدار الوقت.

وفي هذا السياق من المهم أن نخرج من دائرة الترجمة المركزة على إبداعات وفنون وثقافات الغرب المتقدم فحسب. ذلك أن في الشرق نماذج رائعة للتقدم في مختلف المجالات، من تلك التي أهملناها طويلاً، وبات من الضروري اليوم التركيز عليها. فمثلا تطرح الهند سنوياً ما معدله 200 ألف عنوان جديد في مختلف المجالات وبمختلف لغاتها المتداولة، من بينها نسبة 10 بالمئة على الأقل منشورة باللغة الإنجليزية التي يجيدها الكثيرون في عالمنا العربي. والمؤسف ليس فقط عدم قيام أية جهة بترجمة أحد هذه الإبداعات، وإنما عدم وصولها إلى أيدينا بلغتها الأصلية.

من ناحية أخرى، فإنه من المفيد في مسألة "ماذا نترجم؟" ألا نبذل الجهد ونصرف الوقت والمال في ترجمة أعمال أجنبية لن تضيف شيئاً جديداً إلينا، مثل الأعمال التي أنجزها الآخر حول تراثنا أو تاريخنا أو ثقافتنا أو مجتمعاتنا.

ذلك أننا لسنا بحاجة لمعرفة أنفسنا من خلال أعين الآخر الأجنبي، بقدر ما نحتاج إلى علم الآخر المتقدم وفهم تجاربه وفلسفته وإبداعاته. والمؤسف في هذا السياق أن بعض مشاريع الترجمة العربية الواعدة في السنوات الأخيرة وقعت ضحية للعقول المؤدلجة لبعض القائمين على تلك المشاريع، فتم توجيه الجهد والمال نحو ترجمة كتب تراثية أو ترجمة كتب معينة تتفق مع أفكار وأيديولوجية المسؤول عن المشروع.

ومن الضروري ألا يكون من بين الأهداف الرئيسية لمشاريع الترجمة العربية الراهنة أو القادمة "تعريب التعليم الجامعي" تحت ضغط التهويل الذي يمارسه بعضهم حول ضياع هويتنا وخصوصياتنا، ولكأنما الثقافة والهوية العربية ثقافة هلامية أو هوية فخارية. والحقيقة أني لم أر أمة تكثر من الضجيج حول هذه المسألة وتقف عندها طويلاً مثل أمتنا العربية المأزومة بالشك والتوجس والرعب من كل حركة أو عمل أو تطور في العالم.

ومن المفيد هنا أن نذكر أن المدافعين عن تعريب التعليم الجامعي كثيراً ما يشيرون إلى اليابان كمثال على أن تدريس مختلف العلوم باللغة الوطنية في الجامعات ليس عقبة أمام التقدم والاندماج في العالم المعاصر بقوة.

غير أن هذا يمكن الرد عليه بالقول: وهل نحن مثل اليابان في امتلاكها لمنظومة قيمية متميزة، وفي كونها المصدر الأصلي للكثير من العلوم أو صاحبة مساهمات مشهودة في المنجز الحضاري الإنساني؟ ثم أن اليابان لئن درست مختلف العلوم في جامعاتها بلغتها الوطنية، فإنها في مواكبة ذلك تملك خطة استراتيجية متجددة منذ منتصف الستينيات لترجمة ما معدله 50 ألف كتاب سنوياً من الكتب المنشورة في الغرب المتقدم، مع الإنفاق الهائل على هذا المشروع كي تكون الكتب المترجمة متقنة ومتوفرة لطلبتها بأرخص الأسعار، بل متوفرة في فترة قياسية قبل أن تتقادم مضامينها بفعل الحراك السريع والتطورات المستجدة في العالم.

ومن المفيد أيضاً أن نتطرق إلى تجربة الهند التي لو بقيت ترفع الشعارات التي نرفعها، أو بقيت مأزومة بفكر التآمر على اللغة والهوية الوطنية، لما كان خريجو جامعاتها اليوم في مقدمة مقتحمي أسواق العمل الدولية وأكثر الذين تبحث عنهم دول الغرب للتوظيف بسبب إتمام تخصصاتهم بلغة العصر القادرة على طرق كل الأبواب والتماهي مع كل منجز حضاري بسهولة.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الهند تبدو متفوقة بأشواط عن العملاق الصيني في مجالات البرمجيات وصناعة تكنولوجيا المعلومات والصناعة المصرفية والصناعة الإعلامية وغيرها من المجالات العابرة للقارات، بسبب امتلاك أبنائها لناصية لغة العصر الإنجليزية، الأمر الذي لا يتوفر مثله للصينيين، وهو ما دعا الصين مؤخراً إلى اللجوء إلى الهنود لمساعدتها في سد هذه الفجوة التي تحد من حركتها.

إني اشعر بحزن كبير حينما يأتيني طالب ماجستير أو دكتوراه من خريجي جامعاتنا الرسمية طالباً إرشاده إلى مصادر يستخدمها في بحثه، فإذا ما أرشدته عاد ليشكو من أن تلك المصادر مكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية، تصوروا طالب دراسات عليا لا يملك لغة أجنبية وحيدة تساعده على الإطلاع على المصادر التي غالباً ما تكون كلها أجنبية، وإن وجد مصدر بالعربية، فهو غالباً مترجم بلغة ركيكة ومسببة للصداع.

ورأيي المتواضع، هو أن تعريب المناهج الجامعية لئن صلح في مجالات الأدب والشعر والشريعة، فإنه لا يصلح في مجال العلوم في عالم اليوم بشروطه ومعالمه الراهنة، وإلا ظلمنا المتخرج وسلبنا منه حقه في التواصل مع هذا الكون، وحملناه ما فوق طاقته، وجعلنا منه فرداً لا يصلح إلا للعمل في دوائر الحكومة التقليدية. دعوهم أيها السادة يتعلمون بلغة العصر توفيراً للجهد وتعزيزاً لقدرتهم على اقتحام ميادين الأعمال والتواصل مع العالم والإطلاع أولاً بأول على المستجدات العلمية، وثقوا أن اللغة العربية والهوية العربية لن تندثر أو تصاب بمكروه إذا ما فعلنا ذلك.

وأخيرا فلا نهضة في الترجمة دون وجود حريات تسمح بترجمة ثقافة وإبداعات الآخر الفكرية والإنسانية والفلسفية من غير خطوط حمراء أو ملاحقات. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أحد أهم ما يعرقل نشر الثقافة والمعرفة والترجمة الإبداعية في بلادنا العربية، بما في ذلك ترجمة النظريات العلمية والفلكية والإنثروبولوجية، هو ذلك الخلط الغريب بين العلم والثقافة والدين والعادات.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-4-11-2007