لا معرفة من دون إصلاح

 

د. علي محمد فخرو 

 

 

موضوع انتقال المجتمعات العربية إلى مجتمعات معرفة، يعني في المحصٌّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّلة النهائية تحديثها ودخولها العصر الذي نعيشه. وحتى نعرف حجم ووزن هذا الطموح المشروع، يجب أن نتذكر أن المعرفة التي هي نتاج العقل والخيال والتأمل الإنساني في صورة مخزون من الأفكار والمفاهيم والتصورات والأدوات، تبقى معلومات غير مترابطة حتى تخضع للنقاش والتمحيص لجعلها مترابطة وصالحة لحل المشكلات العملية وهي لا تطير إلاً بجناحين؛ جناح يمثٌل إنتاجها وجناح يمثل نشرها بين الناس. وهي عملية لا تحدث إلا بشروط صارمة وفي أجواء مساندة لولادتها ورسوخها وانتشارها ونموها المستمر.

والمجتمع العربي فيه الكثير من العوائق التي إن لم تُزَلْ، فان دخوله في عالم المعرفة سيصبح صعباً، بل أكاد أقول مستحيلاً. فهناك عوائق ثلاثة رئيسية يجدر أخذها بعين الاعتبار عند محاولة الانتقال إلى مجتمع المعرفة .

أولاً: حاجة إنتاج المعرفة إلى أنواع متعددة من الحرية. فالجامعات لا يمكن أن تنتج معرفة من دون حرية أكاديمية. ومراكز الدراسات والبحوث لا يمكن أن تعمل وتنتج معرفة جديدة في ظل تدخلات وممنوعات تفرضها الدولة العربية أو بعض القوى في المجتمع، تارة باسم الأعراف والتقاليد وتارة باسم السلم الأهلي. والمفكرون لا يمكن أن يخرجوا عن اجترار المعرفة والثقافة وإعادة إنتاج الماضي في أجواء تهددهم في أرزاقهم وسلامة أجسادهم. وبالطبع لا يمكن الحديث عن إنتاج معرفة يتعذر النطق بنتائجها في غياب حرية التعبير، كلاماً وكتابة.

ثانياً: لا فائدة من إنتاج معرفة تظل حبيسة الأدراج وغير مستفاد بها من قبل المجتمع. في المجتمعات المتقدمة تنقلب المعرفة الجديدة المنتجة في الجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث إلى سياسات واستراتيجيات جديدة تأخذ بها الحكومات وإلى مشاريع اقتصادية أو تطويرات تكنولوجية تأخذ بها الشركات. أما عندنا فالمعرفة المتواضعة التي تنتج تبقى مهملة أو مُتجاهلة من قبل الدولة والمجتمع على حد سواء. المعرفة التي لا تصبح نشاطاً وحركة وتطويراً مجتمعياً لا قيمة لها ولا تستحق التعب من أجل إنتاجها.

ثالثاً: لا يمكن الحديث عن نشر المعرفة في مجتمع تطال الأمية الأبجدية حوالي ثلث أبنائه. هناك حوالي خمسة وثمانين مليوناً من الأميين وشبه الأميين في الوطن العربي، بينهم ثمانية ملايين طفل خارج المدارس الابتدائية. والواقع أن بقاء هذه الأعداد الهائلة من الأميين في المجتمعات العربية هو عار على أغلبية النظم السياسية في دول ما بعد الاستقلال. ولو وجدت الإرادة السياسية وتم تجييش المجتمع برمته لتمّ حل هذه القضية منذ زمن طويل . ولو طلب من كل فرد في الجيش أن يساهم واشترطت الترقيات في الأجهزة الحكومية بالمساهمة في محو الأمية وطلبت من كل طالب جامعي أن يمحو أمية عدد من المواطنين كشرط لتخرجه ولو أشركت مؤسسات المجتمع المدني بكثافة واستعملت وسائل تقنية المعلومات والتواصل بشكل صحيح واقتصادي... لو تم ذلك من قبل دولة تريد بحق محو أمية شعبها، لما بقيت هذه المشكلة عصية على الحل عبر أكثر من نصف قرن.

وإذا أضيفت إلى معضلة الأمية مشكلة تردي مخرجات التعليم، والتي تجعل منه تعليماً غير كفؤ، لاتضح لنا حجم العقبة التي تقف في وجه نشر المعرفة في المجتمع العربي. ذلك أن الكتاب لن ينتشر أو يقرأ في مجتمع أفراده ذوو تعليم متواضع، كما أنه في هذا المجتمع أيضاً لا مجال للثقافة الرفيعة والتمسك بها.

الحل النهائي والجذري لقضية المعرفة في الوطن العربي سينتظر إذن حصول تغييرات كبرى في عقلية وإرادة وتوجهات وبنية الدولة العربية نفسها. إن ذلك لا يعني عدم السعي لحلول جزئية ولكنه يعني أن يعمل في الحلول الجزئية والشاملة في آن واحد. كيف التنسيق بين هذين الجهدين، وذلك هو السؤال الكبير، كما في التعبير الشكسبيري المعروف الشهير.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-1-11-2007