الترجمة... وشروط النهضة

 

د.خالد الحروب 

 

"ما ترجم إلى العربية من عهد المأمون وحتى الآن لا يتجاوز ما تترجمه أسبانيا كل عام": عبارة صدمت الوعي الثقافي والفكري العربي عندما تضمَّنها أول تقارير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية العربية في سياق تناوله لغياب مجتمع المعرفة في المنطقة العربية.

تلك العبارة الجبروتية ظل صداها المُخجل يرنُّ بما يحمله من حقيقة مُرة, رغم استبسال من حاولوا التقليل من قيمة ذلك التقرير والتقارير التي لحقته وبرروا تردِّينا الداخلي بشمَّاعة التدخل الخارجي ومؤامراته فحسب والتركيز على الترجمة لا يأتي اعتباطاً فهي واحدة من ركائز أي نهضة, وهي الجسر الذي لا مناص منه للعبور إلى ضفاف معارف الثقافات والحضارات الأخرى. وعندما يتقطَّع هذا الجسر تبهت أنوار التثاقف والتلاقح الفكري ويضمحلُّ معها التحدي الدائم بالمواكبة والمنافسة لا يحتاج أي متأمل في تاريخ الحضارات والنهوض كثير جهد لإدراك مركزية الترجمة في إحداث السيرورات الحضارية.

الترجمات الإغريقية واليونانية والفارسية والهندية أغنت الثقافة العربية الإسلامية وأدخلت إلى الفضاء العربي مبتكرات وإنتاجات وأفكار ثقافات تركت آثاراً كبيرة في تشكيل وعي وعلم ومعرفة المجتمعات العربية الإسلامية ونخبها.

ولو لم تترجم أوروبا ما صدر عن الحضارات التي سبقتها ثم تنطلق منها وتبني عليها لكان للعالم وجه آخر هذا اليوم. وهذا اليوم أيضاً تقوم حضارة ونهوض جنوب آسيا وشرقها (وفي مقدمة ذلك الصين واليابان والهند) على حركة مد مذهلة في الترجمة, بحيث تترجم المعارف والعلوم الصادرة في أهم الميادين والجغرافيات على وجه السرعة، وحتى لا تكون هناك أية فجوة زمنية بين انطلاق معرفة جديدة وانخراط تلك المجتمعات فيها, ثم في اقتباسها وهضمها وتطويرها والمنافسة فيها.

عربياً وفي أعقاب العبارة القاسية والمريرة المشار إليها في مستهل هذه السطور والتي لطَمنا بها تقرير التنمية الإنسانية تحركت أفكار وجهود

عدة, وتسارعت مؤسسات لتحاول سد الثغرة وجسر الهوة الكبيرة بين واقعنا, في ظل المثال الإسباني, وماضينا, في ظل المثال "المأموني".

على المستوى الأهلي كانت "المنظمة العربية للترجمة" في بيروت جهداً إبداعياً وريادياً خلال السنتين الماضيتين, وقد أشرفت على ترجمة مجموعة بالغة الأهمية من الكتب المرجعية من الإنجليزية والفرنسية وتمتاز كتبها المترجمة بالدقة واللغة الرفيعة والطباعة السهلة. أما على مستوى آخر وأكثر جرأة وطموحاً فلعله بالإمكان الإشارة إلى الاستعدادات لإطلاق "مؤسسة كلمة" للترجمة بمبادرة من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. فبحسب الأدبيات الشارحة لأهداف وطموحات المؤسسة فإن الغاية الأولى والأساسية ترجمة أكبر عدد ممكن من الكتب الصادرة سنوياً باللغات الأخرى إلى اللغة العربية.

وسوف تبدأ المؤسسة بترجمة مئة كتاب كل سنة, ثم تضاعف من ذلك لتصل إلى ثلاثمائة كتاب. وستقوم المؤسسة برعاية ودعم الترجمات ومساعدة الناشرين في نشرها, كما ستساهم في تطوير وتثوير قطاع الترجمة في المنطقة العربية بشكل عام.

ولأن عالم الكتب والنشر والقراءة هو عالم فقير في بلداننا العربية فإن قيام مؤسسة تتصدى لمهمة إغنائه، وتكون ذات أهداف كبرى وطموحة وتتعدى ما هو متعارف عليه، يصعب أن تكون ربحية أو تتوخى تأسيس استثمار ناجح. ولهذا فإن ما يبعث الأمل بنجاح واستمرارية "كلمة" هو كونها مؤسسة لا تسعى للربح، بل قائمة على قناعات الإدارة الشابة والنشطة عليها ورصدها لموارد كبيرة مالية وإدارية لإنجاحها.

إذا نجحت هذه المؤسسة, ومنظمات الترجمة العربية الأخرى, في التحدي الكبير الذي تتصدى له، فإنها ستستحق بعد عدة سنوات وساماً مكتوباً عليه: "شطبنا العبارة الجبروتية" المذكورة في تقرير التنمية, وما عاد بإمكان أحد أن يستخدمها أو يشير إليها!

بيد أن النجاح المأمول له اشتراطات عديدة تتخطى توفر الموارد المالية وحسب, وربما من المهم في هذا السياق الإشارة إلى أهم تلك الاشتراطات, أو ما يرد على هذه السطور على أقل تقدير.

الاشتراط الأول: ضمان نوعية ومستوى الترجمة وعدم المساومة عليها. وهذا الاشتراط الأول والأساسي مدفوع بسقف الكمية العالي الذي تضعه "كلمة" هدفاً لها لتحقيقه كل عام, أي مئة كتاب. وهو مدفوع أيضاً بواقع ترجمة غير مطمئن في العالم العربي, من حيث رداءة النوعية, ورخص الإنتاج واستعجاله, وسوى ذلك مما يقضى على العمل الأصلي. ومعنى ذلك أن هناك حاجة إلى مئة مترجم محترف من اللغات الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية (وربما اليابانية والصينية والفارسية والهندية ولغات أخرى) كل عام ويلحق بهؤلاء المترجمين عدد مثلهم أو ضعفهم من المدققين والمحررين الذين يتقنون تلك اللغات أيضاً وهؤلاء جميعاً تلزمهم إدارة تحرير يقظة وسريعة تشرف على خط إنتاج كثيف ومتعدد المسارات.

الاشتراط الثاني : هو ضمان نوعية العناوين المختارة للترجمة, وتنوعها, وتعدد مشاربها ولغاتها. وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة الانتباه لما يصدر خارج إطار الفضاءين الأنجلوفوني والفرانكوفوني. فنحن, في غالبيتنا الكاسحة, لا نعرف ماذا يصدر من معارف في اليابان والصين والهند وآسيا, سواء أكان تكنولوجياً أم ثقافياً وفكرياً واجتماعياً.

ولأن جوانب مهمة من التجربة التاريخية والواقع الاجتماعي في تلك المناطق تتشابه مع تجارب وواقع المنطقة العربية يصبح لزاماً علينا قراءة ما يحدث هناك قراءة واعية ومدركة. بل أقرب من تلك الجغرافيا من الضروري أن تتم ترجمة بعض ما يصدر في تركيا وإيران، وهما الجارتان الأقرب للمنطقة العربية لكن الأبعد من ناحية الفهم الثقافي الوثيق. كم هي الكتب الفارسية والتركية التي تترجم للعربية كل عام؟

الاشتراط الثالث : متعلق بالتنسيق مع مؤسسات الترجمة الأخرى التي قامت حديثاً أو المتواجدة قديماً في البلدان العربية, وذلك لتفادي ازداوجية الترجمة والإنتاج. وهنا من المهم الإشارة إلى الانتاجات الكبيرة والمتميزة لهيئات عربية اشتغلت في مجال الترجمة وأبدعت منها المجلس الأعلى للثقافة والفنون في القاهرة, والمجلس الأعلى للثقافة في الكويت, ونظيره حديثاً في قطر, وكذلك المنظمة العربية للترجمة في بيروت، والتي ترجمت في السنوات القليلة الأخيرة مجموعة بالغة الأهمية من المراجع في أكثر من حقل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-22-10-2007