ثقافة الإصغاء للآخر

 

 

محمد خلفان الصوافي

 

 

أكدت دراسة سعودية أجريت منذ أشهر، أن هناك قيمة تكاد تغيب خلال دوامة الحديث عن أهمية تبادل النقاش والحوار المتبادل بين كافة شرائح المجتمع العربي، وهذه القيمة المعروفة بغيابها نظرياً قبل تأكيد هذه الدراسة هي: فن الإصغاء للآخر.

فحسب الدراسة، فإن 40% من عينة الدراسة لا تجيد الإصغاء، ما يعني غياب جوهر وصلب أي حوار أو نقاش متبادل والمفهوم أن الحوار يعتمد في أساسه على "الإصغاء" للبناء في المقابل إما بالقبول بما يقوله الطرف الأول، المتكلم، والأخذ بما يقوله أو رفضه إذا ما كان غير متوافق مع ما يريده الطرف الآخر.

وأعتقد أن ما جاء في تلك الدراسة التي قام بها باحثان سعوديان، يؤكد أن هناك تغييبا عربيا واضحا لأحد أركان الحوار الهادف، وما ينطبق على السعودية ينطبق من دون شك على باقي الدول العربية.

الطريق إلى الحوار والنقاش الهادف، سياسياً وثقافياً ودينياً، يتطلب إيماناً بأن "الإصغاء" الجيد هو الأساس لفهم كيف يفكر الآخرون وما يريدون منا، هذا إذا كان الأمر متعلقا بالداخل أو الخارج.

والإصغاء باعتباره "فناً"، فهو المنطلق الحقيقي للتوصل إلى نقاط محددة مع الطرف الآخر، سواء على مستوى دائرة العلاقات الاجتماعية الضيقة أو علاقات العمل أو مناقشة القضايا المجتمعية... إلخ، وإن ذلك لن يتحقق ما لم يكن هناك "إصغاء" جيد، باعتبار أن ذلك أساس لكل عمل جماعي. فن الإصغاء الجيد، يتطلب وعياً ويقظة من المستمع بما يقوله المتحدث وليس التأكيد بالإيجاب، بترديد مفردات تدل على الموافقة والإيجاب أو مؤشرات معينة تؤكد أن الموافقة مثل "هز الرأس" بأن ما يقوله صحيح بهدف إنهاء كلامه وبالتالي كي يبدأ هو بالحديث كما هو حاصل في العديد من حواراتنا الثنائية والجماعية.

نلاحظ جميعاً أن غياب قيمة الإصغاء نتج عنه تدن في الحوار وخلق الكثير من المشاكل، ما يتطلب وقفة جادة وعلاجاً سريعاً إذا ما أردنا الإصلاح في أوطاننا؛ لأن فقدان هذه القيمة، معناه فقدان القدرة على التواصل بين الأفراد في المجتمع وبالتالي فقدان الرؤى على الساحة السياسية والثقافية، وهو دليل على الرفض المسبق لما يمكن أن يقوله المتحدث للمستمع ولكل وجهة نظر تختلف مع وجهة نظرنا بغض النظر عن منطقية هذا الرأي. ولعلنا إذا أردنا أن نوضح خطورة غياب "الإصغاء" ما علينا سوى إلقاء نظرة على ما يدور من حوارات ونقاشات في القنوات التلفزيونية والإذاعية، وما يتسرب من الاجتماعات المغلقة بين الموظفين والمسؤولين في المؤسسات وحتى على مستوى القادة.

المشترك بين الجميع ألا أحد يصغي لأحد، بل الكل يتكلم في آن واحد! الكل يصرخ، والكل يصيح بانفعال ولا أحد يصغي لأحد، الكل يفعل ذلك بصفة دائمة في كل مكان وفي كل محفل، لكن لا أحد يستمع لأحد.

الحقيقة التي لا تخلو في جانب منها مناهج التربية العربية عموماً، هي أنه منذ الصغر والفرد العربي يرى أن الجميع يتحدث دون أي يصغي أحد للآخر.

وهذه العادة التي نعتقدها عين حرية التعبير، لا تحتاج إلى دراسة كي يكتشفها أحدنا بل بمجرد الجلوس في مجلس، سواء للفرح أو الترح أو حتى في النقاش العملي، سيجد أن الجميع يتحدثون لكن لا أحد يستمع وإن فعل أحدهم وأعطاك أذنيه، فستجده شارد الذهن، وإن سألته حول مدى فهمه لما تقول تجده إما يمسك آخر جملة قلتها أو أنه يؤكد لك بالإيجاب على ما قلته بكل المفردات التي تعرف أنه موافق معك عليها. عدم الإصغاء "عادة سيئة" غرست في أفراد الشعوب العربية منذ الصغر.

خطورة الظاهرة نجدها في أن مشكلاتنا المحلية والإقليمية تراوح مكانها، رغم كثرة الحوارات في المجالس والمنتديات والجرائد... إلا أنها مستمرة بلا حل وستبقى كذلك إلى أن نجيد فن الحوار الهادف.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-20-8-2007